خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
٧٨
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
٧٩
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ
٨٠
وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ
٨١
وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ
٨٢
-الأنبياء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - سبحانه -: {وَدَاوُودَ} منصوب - أيضا - بفعل مقدر، أو معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى}.
وسليمان هو ابن داود، وكلاهما من أنبياء الله - سبحانه -، وينتهى نسبهما إلى يعقوب - عليه السلام - وكانت وفاتهما قبل ميلاد المسيح - عليه السلام - بألف سنة تقريبا، وقد جمع الله - تعالى - لهما بين الملك والنبوة.
والحرث: الزرع. قيل: كان كرما - أى عنباً - تدلت عناقيده.
وقوله: {نَفَشَتْ} من النفش وهو الرعى بالليل خاصة. يقال: نفشت الغنم والإِبل، إذا رعت ليلا بدون راع.
وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات ملخصها: أن رجلين دخلا على داود - عليه السلام - أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع لداود: يا نبى الله، إن غنم هذا قد نفشت فى حرثى فلم تبق منه شيئا، فحكم داود - عليه السلام - لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه فى مقابل إتلافها لزرعه.
وعند خروجهما التقيا بسليمان - عليه السلام - فأخبراه بحكم أبيه. فدخل سليمان على أبيه فقال له: يا نبى الله، إن القضاء غير ما قضيت، فقال له: كيف؟ قال: ادفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها، وادفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليها حتى يعود كما كان. ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده، فيأخذ صاحب الزرع زرعه، وصاحب الغنم غنمه.. فقال داود - عليه السلام - القضاء ما قضيت يا سليمان.
والمعنى: اذكر - أيها الرسول الكريم - قصة داود وسليمان، وقت أن كانا يحكمان فى الزرع الذى {نفشت فيه غنم القوم} أى: تفرقت فيه وانتشرت ليلا دون أن يكون معها راع فرعته وأفسدته.
قال القرطبى: "ولم يرد - سبحانه - بقوله {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ}: الاجتماع فى الحكم وإن جمعهما فى القول، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله - تعالى - له.
وقوله - تعالى -: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} جملة معترضة جىء بها لبيان شمول علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شىء.
أى: وكنا لما حكم به كل واحد منهما عالمين وحاضرين، بحيث لا يغيب عنا شىء مما قالاه.
وضمير الجمع فى قوله {لِحُكْمِهِمْ}: لداود وسليمان، واستدل بذلك من قال إن أقل الجمع اثنان، وقيل: ضمير الجمع يعود عليهما وعلى صاحب الزرع وصاحب الحرث أى: وكنا للحكم الواقع بين الجميع شاهدين.
والضمير المنصوب فى قوله - تعالى -: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} يعود إلى القضية أو المسألة التى عرضها الخصمان على داود وسليمان.
أى: ففهمنا سليمان الحكم الأنسب والأوفق فى هذه المسألة أو القضية، وذلك لأن داود - كما يقول العلماء. قد اتجه فى حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث. وهذا عدل فحسب. أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل البناء والتعمير، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير، وهذا هو العدل الحى الإِيجابى فى صورته البانية الدافعة، وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء".
وقوله - سبحانه -: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} ثناء من الله - تعالى - على داود وسليمان - عليهما السلام - والمقصود من هذا الثناء دفع ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن داود لم يكن مصيبا فى حكمه.
أى: وكلا من داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا {حُكْماً} أى: نبوة وإصابة فى القول والعمل {وَعِلْماً} أى: فقها فى الدين، وفهما سليما للأمور.
وقد توسع بعض المفسرين فى الحديث عن هذا الحكم الذى أصدره داود وسليمان فى قضية الحرث أكان بوحى من الله إليهما، أم كان باجتهاد منهما، وقد رجح بعض العلماء أنه كان باجتهاد منهما فقال: اعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن حكم داود وسليمان فى الحرث المذكور فى هذه الآية كان بوحى، إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود.
وفى الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحى، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده، ولم يستوجب لوما ولا ذما لعدم إصابته.
كما أثنى - سبحانه - على سليمان بالإِصابة فى قوله {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} وأثنى عليهما فى قوله: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}.
فدل قوله {إِذْ يَحْكُمَانِ} على أنهما حكما فيها معا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف. ثم قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحى لكان مفهما إياها كما ترى.
فقوله: {إِذْ يَحْكُمَانِ} مع قوله {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} قرينة على أن الحكم لم يكن بوحى بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك.
والقرينة الثانية: هى أن قوله - تعالى - {فَفَهَّمْنَاهَا} يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه - تعالى - أنزل عليه فيها وحياً جديدا ناسخاً، لأن قوله - تعالى -: {فَفَهَّمْنَاهَا} أليق بالأول من الثانى كما ترى...
ثم بين - سبحانه - نماذج من النعم التى أنعم بها على داود - عليه السلام - فقال: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}.
والتسخير: التذليل أى: وجعلنا الجبال والطير يسبحن الله - تعالى - ويقدسنه مع داود، امتثالا لأمره - سبحانه -.
قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته، بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير فى الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا. ولهذا لما مر النبى - صلى الله عليه وسلم - على أبى موسى الأشعرى، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب، فوقف واستمع إليه وقال:
"لقد أوتى هذا من مزامير آل داود" .
وقال صاحب الكشاف: "فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل فى الإِعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق، روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهى تجاوبه، وقيل: كانت تسير معه حيث سار...
وتسبيح الجبال والطير مع داود - عليه السلام - هو تسبيح حقيقى، ولكن بكيفية يعلمها الله - تعالى - كما قال - سبحانه -
{ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... } وشبيه بالآية التى معنا قوله - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وقوله - سبحانه -: { ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أى: وكنا فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن الله وينزهنه عن كل سوء، على سبيل التكريم له. والتأييد لنبوته، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شىء، سواء أكان هذا الشىء مألوفا للناس أم غير مألوف.
وقوله - تعالى : {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم الله بها على داود.
واللبوس: كل ما يلبس كاللباس والملبس: والمراد به هنا: الدروع.
أى: وبجانب ما منحنا داود من فضائل، فقد علمناه من لدنا صناعة الدروع بحذق وإتقان، وهذه الصناعة التى علمناه إياها بمهارة وجودة {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ}.
أى: لتجعلكم فى حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب. وتقى بعضكم من بأس بعض، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف، وطعنات الرماح.
يقال: أحصن فلان فلانا، إذا جعله فى حرز وفى مكان منيع من العدوان عليه.
والاستفهام فى قوله: {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} للحض والأمر أى: فاشكروا الله - تعالى - على هذه النعم، بأن تستعملوها فى طاعته - سبحانه -.
قال القرطبى -رحمه الله -: "وهذه الآية أصل فى اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب. لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله فى خلقه، فمن طعن فى ذلك فقط طعن فى الكتاب والسنة، وقد أخبر الله - تعالى - عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع، وكان - أيضا - يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا، فالصنعة يكف بها الإِنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس، وفى الحديث: "إن الله يحب المؤمن المحترف المتعفف، ويبغض السائل الملحف".
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}.
وقوله: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} معطوف على معمول "سخرنا" فى قوله - تعالى - قبل ذلك: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} و "عاصفة" حال من الريح.
أى: وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى: شديدة الهبوب، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير.
يقال: عصفت الريح تعصف إذا اشتدت، فهى عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن.
وقوله - تعالى -: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أى: جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التى باركنا فيها وهى أرض الشام. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام.
ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة، وفى آية أخرى بأنها رخاء قال - تعالى -:
{ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } لأنها تارة تكون عاصفة، وتارة تكون لينة رخاء. على حسب ما تقتضيه حكمته - سبحانه -.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: "فإن قلت: وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟.
قلت: كانت فى نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به فى مدة يسيرة، على ما قال: "غدوها شهر ورواحها شهر" فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء فى نفسها وعاصفة فى عملها، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد".
وقال - سبحانه - هنا: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أى تجرى بأمره إلى تلك الأرض فى حال إيابه ورجوعه إليها، حيث مقر مملكته ومسكنه. فالمقصود من الآية الكريمة الإِخبار عن جريانها فى حال عودته إلى مملكته.
أما الآية الأخرى التى تقول:
{ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } أى: حيث أراد لها أن تجرى، فالمقصود منها الإِخبار عن جربها بإذنه فى غير حال عودته إلى مملكته، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين، إذ الجهة فيهما منفكة.
وقوله - تعالى -: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} أى: وكنا بكل شىء يجرى فى هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا. فإنه علم محدود بما نشاؤه ونقدره.
فالجملة الكريمة بيان لإِحاطة علم الله - تعالى - بكل شىء، والتنبيه بأن ما أعطاه الله - تعالى - لسليمان، إنما كان بإرادته - سبحانه - وعلمه.
وقوله - سبحانه -: {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} بيان لمنة أخرى من المنن الكثيرة التى امتن بها - سبحانه - على عبده ونبيه سليمان.
ويغوصون من الغوص وهو النزول تحت الماء، ومنه الغواص الذى ينزل تحت الماء لاستخراج الجواهر وغيرها.
وقوله: {مَن يَغُوصُونَ لَهُ} فى محل نصب عطفا على معمول {سَخَّرْنَا}، السابق.
أى: وسخرنا - أيضا - لسليمان من يغوص له، أى: لأجله، من الشياطين، فينزلون تحت مياه البحار ليستخرجوا له منها الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان.
وفى التعبير بقوله: {لَهُ} إشعار بأن غوصهم لم يكن لمنفعة أنفسهم أو باختيارهم، وإنما هم كانوا يغوصون من أجل مصلحة سليمان - عليه السلام - وبأمره.
وقوله: {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} أى: لم تكن مهمتهم الغوص فقط وإنما كان سليمان يسخرهم ويكلفهم بأعمال أخرى كثيرة كبناء المدائن والقصور وصنع التماثيل والمحاريب.. كما قال - تعالى -:
{ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } فاسم الإِشارة فى قوله {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} يعود إلى الغوص أى: ويعملون له عملا كثيرا سوى ذلك الغوص.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أى: وكنا لهؤلاء الشياطين حافظين من أن يخرجوا عن طاعته. أو أن يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون له.
وتلك نعمة كبرى لسليمان - عليه السلام - حيث جعل - سبحانه - الشياطين لا يستطيعون أن يزيغوا عن أمره.
هذا وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآيات قصصا متعددة منها قصة بساط الريح الذى قيل إن سليمان كان يجلس عليه هو وجنده، فيطير بهم إلى الشام فى وقت قصير، ومنها صفة حمل الريح له وصفة جنوده من الجن والإِنس والطير.
وقد رأينا عدم ذكر ذلك هنا، لأنه لم يرد ما يؤيده من الآثار الصحيحة.
ثم ساق - سبحانه - جانباً من قصة أيوب - عليه السلام - وهى قصة تمثل الابتلاء بالضر فى اشد صوره. قال - تعالى -: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ...}.