خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ
١٠٤
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ
١٠٥
إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ
١٠٦
وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
١٠٧
قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٠٨
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ
١٠٩
إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ
١١٠
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
١١١
قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
١١٢
-الأنبياء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - سبحانه -: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ..} الظرف فيه منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك { لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } أو بقوله - سبحانه -: { وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ } وقوله: {نَطْوِي} من الطى وهو ضد النشر. والسجل: الصحيفة التى يكتب فيها.
والمراد بالكتب: ما كتب فيها من الألفاظ والمعانى، فالكتب بمعنى المكتوبات. واللام بمعنى على.
والمعنى: إن الملائكة تتلقى هؤلاء الأخيار الذين سبقت لهم من الله - تعالى - الحسنى بالفرح والسرور، يوم يطوى - سبحانه - السماء طيا مثل طى الصحيفة على ما فيها من كتابات.
وفى هذا التشبيه إشعار بأن هذا الطى بالنسبة لقدرته - تعالى - فى منتهى السهولة واليسر، حيث شبه طيه السماء بطى الصحيفة على ما فيها.
وقيل: إن لفظ {ٱلسِّجِلِّ} اسم لملك من الملائكة، وهو الذى يطوى كتب أعمال الناس بعد موتهم.
والإِضافة فى قوله {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ} من إضافة المصدر إلى مفعوله، والجار والمجرور صفة لمصدر مقدر. أى: نطوى السماء طيا كطى الرجل أو الملك الصحيفة على ما كتب فيها.
وقرأ أكثر القراء السبعة: (للكتاب) بالإِفراد. ومعنى القراءتين واحد لأن المراد به الجنس فيشمل كل الكتب.
وقوله - تعالى -: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} بيان لصحة الإِعادة قياسا على البدء، إذ الكل داخل تحت قدرته - عز وجل -.
أى: نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه، دون أن ينالنا تعب أو يمسنا لغوب، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء: قال - تعالى -:
{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. } قال صاحب الكشاف: "وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم، فكما أوجده أولا عن عدم. يعيده ثانيا عن عدم".
وقوله - تالى -: {وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تأكيد للإِعادة. ولفظ "وعدا" منصوب بفعل محذوف. و "علينا" فى موضع الصفة له.
أى: هذه الإِعادة وعدنا بها وعدا كائنا علينا باختيارنا وإرادتنا، إنا كنا محققين هذا الوعد، وقادرين عليه، والعاقل من يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه عند بعثه للحساب.
ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}.
والمراد بالزبور: الكتاب المزبور أى: المكتوب، مأخوذ من قولهم: زبرت الكتاب إذا كتبته.
ويشمل هنا جميع الكتب السماوية كالتوراة والإِنجيل والزبور.
والمراد بالذكر: اللوح المحفوظ الذى هو أم الكتاب.
وقيل: المراد بالزبور: كتاب داود خاصة. وبالذكر التوارة، أو العلم، والمقصود بالأرض هنا: أرض الجنة.
فيكون المعنى: ولقد كتبنا فى الكتب السماوية، من بعد كتابتنا فى اللوح المحفوظ: أن أرض الجنة نورثها يوم القيامة لعبادنا الصالحين.
وهذا القول يؤيده قوله - تعالى - فى شأن المؤمنين:
{ وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } ومن المفسرين من يرى أن المراد بالأرض هنا: أرض الدنيا فيكون المعنى:
ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن هذه الأرض التى يعيش عليها الناس مؤمنهم وكافرهم، ستكون فى النهاية لعبادنا الصالحين.
قال الآلوسى ما ملخصه: أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالأرض فى الآية: أرض الجنة، وإنها الأرض التى يختص بها الصالحون. لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع، وأن الآية ذكرت عقب ذكر الإِعادة وليس بعدها أرض يستقر عليها الصالحون. ويمتن الله بها عليهم سوى أرض الجنة.
وفى رواية أخرى عن ابن عباس أن المراد بها أرض الدنيا يرثها المؤمنون، ويستولون عليها.
أخرج مسلم وأبو داود والترمذى عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أن الله - تعالى - زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.." .
ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون المراد بالأرض التى يرثها العباد الصالحون، ما يشمل أرض الجنة وأرض الدنيا، لأنه لم يرد نص يخصص أحد المعنيين.
وقد سار على هذا التعميم الإِمام ابن كثير فقال عند تفسيره لهذه الآية: "يقول الله - تعالى - مخبرا عما قضاه لعباده الصالحين، من السعادة فى الدنيا والآخرة ووراثة الأرض فى الدنيا والآخرة كقوله - تعالى -
{ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } وقال - سبحانه - { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ } وأخبر - تعالى - أن هذا مكتوب مسطور فى الكتب الشرعية، فهو كائن لا محالة، ولهذا قال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ..}.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} يعود على القرآن الكريم الذى منه هذه السورة.
والبلاغ: الشىء الذى يكفى الإِنسان للوصول إلى غايته. يقال: فى هذا الشىء بلاغ أى: كفاية أو سبب لبلوغ المقصد.
أى: إن فى هذا القرآن، وفيما ذكر فى هذه السورة من آداب وهدايات، وعقائد وتشريعات، لبلاغا وكفاية فى الوصول إلى الحق، لقوم عابدين.
وخص العابدين بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بتوجيهات القرآن الكريم، إذ العابد لله - تعالى - بإخلاص، يكون خاشع القلب، نقى النفس، مستعدا للتلقى والتدبر والانتفاع.
ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر فضله على الناس أن أرسل إليهم نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.
أى: وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - بهذا الدين الحنيف وهو دين الإِسلام، إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإِنس والجن.
وذلك لأننا قد أرسلناك بما يسعدهم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخرتهم متى اتبعوك، واستجابوا لما جئتهم به، وأطاعوك فيما تأمرهم به أو تنهاهم عنه.
وفى الحديث الشريف:
"إنما أنا رحمة مهداة" فرسالته - صلى الله عليه وسلم - رحمة فى ذاتها، ولكن هذه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها، أما من أعرض عنها فهو الذى ضيع على نفسه فرصة الانتفاع.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال: أرسل - صلى الله عليه وسلم - "رحمة للعالمين" لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع، فإنما أتى من عند نفسه، حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينا عذيقة - أى: كبيرة عذبه -، فيسقى ناس زرعهم، ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون فيضيعوا. فالعين المفجرة فى نفسها نعمة من الله - تعالى - ورحمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه، حيث حرمها ما ينفعها".
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس بأن رسالته لحمتها وسداها الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده فقال: {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ..}.
أى: قل - يا محمد - للناس: إن الذى أوحاه الله - تعالى - إلىّ من تكاليف وهدايات وعبادات وتشريعات.. تدور كلها حول إثبات وحدانيته - سبحانه - ووجوب إخلاص العبادة له وحده.
قال الآلوسى -رحمه الله -: "ذهب جماعة إلى أن فى الآية حصرين: الأولى : لقصر الصفة على الموصوف. والثانى: لقصر الموصوف على الصفة.
فالأول: قصر فيه الوحى على الوحدانية. والثانى: قصر فيه الله - تالى - على الوحدانية، والمعنى: ما يوحى إلىّ إلا اختصاص الله بالوحدانية، ومعنى هذا القصر أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه، أو غير منظور إليه فى جانبه..".
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} للتحضيض أى: ما دام الأمر كما ذكر لكم فأسلموا لتسلموا.
ثم أرشد - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يقوله للناس فى حال إعراضهم عن دعوته، فقال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ..}.
وآذنتكم: من الإِيذان بمعنى الإِعلام والإِخبار. ومنه الأذان للصلاة بمعنى الإِعلام بدخول وقتها.
قال بعضهم: آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله فى إجرائه مجرى الإِنذار والتحذير.
أى: فإن أعرضوا عن دعوتك - أيها الرسول الكريم - فقل لهم: لقد أعلمتكم وأخبرتكم بما أمرنى ربى أن أعلمكم وأخبركم به، ولم أخص أحدا منكم بهذا الإِعلام دون غيره، وإنما أخبرتكم جميعا "على سواء" أى: حال كونكم جميعا مستوين فى العلم.
فقوله: {عَلَىٰ سَوَآءٍ} فى موضع الحال من المفعول الأول لآذنتكم. أى: فقد أعلمتكم ما أمرنى ربى به حالة كونهم مستوين فى هذا العلم.
ويجوز أن يكون الجار والمجرور فى موضع الصفة لمصدر مقدر. أى: فقد آذنتكم إيذانا على سواء.
وقوله - تعالى -: {وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} إرشاد منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يقوله لهم - أيضا - فى حال إعراضهم عن دعوته.
و "إن" نافية. أى: فإن أعرضوا عن دعوتك يا محمد، فقل لهم: لقد أعلمتكم جميعا بما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وإنى بعد هذا التبليغ والتحذير ما أدرى وما أعرف، أقريب أم بعيد ما توعدون به من العذاب، أو من غلبة المسلمين عليكم، أو من قيام الساعة. فإن علم ذلك وغيره إلى الله - تعالى - وحده، وما أنا إلا مبلغ عنه.
وقوله تعالى : {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ}.
فهو - سبحانه - الذى يعلم ما تجهرون به وما تسرونه من أقوال وأعمال. ويعلم - أيضا - ما تكتمونه فى نفوسكم من كفر وجحود وكراهية لى ولأتباعى، وسيعاقبكم - سبحانه - على ذلك العقاب الذى تستحقونه.
وقوله - سبحانه -: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} زيادة فى تأكيد أن علم ما سينزل بهم من عقاب مرده إلى الله - تعالى - وحده.
أى: وإنى - أيضا - ما أدرى، لعل تأخير عقابكم - بعد أن أعرضتم عن دعوتى - من باب الامتحان والاختبار لكم، أو من باب الاستدراج لكم إلى حين مقدر عنده - سبحانه -، ثم يأخذكم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر.
وفى إسناد علم ما سينزل بهم إلى الله - تعالى - وحده، تخويف لهم أى: تخويف، وأدب ليس بعده أدب من النبى - صلى الله عليه وسلم - مع الله - عز وجل -.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أى: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وهو يتضرع إلى ربه: رب احكم بينى وبين هؤلاء الذين آذنتهم على سواء بالحق {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} أى: الكثير الرحمة على عباده {ٱلْمُسْتَعَانُ} أى: المطلوب منه العون {عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أى: على ما تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب والزور والبهتان.
وقرأ أكثر القراء السبعة {قُلْ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ...} بصيغة الأمر. وهذه القراءة تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمره الله - تعالى - أن يقول ذلك.
وصيغة "قال.." تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد امتثل أمر ربه، فقال ما أمره بقوله.
وبعد: فهذا تفسير لسورة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام - نسأل الله تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.