خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ
٤٩
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ
٥٠
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ
٥١
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى
٥٢
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ
٥٣
كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ
٥٤
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ
٥٥
وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ
٥٦
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ
٥٧
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى
٥٨
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى
٥٩
فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ
٦٠
-طه

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله - تعالى -: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} حكاية لما قاله فرعون لموسى وهارون - عليهما السلام - بعد أن ذهبا إليه ليبلغاه دعوة الحق كما أمرهما ربهما - سبحانه -.
ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا إليه.. لأن القرآن لا يهتم بجزئيات الأحداث التى لا تتوقف عليها العبر والعظات، وإنما يهتم بذكر الجوهر واللباب من الأحداث.
والمعنى: قال فرعون لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه. وأبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه: من ربكما يا موسى الذى ارسلكما إلى؟.
وكأنه - لطغيانه وفجوره - لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه وخالقه. كما قالا له قبل ذلك
{ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ } وخص موسى بالنداء مع أنه وجه الخطاب إليهما لظنه أن موسى - عليه السلام - هو الأصل فى حمل رسالة الحق إليه، وأن هارون هو وزيره ومعاونه أو أنه لخبثه ومكره، تجنب مخاطبة هارون لعلمه أنه أفصح لسانا من موسى - عليهما السلام -.
قال صاحب الكشاف: خاطب فرعون الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى، لأنه الأصل فى النبوة، وهارون وزيره وتابعه، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته - أى فسقه - على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه، لما عرف من فصاحة هارون والرَّتة فى لسان موسى، ويدل عليه قوله:
{ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } ولا شك أن ما حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله {مَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} يدل على نهاية الغرور والفجور والجحود، وشبيه بذلك قوله: - سبحانه - حكاية عنه: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي... } وقوله - تعالى -: { فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن موسى قد رد على فرعون ردا يخرسه ويكبته فقال: {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}.
وقوله {خَلْقَهُ} مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو المفعول الثانى لقوله {أَعْطَىٰ} والمفعول الأول قوله: {كُلَّ شَيءٍ}.
وللعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة اتجاهات يؤيد بعضها بعضا، منها ما يراه بعضهم من أن معنى الآية الكريمة:
1 - قال موسى فى رده على فرعون: يا فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى أعطى كل مخلوق من مخلوقاته، وكل شىء من الأشياء، الصورة التى تلائمه، والهيئة التى تتحقق معها منفعته ومصلحته، ثم هداه إلى وظيفته التى خلقه من أجلها، وأمده بالوسائل والملكات التى تحقق هذه الوظيفة.
وثم فى قوله {ثُمَّ هَدَىٰ} للتراخى فى الرتبة، إذ اهتداء المخلوق إلى وظيفته مرتبة تعلو كثيرا عن خلقه دون أن يفقه شيئا.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: "أعطى كل شىء صورته وشكله الذى يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التى تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذى يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه.
{ثُمَّ هَدَىٰ} أى: عرفه كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه ولله در هذا الجواب، وما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن، ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق.
2 - ومنهم من يرى أن المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذى أعطى كل شىء نظير خلقه فى الصورة والهيئة، كالذكور من بنى آدم، أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها فى صورتها وهيئها من الإناث أزواجا.. ثم هدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب ووسائل التناسل.
وقد صدر الإِمام ابن جرير تفسيره للآية بهذا المعنى فقال ما ملخصه: وقوله: {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} يعنى نظير خلقه فى الصورة والهيئة.. ثم هداهم للمأتى الذى منه النسل والنماء كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك.
3 - ويرى بعضهم أن: المعنى أعطى كل شىء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه.
4 - ومنهم من يرى أن قوله {خَلْقَهُ} هو المفعول الأول لأعطى، وأن قوله {كُلَّ شَيءٍ} هو المفعول الثانى فيكون المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذى أعطى الخلائق كل شىء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله والانتفاع به.
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذه المعانى جميعها لأنه - سبحانه - هو الذى أعطى خلقه كل شىء يحتاجون إليه فى معاشهم، ثم هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم كما أعطى كل نوع من أنواع خلقه الصورة التى تناسبه، والشكل الذى يتناسب مع جنسه
{ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ... } ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله فرعون لموسى: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ}.
والبال فى الأصل: الفكر. تقول: خطر ببالى كذا، أى: بفكرى وعقلى، ثم أطلق على الحال التى يهتم بشأنها، وهذا الإطلاق هو المراد هنا.
أى: قال فرعون بعد أن رد عليه موسى هذا الرد الحكيم: يا موسى فما حال القرون الأولى، كقوم نوح وعاد وثمود.. الذين كذبوا أنبياءهم، وعبدوا غير الله - تعالى - الذى تدعونى لعبادته؟.
وسؤاله هذا يدل على خبثه ومكره، لأنه لما سمع من موسى الجواب المفحم له على سؤاله السابق {مَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} أراد أن يصرف الحديث إلى منحى آخر يتعلق بأمور لا صلة لها برسالة موسى إليه وهى دعوته لعبادة الله - تعالى - وحده، وإطلاق سراح بنى إسرائيل من الأسر.
ولذا رد عليه موسى - عليه السلام - بما يخرس لسانه، ويبطل كيده، فقال - كما حكى القرآن عنه - {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}.
أى: علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربى وحده فى كتاب هو اللوح المحفوظ، وهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء من حالهم، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب.
وقوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} مؤكد لما قبله. أى: لا يخطىء ربى فى علمه، ولا ينسى شيئا مما علمه لأنه منزه عن ذلك، فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإدراك.
وجمع - سبحانه - بين نفى الضلال والنسيان، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شىء من أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شىء، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا لا نسيان معه، ولا زوال له.
ثم بين له آثار علم الله - تعالى - وقدرته فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً..}.
أى: هو - سبحانه - الذى جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش، ليتسنى لكم الانتفاع بخيراتها، وقرأ الأكثرون من السبعة، {مَهْاداً} أى: فراشا. والمهاد فى الأصل ما يمهد للصبى لينام عليه.
{وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} والسلك: الإدخال. أى: وجعل لكم فى داخلها طرقا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان، ومن بلدة إلى أخرى، لقضاء مصالحكم.
{وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} والأزواج: الأصناف.
أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا فأخرجنا بسبب هذا الماء من الأرض أصنافا شتى - أى متفرقة - من النبات، وهذه الأصناف مختلفة المنافع والألوان والطعوم والروائح، مما يدل على كمال قدرتنا، ونفاذ إرادتنا.
وفى قوله {فَأَخْرَجْنَا} التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم، للتنبيه على عظم شأن هذا الإخراج، وأثره الكبير فى حياة الناس.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن الله بها على عباده، وهى: تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها، وإنزال المطر من السماء، وإخراج النبات المتنوع من الأرض.
وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة فى جميع فجاج الأرض، إلا أنها أظهر ما تكون وأوضح ما تكون فى أرض مصر التى كان يعيش فيها فرعون حيث تبدو الأرض فيها منبسطة ممهدة على جانبى النيل الممتد امتدادا كبيرا.
وكان الأجدر بفرعون - لو كان يعقل - أن يخلص العبادة لواهب هذه المنن، ومسدى هذه النعم، وهو الله رب العالمين.
والأمر فى قوله - سبحانه - {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} للإباحة.
أى: هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هى لمنفعتكم ومصلحتكم، فكلوا - أيها الناس - من هذه الثمار المتنوعة التى انشقت عنها الأرض، وارعوا أنعامكم من إبل وبقر وغنم فى المكان الصالح للرعى من هذه الأرض، واشكروا الله - تعالى - على هذه النعم لكى يزيدكم منها.
واسم الإشارة فى قوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} يعود إلى المذكور من تلك النعم السابقة.
و {ٱلنُّهَىٰ} جمع نهية - بضم النون وإسكان الهاء - وهى العقل. سمى بذلك لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نهو الرجل - ككرم - إذا كملت نهيته، أى عقله.
والمعنى: إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من نعمة تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها: وإنزال المطر عليها، وإخراج النبات منها.. إن فى كل ذلك لآيات وعظات وعبر، لأصحاب العقول السليمة، والأفكار القويمة.
ثم بين - سبحانه - أن هذه الأرض منها خلق الإنسان، وإليها يعود، ومنها يبعث للحساب يوم القيامة، فقال - تعالى -: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}.
والضمير فى "منها، وفيها" يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك فى قوله - تعالى -: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً..} والتارة: بمعنى المرة.
أى: من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم، وأنتم تبع له، وفرع عنه، كما قال - تعالى -:
{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } وقوله: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أى: وفى الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث تكون محل دفنكم واستقرار أجسادكم.
وقوله: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} أى: ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء يوم القيامة، للحساب والجزاء.
قال - تعالى -:
{ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ } وقال - سبحانه -: { وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } قال ابن كثير: وهذه الآية كقوله - تعالى -: { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } وفى الحديث الذى فى السنن "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها فى القبر ثم قال: منها خلقناكم ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم ثم أخرى وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى" .
وقوله - تعالى -: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} بيان للموقف الجحودى الذى وقفه فرعون من الحجج والمعجزات التى طرحها أمامه موسى - عليه السلام -.
واريناه: من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد فلما دخلت عليها الهمزة تعدت إلى اثنين أولهما الهاء والثانى آياتنا.
والإضافة فى {آيَاتِنَا} قائمة مقام التعريف العهدى. أى: آياتنا المعهودة لموسى، والتى على رأسها اليد والعصا.
والمعنى: ولقد أرينا فرعون بعينيه آياتنا كلها الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق نبينا موسى، فكانت نتيجة ذلك أن كذب بها، وأبى أن يستجيب للحق..
كما قال - تعالى -:
{ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } وكما قال - سبحانه -: { فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ } والآية الكريمة تؤكد جحود فرعون وطغيانه بجملة من المؤكدات، وهى لام القسم، وقد، والرؤية البصرية، ولفظ "كل" الدال على الشمول والإحاطة.
والفاء فى قوله {فَكَذَّبَ} للتعقيب، أى: فكذب بدون تريث أو تمهل.
والمفعول محذوف. أى: فكذب الآيات أو فكذب موسى بدون تردد أو تأخير.
والتعبير بقوله {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} لزيادة ذمه وتحقير شأنه. لأنه لم يكتف بالتكذيب بل أضاف إلى ذلك الامتناع عن قبول الآيات، والجحود لها، والتعالى على من جاء بها كما ينبىء عنه قوله: - تعالى - بعد ذلك: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} أى: قال فرعون لموسى على سبيل التهديد والوعيد: يا موسى أجئتنا من المكان الذى هربت إليه، ومعك هذه الآيات التى رأيناها، لكى تخرجنا من أرضنا التى عشنا فيها وهى أرض مصر بسبب ما أظهرته أمامنا من سحر وفخة يد.
وسمى اللعين ما جاء به موسى - عليه السلام - من معجزات سحرا، ليزيل من أذهان قومه أثر هذه المعجزات الباهرة.
وقال: {لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} ليحمل أتباعه على الوقوف فى وجه موسى بإبراز أن موسى جاء ليحتل أرضهم، ويحوز أموالهم، ويجعل السلطان لغيرهم.
وقد تكرر هذا المعنى فى آيات كثيرة منه قوله - تعالى -:
{ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } وقوله - سبحانه -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } ثم أضاف فرعون إلى تهديده لموسى تهديدا آخر فقال: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى}.
وقوله: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ...} جواب لقسم محذوف. أى: والله لنأتينك بسحر مثله...
قال الجمل: وقوله: {مَوْعِداً} يجوز أن يكون زمانا، ويرجحه قوله: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ}.
والمعنى: عين لنا وقت اجتماع: ولذلك أجابهم بقوله: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} ويجوز أن يكون مكانا، والمعنى: بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه، وهذا يؤيده قوله: {مَكَاناً سُوًى}.
ويجوز أن يكون مصدرا، ويؤيد هذا قوله {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} لأن المواعدة توصف بالخلف وعدمه.
وقوله: {لاَّ نُخْلِفُهُ} من الإخلاف بمعنى عدم إنجاز الوعد.
وقوله: {سُوًى} قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، وقرأة الباقون بالكسر ومعنى القراءتين واحد.
وأصله من الاستواء. يقال: مكان سوى وسواء. أى: عدل ووسط، بحيث يستوى طرفاه بالنسبة للفريقين.
أى: قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، والله لنأتينك بسحر مثل سحرك، فاجعل بيننا وبينك موعدا للمباراة والمنازلة، لا نخلف نحن ولا أنت هذا الموعد، وأن يكون مكان منازلتنا لك فى مكان يتوسط المدينة، بحيث يستطيع جميع سكانها أن يحضروا إليه.
والمتأمل فى الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ما قال لموسى وهو كأنه قد جمع أطراف النصر بين يديه.
ويشهد لذلك: تصديره كلامه بالقسم {فَلَنَأْتِيَنَّكَ..} وتركه لموسى اختيار الموعد الذى يناسبه {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} واشتراطه عدم الخلف فى الموعد {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} واقتراحه أن يكون مكان المبارزة فى وسط المدينة، حتى يراها جميع الناس {مَكَاناً سُوًى}.
ولقد حكى القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قيل تحدى فرعون، ورد عليه يقول: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى}.
والمراد بيوم الزينة: يوم كانوا يتزينون فيه، ويجتمعون فيه، لأنه يوم عيد لهم.
قيل إنه كان يوم عاشوراء، وقيل يوم النيروز...
أى: قال موسى لفرعون: موعد المنازلة بينى وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم، وفى هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا فى وقت الضحى عند ارتفاع الشمس، لكى يشهدوا ما سيكون بينى وبين سحرتك يا فرعون.
وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد قابل تهديد فرعون له، بتهديد أشد وأعظم، فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس فى وقت الضحى لكى يشاهدوا تلك المباراة.
قال صاحب الكشاف: وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفى المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب فى اتباع الحق، ويكل حد المبطلين واشياعهم، ويكثر الحديث بذلك فى كل بدو وحضر، ويشيع فى جميع أهل الوبر والمدر.
ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى - عليه السلام - موعد المبارزة فقال: {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ}.
أى: وبعد أن استمع فرعون إلى موسى، انصرشف من المجلس، وولى مدبرا {فَجَمَعَ كَيْدَهُ}.
أى: فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته {ثُمَّ أَتَىٰ} بهم فى الموعد المحدد، ليتحدى موسى - عليه السلام -.
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من المحاورات التى دارت بين موسى وفرعون، وأرتنا كيف واجه موسى طغيان فرعون وغروره، برباطة جأش، وقوة إرادة، ومضاء عزيمة..
ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عما دار بين موسى والسحرة من محاورات. انتهت بإيمانهم واعترافهم بالحق الذى جاء به موسى من عند ربه، قال - تعالى -: {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ...}.