خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
١٦
لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ
١٧
بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
١٨
وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ
١٩
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
٢٠
-الأنبياء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمعنى: إننا لم نخلق السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله، لم نخلق ذلك عبثا، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية، وقدرتنا النافذة، ومشيئتنا التى لا يقف فى وجهها شىء.
وقوله - تعالى -: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من أن خلق السماوات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا، وإنما لحكم بالغة، مستتبعة لغايات جليلة، ومنافع عظيمة.
و "لو" هنا حرف امتناع لامتناع. أى: امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط.
واللهو: الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، ولا يتناسب مع الجد، وهو قريب من العبث الباطل تقول: لهوت بهذا الشىء ألهو لهوا، إذا تشاغلت به عن الجد، ويطلقه بعضهم على الولد والزوجة والمرأة.
أى: لو أردنا - على سبيل الفرض والتقدير - أن نتخذ ما نتلهى به، لاتخذناه من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ولكنا لم نرد ذلك لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية، فيستحيل علينا أن نريده.
فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال، لأن كلا الأمرين يتنافى مع حكمة الله - تعالى - ومع ذاته الجليلة.
وقوله: {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} تأكيد لامتناع إرادة اللهو، و {أَن} نافية، أى: ما كنا فاعلين ذلك، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا.
وقوله - سبحانه -: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو، وإثبات لما تقتضيه ذاته - تعالى - مما يخالف ذلك.
والقذف: الرمى بسرعة. والاسم القذاف - ككتاب -، وهو سرعة السير، ومنه قولهم: ناقة قذاف - بكسر القاف - إذا كانت متقدمة على غيرها فى السير.
ويدمغه: أى، يمحقه ويزيله، قال القرطبى: وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ.
أى: ليس من شأننا أن نتخذ لهوا، وإنما الذى من شأننا وحكمتنا، أن نلقى بالحق الذى أرسلنا به رسلنا، على الباطل الذى تشبث به الفاسقون {فَيَدْمَغُهُ} أى: فيقهره ويهلكه ويزيله إزالة تامة.
والتعبير القرآنى البليغ، يرسم هذه السنة الإلهية فى صورة حسية متحركة حتى لكأنما الحق قذيفة تنطلق بسرعة فتهوى على الباطل فتشق أم رأسه، فإذا هو زاهق زائل.
قال الآلوسى: وفى إذا الفجائية، والجملة الإِسمية، من الدلالة على كمال المسارعة فى الذهاب والبطلان مالا يخفى، فكأنه زاهق من الأصل.
وقوله - تعالى -: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} وعيد شديد لأولئك الكافرين الذين نسبوا إلى الله - تعالى - مالا يليق به، ووصفوه بأن له صاحبة وولدا
{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً } أى: ولكم - أيها الضالون المكذبون - الويل والهلاك، من أجل وصفكم له - تعالى - بما لا يليق بشأنه الجليل.
وقوله - تعالى -: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} استئناف مؤكد لما قبله من أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته - تعالى -.
أى: وله وحده - سبحانه - جميع من فى السماوات والأرض، خلقا، وملكا، وتدبيرا، وتصرفا وإحياء، وإماتة، لا يخرج منهم أحد عن علمه وقدرته - عز وجل -.
ثم بين - سبحانه - نماذج من عباده الطائعين له، بعد أن حكى أقوال أولئك الضالين، فقال: {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}.
والاستحسار: الكلل والتعب. يقال: حسر البصر يحسُر حسورا - من باب قعد - إذا تعب من طول النظر، ومنه قوله - تعالى -:
{ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ } أى: كليل متعب.
أى: ومن عنده من مخلوقاته وعلى رأسهم الملائكة المقربون، لا يستكبرون عن عبادته - سبحانه - بل يخضعون له خضوعا تاما {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أى: ولا يكلون ولا يتعبون.
بل هم {يُسَبِّحُونَ} الله - تعالى - ويحمدونه ويكبرونه. طول الليل والنهار بدون فتور أو تراخ أو تقصير. يقال: فتَر فلان عن الشىء يفتُر فتورا، إذا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، ويقال: فتر الماء - من باب قعد - إذا سكن حره فهو فاتر.
قالوا: وذلك لأن تسبيح الملائكة لله - تعالى - يجرى منهم مجرى التنفس منا، فهو سجية وطبيعة فيهم وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام، فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.
وبعد أن بين - سبحانه - أن من مخلوقاته من يقوم بتسبيحه وعبادته بدون انقطاع أو فتور، أتبع ذلك بتوبيخ المشركين وبإقامة الأدلة على وحدانيته، واستحالة أن يكون هناك من يشاركه فى ألوهيته فقال - تعالى -: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً...}.