خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٧٥
يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
٢٧٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٢٧٨
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ
٢٧٩
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٨٠
وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٨١
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى -: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ...} استئناف قصد به الترهيب من تعاطى الربا، بعد الترغيب فى بذل الصدقة لمستحقيها.
ولم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد، لأن الصدقة - كما يقول الفخر الرازى - عبارة عن تنقيص المال - فى الظاهر - بسبب أمرالله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهى الله عنه فكانا متضادين.
والأكل فى الحقيقة. ابتلاع الطعام، ثم أطلق على الانتفاع بالشىء وأخذه بحرص وهو المراد هنا. وعبر عن التعامل بالربا بالأكل، لأن معظم مكاسب الناس تنفق فى الأكل.
والربا فى اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال: ربا الشىء يربو إذا زاد ونما، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ... } أى: زادت.
وهو فى الشرع: - كما قال الآلوسى - عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض فى معاوضة مال بمال.
وقوله: {يَتَخَبَّطُهُ}: من التخبط بمعنى الخبط وهو الضرب على غير استواء واتساق. يقال: خبطته أخبطه خبطا أى ضربته ضرباً متوالياً على أنحاء مختلفة. ويقال: تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه ويقال للذى يتصرف فى أمر ولا يهتدى فيه يخبط خبط عشواء. قال زهير بن أبى سلمى فى معلقته:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطى يعمر فيهرم

والمس: الخبل والجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون. وأصل المس اللمس باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإِنسان فيجنه.
والمعنى: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ} أى يتعاملون به أخذا وإعطاء {لاَ يَقُومُونَ} يوم القيامة للقاء الله إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع المجنون حال صرعه وجنونه، وتخبط الشيطان له، وذلك لأنه قياماً منكراً مفزعا بسبب أخذه الربا الذى حرم الله أخذه.
فالآية الكريمة تصور المرابى بتلك الصورة المرعبة المفزعة، التى تحمل كل عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا.
وهنا نحب أن نوضح أمرين:
أما الأمر الأول: فهو أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك.
قال الآلوسى: وقيام المرابى يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، فقد أخرج الطبرانى عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إياك والذنوب التى لا تغفر. الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط" ثم قرأ الآية، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه، ولعل الله - تعالى - جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له... ثم قال. وقال ابن عطية: المراد تشبيه المرابى فى حرصه وتحركه فى اكتسابه فى الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة: قد جن، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذى لا يعتبر فى مثل هذه المقامات".
والذى نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين فى الدنيا والآخرة، فهم فى الدنيا فى قلق مستمر، وانزعاج دائم، واضطراب ظاهر بسبب جشعهم وشرههم فى جمع المال، ووساوسهم التى لا تكاد تفارقهم وهم يفكرون فى مصير أموالهم... ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم أشبه بالمجانين فى أقوالهم وحركاتهم. أما فى الآخرة فقد توعدهم الله - تعالى - بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم.
وقد رجح الإِمام الرازى أن الآية الكريمة تصور حال المرابى فى الدنيا والآخرة فقال ما ملخصه: "إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، ومن كان كذلك كان فى أمر الدنيا متخبطاً... وآكل الربا بلا شك أنه يكون مفرطاً فى حب الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك حجاباً بينه وبين الله - تعالى -، فالخبط الذى كان حاصلا له فى الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط فى الآخرة وأوقعه فى ذل الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندى من غيره".
وأما الأمر الثانى: فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضاً أن التشبيه فى الآية الكريمة على الحقيقة، بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون الذى مسه الشيطان، لأن الشيطان قد يمس الإِنسان فيصيبه بالصرع والجنون.
ولكن الزمخشرى ومن تابعه ينكرون ذلك، ويرون أن كون الصرع أو الجنون من الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك، فقد قال الزمخشرى فى تفسيره: "وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإِنسان فيصرع. والمس الجنون، ورجل ممسوس - أى مجنون -. وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنى يممسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم فى الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات".
ومن العلماء الذين تصدون للرد على الزمخشرى ومن تابعه الإِمام القرطبى فقد قال: "وفى هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك فى الإِنسان ولا يكون منه مس. وقد روى النسائى عن أبى اليسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول:
"اللهم إنى أعوذ بك من التردى والغرق والهدم والحريق، وأعوذ بك من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت، وأعوذ بك من أن أموت فى سبيلك مدبراً وأعوذ بك أن أموت لديغاً" .
وقال الشيخ أحمد بن المنير: ومعنى قول الزمخشرى أن تخبط الشيطان من زعمات العرب، أى من كذباتهم وزخارفهم التى لا حقيقة لها، كما يقال فى الغول والعنقاء ونحو ذلك. وهذا القول من تخبط - الشيطان بالقدرية - أى المعتزلة - فى زعماتهم المردودة بقواطع الشرع، ثم قال: واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشارع عنها، والقدرية ينكرون كثيراً مما يزعمونه مخالفاً لقواعدهم.. من ذلك السحر، وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشئ من ذلك فعلى غير الوجه الذى يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع فى خيط طويل لهم، والذى نراه أن ما عليه جمهور العلماء من أن التشبيه على الحقيقة هو الحق، لأن الشيطان قد يمس الإِنسان فيصيبه بالجنون، ولأنه لا يسوغ لنا أن تؤول القرآن بغير ظاهره بسبب اتجاه دليل عليه.
وقوله: {مِنَ ٱلْمَسِّ} متعلق بيقومون أى لا يقومون من المس الذى حل بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما المصروع من جنونه.
وقوله - تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} بيان لزعمهم الباطل الذى سوغ لهم التعامل بالربا، ورد عليه بما يهدمه.
واسم الإِشارة "ذلك" سيعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذى نزل بهم. والمعنى: ذلك الأكل الذى استحلوه عن طريق الربا، أو ذلك العذاب الذى حل بهم والذى من مظاهره قيامهم المتخبط، سببه قولهم إن البيع الذى أحله الله يشابه الريا الذى نتعامل به فى أن كلا منهما معاوضة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: "هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام فى الربا لا فى البيع، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل الشىء الذى لا يساوى إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت: جىء به على طريق المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم فى حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً فى الحل حتى شبهوا به البيع".
وقوله: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} جملة مستأنفة، وهى رد من الله - تعالى - عليهم، وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع.
قال الآلوسى: وحاصل هذا الرد من الله - تعالى - عليهم: أن ما ذكرتم - "من أن الربا مثل البيع - قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان، على أن بين البابين فرقاً، وهو أن من باع ثوباً يساوى درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شىء منهما إلا وهو فى مقابلة شىء من الثوب. وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض، ولا يمكن جعل الإِمهال عوضا إذا الإِمهال ليس بمال فى مقابلة المال".
وقوله: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ}. تفريع على الوعيد السابق فى قوله: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا...} إلخ.
والمجىء بمعنى العلم والبلاغ، والموعظة: ما يعظ الله - تعالى - به عباده عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره.
أى: فمن بلغه نهى الله - تعالى - عن الربا، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه، {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أى فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم يقبضه.. لأن الله - تعالى - يقول بعد ذلك {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ..}.
وقوله: {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أى أمر هذا المرابى الذى تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده، أمره مفوض إلى الله - تعالى - فهو الذى يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه.
قال ابن كثير: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} .. إلخ أى ما بلغه نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله:
{ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف } وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "وكل ربا فى الجاهلية موضوع تحت قدمى هاتين وأول ربا أضع ربا عمى العباس" ، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة فى حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال - تعالى -: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أى فله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم.
و"من" فى قوله: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} شرطية وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون موصولة. وعلى التقديرين فهى فى محل رفع بالابتداء، وقوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} هو الجزاء أو الخبر، و {مَوْعِظَةٌ} فاعل جاء، وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل أو تكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهى فى معنى المذكر.
وقوله: {مِّنْ رَّبِّهِ} جار ومجرور متعلق بجاءه، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة.
وفى قوله: {مِّنْ رَّبِّهِ} تفخيم لشأن الموعظة، وإغراء بالامتثال والطاعة لأنها صادرة من الله - تعالى - المربى لعباده.
وفى هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده، لأنه - سبحانه - لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهى، ولم يجعل تشريعه بأثر رجعى بل جعله للمستقبل، إذ الإِسلام يجب ما قبله. فما أكله المرابى قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم، وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا.
ولقد توعد الله - تعالى - من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله - تعالى - فقال {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
أى ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها، والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه.
وفى هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها: التعبير فيها بأولئك التى تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله، والتعبير بالجملة الاسمية التى تفيد الدوام والاستمرار والتعبير، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة، وبكلمة {خَالِدُونَ} التى تدل على طول المكث.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المرابين، وحسن عاقبة المتصدقين فقال: {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ}.
والمحق: النقصان والإِزالة للشىء حالا بعد حال، ومنه محاق القمر، أى انتقاصه فى الرؤية شيئاً فشيئاً حتى لا يرى، فكأنه زال وذهب ولم يبق منه شىء.
أى: أن المال الذى يدخله الربا يمحقه الله، ويذهب بركته، أما المال الذى يبذل منه صاحبه فى سبيل الله فإنه - سبحانه - يباركه وينميه ويزيده لصاحبه.
قال الإِمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: اعلم أنه لما كان الداعى إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد من الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان المال، لما كان الأمر كذلك بين - سبحانه - أن الربا، وإن كان زيادة فى الحال إلا أنه نقصان فى الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً فى الصورة إلا أنها زيادة فى المعنى، واللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضى به الطبع والحس والدواعى والصوارف، بل يعول على ما أمر به الشرع.
ثم قال: واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون فى الدنيا وأن يكون فى الآخرة. أما محق الربا فى الدنيا فمن وجوه:
أحدها: أن الغالب فى المرابى وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عنه، ففى الحديث:
"الربا وإن كثر فإلى قل" .
وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة.
وثالثها: إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم...
ورابعها: أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ماله من الربا ويقولون: إن ذلك المال ليس له فى الحقيقة فلا يترك فى يده.
وأما أن الربا مسبب للمحق فى الآخرة فلوجوه منها أن الله - تعالى - لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا صلة رحم - كما قال ابن عباس -، ومنها أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت بل الباقى هو العقاب وذلك هو الخسران الأكبر.
وأما إرباء الصدقات فى الدنيا فمن وجوه: منها: أن من كان لله كان الله له، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله، ومنها أن يزداد كل يوم فى ذكره الجميل وميل القلوب إليه، ومنها أن الفقراء يدعون له بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع.
وأما إرباؤها فى الآخرة فقد روى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"إن الله - تعالى - يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم مهره، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد" .
ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين، وتهديد شديد للمرابين ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}.
و{كَفَّارٍ} فعيل بمعنى فاعل فهى صيغة مبالغة من آثم، والأثيم هو المكثر من ارتكاب الآثام المبطئ عن فعل الخيرات.
أى: أن الله - تعالى - لا يرضى عن كل من كان شأنه الستر لنعمه والجحود لها، والتمادى فى ارتكاب المنكرات، والابتعاد عن فعل الخيرات.
وقد جمع - سبحانه - بين الوصفين للإِشارة إلى أن الإِيمان المرابين ناقص إن لم يستحلوه وهم كفار إن استحلوه، وهم فى الحالتين آثمون معاقبون، يعيدون عن محبة الله ورضاه. وسيعاقب - سبحانه - الناقصين فى إيمانهم، والكافرين به بما يستحقون من عقوبات.
فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن استحلوا الربا، أو فعلوه مع عدم استحلالهم له.
وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا، ساق - سبحانه - آية فيها أحسن البشارات للمؤمنين الصادقين فقال - تعالى -:
{إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أى إيماناً كاملا بكل ما أمر الله به {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أى الأعمال الصالحة التى تصلح بها نفوسهم والتى من جملتها الإِحسان إلى المحتاجين، والابتعاد عن الربا والمرابين {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} بالطريقة التى أمر الله بها، بأن يؤدوها فى أوقاتها بخشوع واطمئنان {وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} أى أعطوها لمستحقيها بإخلاص وطيب نفس.
هؤلاء الذين اتصفوا بكل هذه الصفات الفاضلة {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أى لهم ثوابهم الكامل عند خالقهم ورازقهم ومربيهم.
{وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يوم الفزع الاكبر {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لأى سبب من الأسباب، لأن ما هم فيه من أمان واطمئنان ورضوان من الله - تعالى - يجعلهم فى فرح دائم، وفى سرور مقيم.
ثم ينتقل القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن التعامل بالربا فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أى اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال والأقوال التى تفضى بكم إلى عقابه.
وقوله: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} أى: اتركوا ما بقى فى ذمم الذين عاملتموهم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب، فهذا مقابل لقوله - تعالى - قبل ذلك: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أى ما سلف قبضه من الربا قبل نزول الآية فهو لكم، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورن بتركه.
وقوله: {مِنَ ٱلرِّبَا} متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل {بَقِيَ} أى اتركوا الذى بقى حال كونه بعض الربا، ومن للتعيض. أو متعلق ببقى.
و{وَذَرُواْ} فعل أمر - بوزن علوا - مبنى على حذف النون والواو فاعل، وأصله "وذروا" فحذفت فاؤه، والماضى منه "وذر".
وقوله: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} حض لهم على ترك الربا أى إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقى من الربا مما زاد على رءوس أموالكم.
قال ابن كثير: "نزل هذا السياق فى بنى عمرو بن عمير بن ثقيف، وبنى المغيرة من بنى مخزوم كان بينهم ربا فى الجاهلية فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة: لا نؤدى فى الإِسلام، فكتب فى ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه. فقالوا نتوب إلى الله ونذر ما بقى من الربا فتركوه كلهم. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لكل ما استمر على تعاطى الربا بعد الإِنذار" ثم هدد الله - تعالى كل من يتعامل بالربا تهديداً عنيفاً فقال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
أى: فإن لم تتركوا الربا وأخذتم منه شيئاً بعد نهيكم عن ذلك، فكونوا على علم ويقين بحرب كائنة من الله - تعالى - ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا.
وقوله: {فَأْذَنُواْ} من أذن بالشىء يأذن إذا علمه. وقرئ {فآذنوا} من آذنه الأمر وآذنه به: أعلمه إياه: أى أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله.
وتنكير "حرب" للتهويل والتعظيم أى فكونوا على علم ويقين من أن حربا عظيمة ستنزل عليكم من الله ورسوله.
قال بعضهم: والمراد المبالغة فى التهديد دون نفس الحرب. وقال آخرون: المراد نفس الحرب بمعنى أن الإِصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر عليه الإِمام قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من الحبس والتعزير إلى أن تظهر منه التوبة. وإن وقع ممن يكون له عسر وشوكة، حاربه الإِمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر الصديق ما نعى الزكا. وقال ابن عباس: من تعامل بالربا يستتاب فإن تاب فبها وإلا ضرب عنقه.
ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عند توبتهم عن التعامل بالربا فقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}.
أى: وإن تبتم عن التعامل بالربا الذى يوجب الحرب عليكم من الله ورسوله، فلكم رءوس أموالكم أى أصولها بأن تأخوذها ولا تأخذوا سواها، وبذلك لا تكونون ظالمين لغرمائكم، ولا يكونون ظالمين لكم، لأن من أخذ رأس ماله بدون كان مقسطاً ومتفضلا، ومن دفع ما عليه بدون إنقاص منه كان صادقا فى معاملته.
ثم أمر الله - تعالى - الدائنين أن يصبروا على المدينين الذين لا يجدون ما يؤدون منه ديونهم فقال - تعالى -: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}.
والعسرة: اسم من الإِعسار وهو تعذر الموجود من المال يقال: أعسر الرجل إذا صار إلى حالة العسرة وهى الحالة التى يتعسر فيها وجود المال.
والنظرة: اسم من الإِنظار بمعنى الإِمهال. يقال: نظرة وانتظره وتنظره، تأنى عليه وأمهله فى الطلب.
والميسرة: مفعلة من اليسر الذى هو ضد الإِعسار. يقال: أيسر الرجل فهو موسر إذا اغتنى وكثر ماله وحسنت حاله.
والمعنى: وإن وجد مدين معسر فأمهلوه فى أداء دينه إلى الوقت الذى يتمكن فيه من سداد ما عليه من ديون، ولا تكونوا كأهل الجاهلية الذين كان الواحد منهم إذا كان له دين على شخص وحل موعد الدين طالبه بشدة وقال له: إما أن تقضى وإما أن تربى أى تدفع زيادة على أصل الدين.
و{كَانَ} هنا الظاهر أنها تامة بمعنى وجد أو حدث، فتكتفى بفاعلها كسائر الأفعال. وقيل يجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود إلى المدين وإن لم يذكر وذلك على قراءة {ذا عسرة} بالنصب وقوله: {فنظرة} الفاء جواب الشرط. ونظرة خبر لمبتدأ محذوف أى فالأمر أو فالواجب أو مبتدأ محذوف الخبر أى فعليكم نظرة.
ثم حبب - سبحانه - إلى عباده التصدق بكل أو ببعض ما لهم من ديون على المدينين المعسرين فقال - تعالى -: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
أى: وأن تتركوا للمعسر كل أو بعض ما لكم عليه من ديون وتتصدقوا بها عليه، فإن فعلكم هذا يكون أكثر ثوابا لكم من الإِنظار.
وجواب الشرط فى قوله: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} محذوف. أى إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم فلا تتباطؤا فى فعله، بل سارعوا إلى تنفيذه فإن التصدق بالدين على المعسر ثوابه جزيل عند الله - تعالى -.
وقد أورد بعض المفسرين جملة من الأحاديث النبوية التى تحض على إمهال المعسر، والتجاوز عما عليه من ديون.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من نفس عن غريمه أو محا عنه كان فى ظل العرش يوم القيامة" .
وروى الطبرانى عن أسعد بن زرارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر مع معسر أو ليضع عنه" .
وروى الإِمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر" .
ثم ساق - سبحانه - فى ختام حديثه على الربا آية كريمة ذكر الناس فيها بزوال الدنيا وفناء ما فيها من أموال، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من حساب فقال - تعالى -: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون}.
أى: واحذروا أيها المؤمنون يوما عظيما فى أهواله وشدائده، وهو يوم القيامة الذى تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم، ثم يجازى - سبحانه كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله وفضله، ولا يظلم ربك أحدا.
فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو المعاملات والأخذ والعطاء، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها الله - تعالى -.
قال الآلوسى: أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هى آخر ما نزل على رسول صلى الله عليه وسلم من القرآن. واختلف فى مدة بقائه بعدها. فقيل: تسع ليال. وقيل: سبعة أيام. وقيل: واحد وعشرين يوماً. وروى أنه قال: اجعلوها بين آيات الربا وآية الدين".
هذا، والمتدبر فى هذه الآيات التى وردت فى موضع الربا، يراها قد نفرت منه تنفيراً شديداً، وتوعدت متعاطيه بأشد العقوبات، وشبهت الذين يأكلونه بتشبيهات تفزع منها النفوس، وتشمئز منها القلوب، وحضت المؤمنين على أن يلتزموا فى معاملاتهم ما شرعه الله لهم، وأن يتسامحوا مع المعسرين ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق به.
وقد تكلم الفقهاء وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمه تحريمه كلاما مستفيضا، قال بعضهم: الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل.
فربا النسيئة: هو الذى كان معروفا بين العرب فى الجاهلية، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوه فى موعد معين، فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا، فإن تعذر الأداء زادوا فى الحق وفى الأجل.
وربا الفضل: أن يباع درهم بدرهمين، أو دينار بدينارين، أو رطل من العسل برطلين، أو كيلة من الشعير بكيلتين.
وكان ابن عباس فى أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجوز ربا الفضل اعتماداً على ما روى من أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"إنما الربا فى النسيئة" ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد" رجع عن قوله. لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الربا فى النسيئة" محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير. تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل.
ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا فى القسمين: أما ربا النسيئة فقد ثبت تحريمه بالقرآن كما فى قوله - تعالى -: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا}.
وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذى رواه عبادة ابن الصامت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلا بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يداً بيد" .
وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع. وجمهور العلماء على أن الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها مما يتحد معها فى العلة. وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر..".
ومن الحكم التى ذكرت فى أسباب تحريم الربا: أنه يقتضى أخذ مال الغير بدون عوض، ويؤدى إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق فى الكسب والتجارة والصناعة، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يفضى إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع - كما سبق أن أشرنا -.
ومن الأحاديث الشريفة التى وردت فى التحذير من تعاطى الربا ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"اجتنبوا السبع الموبقات - أى المهلكات - قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" .
وأخرج مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" .
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين أن يسارعوا فى التصدق على المحتاجين، وأن يجتنبوا الربا والمرابين، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإِنفاق فى وجوه الخير، وتمحق وتذهب بتعاطى الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق، وأشرف وسيلة، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطى أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا. استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول:
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم...}.