خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
٨٣
فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ
٨٤
-الأنبياء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال ابن كثير: "يذكر الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام - ما كان قد أصابه من البلاء فى ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شىء كثير، وأولاد كثيرون، ومنازل مرضية. فابتلى فى ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلى فى جسده.. ولم يبقى من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته.. وقد كان نبى الله أيوب غاية فى الصبر، وبه يضرب المثل فى ذلك.
وقال الآلوسى: وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت بعثته قبل موسى وهارون. وقيل: بعد شعيب، وقيل: بعد سليمان..".
والضر - بالفتح - يطلق على كل ضرر - وبالضم - خاص بما يصيب الإِنسان فى نفسه من مرض وأذى وما يشبههما.
والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - عبدنا أيوب - عليه السلام - وقت أن نادى ربه، وتضرع إليه بقوله: يا رب أنى أصابنى ما أصابنى من الضر والتعب، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها.
فأنت ترى أن أيوب - عليه السلام - لم يزد فى تضرعه عن وصف حاله {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} ووصف خالقه - تعالى - بأعظم صفات الرحمة دون أن يقترح شيئا أو يطلب شيئا، وهذا من الأدب السامى الذى سلكه الأنبياء مع خالقهم - عز وجل -.
قال صاحب الكشاف: " ألطف - أيوب - فى السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان - أى فئران - بيتى على العصى!! فقال لها: ألطفت فى السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا..".
وبعد أن دعا أيوب ربه - تعالى - بهذه الثقة، وبهذا الأدب والإِخلاص، كانت الإِجابة المتمثلة فى قوله - تعالى -: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أى دعاءه وتضرعه {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} أى: فأنزلنا ما نزل به من بلاء فى جسده، وجعلناه سليما معافى. بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل، فنبعت له عين فاغتسل منها، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله - تعالى -.
قال - سبحانه -:
{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ.. } وقال - تعالى -: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أى: لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا، بل استجبنا له دعاءه، بفضلنا وكرمنا، فأزلنا عنه المرض الذى نزل به، ولم نكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من أولاده، ورزقناه مثلهم معهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: "قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} فقال: "رد الله - تعالى - امرأته إليه، وزاد فى شبابها، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا".
فالمعنى على هذا: آتيناه فى الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر.
وعن قتادة: إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا فى بلائه، وأوتى مثلهم فى الدنيا...
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله - تعالى -: {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} أى: أجبنا له دعاءه، وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان الخيرات، من أجل رحمتنا به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكر لغيره من العابدين حتى يقتدوا به فى صبره على البلاء، وفى المداومة على شكرنا فى السراء والضراء.
وخص - سبحانه - العابدين بالذكرى، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحانا. ففى الحديث الشريف:
"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل" .
وفى حديث آخر: "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه" .
وقد كان أيوب آية فى الصبر، وبه يضرب المثل فى ذلك.
هذا، وقصة أيوب - عليه السلام - ستأتى بصورة أكثر تفصيلا فى سورة "ص"، وقد تركنا هنا أقوالا عن كيفية مرضه، وعن مدة هذا المرض.. نظرا لضعفها، ومنافاتها لعصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الأمراض المنفرة.
ثم أشارت السورة إشارات مجملة إلى قصة كل من إسماعيل وإدريس وذىالكفل، قال - تعالى -: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ...}.