خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
٤٢
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٤٣
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ
٤٤
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٤٥
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ
٤٦
فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ
٤٧
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ
٤٨
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
٤٩
وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
٥٠
يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
٥١
وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ
٥٢
-المؤمنون

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا} من بعد قوم نوح وقوم هود {قُرُوناً آخَرِينَ} أى: أقواماً آخرين من الناس، كل قوم كانوا مجتمعين فى زمان واحد، كقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم.
وقوله عز وجل - : {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} بيان لمظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى - وإحكامه لشئون خلقه...
أى: ما تسبق أمة من الأمم أجلها الذى قدرناه لها ساعة من الزمان، ولا تستأخر عنه ساعة، بل الكل نهلكه ونميته فى الوقت الذى حددناه بقدرتنا وحكمتنا.
و "من" فى قوله {مِنْ أُمَّةٍ} مزيدة للتأكيد: وفى هذا المعنى قوله - تعالى -:
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } ثم بين - سبحانه - على سبيل الإِجمال، أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسلاً آخرين، متتابعين فى إرسالهم. كل واحد يأتى فى أعقاب أخيه. ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور. فقال - تعالى -: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى...}.
ولفظ {تَتْرَى} مصدر كدعوى، وألفه للتأنيث وأصله: وَتْرى فقلبت الواو تاء، وهو منصوب على الحال من رسلنا.
أى: ثم أرسلنا بعد ذلك رسلنا متواترين متتابعين واحداً بعد الآخر، مع فترة ومهلة من الزمان بينهما.
قال القرطبى: ومعنى "تترى": تتواتر، ويتبع بعضهم بعضاً ترغيباً وترهيباً..
قال الأصمعى: واترت كتبى عليه، أتبعت بعضها بعضاً إلى أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة... وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {تَتْرًى} بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء، كقولك: حمدًا وشكرًا...
ثم بين - سبحانه - موقف كل أمة من رسولها فقال: {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ..}.
أى: كلما جاء رسول كل أمة إليها ليبلغها رسالة الله - تعالى - وليدعوها إلى عبادته وحده - سبحانه - كذب أهله هذه الأمة هذا الرسول المرسل إليهم. وأعرضوا عنه وآذوه...
قال ابن كثير: "وقوله: {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} يعنى جمهورهم وأكثرهم، كقوله - تعالى -
{ يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } وأضاف - سبحانه - الرسول إلى الأمة، للإشارة إلى أن كل رسول قد جاء إلى الأمة المرسل إليها. وفى التعبير بقوله: {كُلَّ مَا جَآءَ...} إشعار بأنهم قابلوه بالتكذيب. بمجرد مجيئه إليهم، أى: إنهم بادروه بذلك بدون تريث أو تفكر.
فماذا كانت عاقبتهم؟ كانت عاقبتهم كما بينها - سبحانه - فى قوله: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}.
أى: فأتبعنا بعضهم بعضاً فى الهلاك والتدمير، وجعلناهم بسبب تكذيبهم لرسلهم أحاديث يتحدث الناس بها على سبيل التعجب والتلهى، ولم يبق بين الناس إلا أخبارهم السيئة. وذكرهم القبيح {فَبُعْداً} وهلاكاً لقوم لا يؤمنون بالحق، ولا يستجيبون للهدى.
قال صاحب الكشاف: "وقوله {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أى: أخباراً يسمر بها، ويتعجب منها. والأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون جمعاً للأحدوثة: التى هى مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة. وهى: مما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً، وهو المراد هنا".
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانباً من قصة موسى وهارون - عليهما السلام - فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ}.
أى: ثم أرسلنا من بعد أولئك الأقوام المهلكين الذين جعلناهم أحاديث {مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} الدالة على قدرتنا، وهى الآيات التسع وهى: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
وزودناه مع هذه الآيات العظيمة بسلطان مبين، أى: بحجة قوية واضحة، تحمل كل عاقل على الإيمان به، وعلى الاستجابة له.
وكان هذا الإرسال منا لموسى وهارون إلى فرعون وملئه، أى: وجهاء قومه وزعمائهم الذين يتبعهم غيرهم.
{فَٱسْتَكْبَرُواْ} جميعاً عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون - عليهما السلام -، {وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} أى؛ مغرورين متكبرين، مسرفين فى البغى والعدوان.
ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون وملئه فقال: {فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} وهما موسى وهارون {وَقَوْمُهُمَا} أى: بنو إسرائيل الذين منهم موسى وهارون {لَنَا عَابِدُونَ} أى: مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ينقاد الخادم لمخدومه.
فأنت ترى أن فرعون وملأه، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون، لأنهما - أولاً - بشر مثلهم، والبشرية - فى زعمهم الفاسد - تتنافى مع الرسالة والنبوة، ولأنهما - ثانياً - من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيته، ولا يليق - فى طبعهم المغرور - أن يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستضعفين.
قال الآلوسى: "وقوله: {فَقَالُوۤاْ} عطف على {ٱسْتَكْبَرُواْ} وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار، والمراد: فقالوا فيما بينهم... وثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله - تعالى - {بَشَراً سَوِيّاً} وعلى الجمع، كما فى قوله: - تعالى -
{ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً... } ولم يثن {مِثْل} نظرا إلى كونه فى حكم المصدر، ولو أفرد البشر لصح، لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وغيره، وكذا لو ثنى المثل، فإنه جاء مثنى فى قوله: { يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ } ومجموعاً كما فى قوله: { ... ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم } وهذه القصص - كما ترى - تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة، قياس حال الأنبياء على أحوالهم، بناء على جهلهم بتفاصيل شئون الحقيقة البشرية، وتباين طبقات أفرادها فى مراقى الكمال... ومن عجب أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضى أكثرهم للإلهية بحجر...".
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة فرعون وملئه فقال: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ}.
أى: فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون - عليهما السلام - فيما جاءا به من عند ربهما - عز وجل - فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جميعاً.
ثم بين - سبحانه - ما أعطاه لموسى بعد هلاك فرعون وقومه فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}.
والضمير فى قوله - تعالى - {لَعَلَّهُمْ} يعود إلى قوم موسى من بنى إسرائيل. لأنه من المعروف أن التوراة أنزلت على موسى بعد هلاك فرعون وملئه...
أى: ولقد آتينا موسى - بفضلنا وكرمنا - الكتاب المشتمل على الهداية والإِرشاد، وهو التوراة، {لَعَلَّهُمْ} أى: بنى إسرائيل {يَهْتَدُونَ} إلى الصراط المستقيم، بسبب اتباعهم لتعاليمه، وتمسكهم بأحكامه. فالترجى فى قوله {لَعَلَّهُمْ} إنما هو بالنسبة لهم.
وقريب من هذه الآية قوله - تعالى -:
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، حيث أوجد عيسى من غير أب وجعل أمه مريم تلده من غير أن يمسها بشر. فقال - تعالى - {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً...}.
أى: وجعلنا نبينا عيسى - عليه السلام -، كما جعلنا أمه مريم، آية واضحة وحجة عظيمة، فى الدلالة على قدرتنا النافذة التى لا يعجزها شىء.
قال أبو حيان: "قوله : {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} أى: جعلنا قصتهما، وهى آية عظمى بمجموعها، وهى آيات مع التفصيل، ويحتمل أن يكون حذف من الأول "آية" لدلالة الثانى، أى: وجعلنا ابن مريم آية، وأمة آية".
وقوله - تعالى - {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} بيان لجانب مما أنعم به سبحانه - على عيسى وأمه.
والربوة: المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم: ربا الشىء يربو، إذا ازداد وارتفع، ومنه الربا لأنه زيادة أخذت على أصل المال.
ومعين؛ اسم مفعول من عانه إذا أدركه وأبصره بعينه، فالميم زائدة، وأصله معيون كمبيوع ثم دخله الإعلال. والكلام على حذف مضاف. أى: وماء معين.
أى: ومن مظاهر رعايتنا وإحساننا إلى عيسى وأمه أننا آويناهما وأسكناهما، وأنزلناهما فى جهة مرتفعة من الأرض، وهذه الجهة ذات قرار، أى: ذات استقرار لاستوائها وصلاحيتها للسكن لما فيها من الزروع والثمار، وهى فى الوقت ذاته ينساب الماء الظاهر للعيون فى ربوعها.
قالوا: والمراد بهذه الربوة: بيت المقدس بفلسطين، أو دمشق، أو مصر.
والمقصود من الآية الكريمة: الإشارة إلى إيواء الله - تعالى - لهما، فى مكان طيب، ينضر فيه الزرع، وتطيب فيه الثمار، ويسيل فيه الماء ويجدان خلال عيشهما به الأمان والراحة.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء، بتوجيه خطاب إلى الرسل جميعاً، أمرهم فيه بالأكل من الطيبات، وبالتزود من العمل الصالح، فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.
ووجه - سبحانه - الخطاب إلى الرسل جميعاً، مع أن الموجود منهم عند نزول الآية واحد فقط، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم للدلالة على أن كل رسول أمر فى زمنه بالأكل من الطيبات التى أحلها - تعالى - وبالعمل الصالح.
وفى الآية إشارة إلى أن المداومة على الأكل من الطيبات التى أحلها الله، والتى لا شبهة فيها، له أثره فى مواظبة الإنسان على العمل الصالح.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: يأمر الله - تعالى - عباده المرسلين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا أتم قيام، وجمعوا بين كل خير. قولاً وعملاً. ودلالة ونصحاً.
ثم ساق -رحمه الله - عدداً من الأحاديث فى هذا المعنى منها: أن أم عبد الله - بنت شداد بن أوس -
"بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك مع طول النهار وشدة الحر. فرد إليها رسولها: أنّى كانت لك الشاة؟ - أى: على أية حال تملكينها - فقالت: اشتريتها من مالى، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت له: يا رسول الله. بعثتُ إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلىّ الرسول فيه؟ فقال لها: بذلك أمرت الرسل. أن لا تأكل إلا طيبًا ولا تعمل إلا صالحاً" .
ومنها: ما ثبت فى صحيح مسلم، عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه من حرام. ومشربه من حرام، وملبسه من حرام، وغذى بالحرام. يمد يديه إلى السماء : يارب يا رب فأنى يستحاب لذلك" .
وقوله - سبحانه -: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} تحذير من مخالفة ما أمر به - تعالى .
أى: إنى بما تعملون - أيها الرسل وأيها الناس - عليم فأجازيكم على هذا العمل بما تستحقون.
وقوله - سبحانه - {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً...} جملة مستأنفة.
والمراد بالأمة هنا: الشريعة والدين الذى أنزله الله - تعالى - على أنبيائه ورسله، أى: وإن شريعتكم - أيها الرسل - جميعاً هى شريعة واحدة لا تختلف فى أصولها التى تتعلق بالعقائد والعبادات والمعاملات، وإن اختلفت فى الأحكام الفرعية.
وقرأ بعض القراء السبعة: {وَأَنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ...} بفتح الهمزة، على أن الآية من جملة ما خوطب به الرسل.
والتقدير: واعلموا - أيها الرسل - أن ملتكم وشريعتكم، ملة واحدة، وشريعة واحدة فى عقائدها وأصول أحكامها.
{وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} لا شريك لى فى الربوبية {فَٱتَّقُونِ} أى: فخافوا عقابى، واحذروا مخالفة أمرى، وصونوا أنفسكم من كل ما نهيتكم عنه.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال المصرين على كفرهم وضلالهم من دعوة الرسل عليهم - الصلاة والسلام - فقال: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ...}.