خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢
ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
٣
-النور

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى -: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي..} شروع فى تفصيل الأحكام، التى أشار إليها - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه السورة، وهى قوله: { سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا... } والزنا من الرجل معناه: وطء المرأة من غير ملك ولا شبهة ملك ومعناه من المرأة: أن تمكن الرجل من أن يزنى بها.
والخطاب فى قوله - تعالى -: {فَٱجْلِدُواْ...} للحكام المكلفين بتنفيذ حدود الله - عز وجل -.
قال الجمل: "وفى رفع "الزانية والزانى" وجهان: أحدهما - وهو مذهب سيبويه - أنه مبتدأ خبره محذوف. أى: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله: {فَٱجْلِدُواْ..} والثانى: وهو مذهب الأخفش وغيره - أنه مبتدأ. والخبر جملة الأمر، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط..".
فإن قيل: ما الحكمة فى أن يبدأ الله فى فاحشة الزنا بالمرأة، وفى جريمة السرقة بالرجل، حيث قال:
{ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا... } فالجواب: أن الزنا من المرأة أقبح، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب، وإلحاق الدنس والعار بزوجها وأهلها، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل، وفضلا عن ذلك، فإن تمكينها نفسها للرجل: هو الذى كان السبب فى اقترافه هذه الفاحشة، فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا.
وأما جريمة السرقة، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها، لأنها تحتاج إلى جسارة وقوة، واجتياز للمخاطر ... لذا قدم الرجل على المرأة فيها.
وقوله - تعالى - {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ..} نهى منه - سبحانه - عن التهاون فى تنفيذ حدوده، وحض على إقامتها بحزم وقوة، والرأفة: أعلى درجات الرحمة. يقال: رؤف فلان بفلان - بزنة كرم - إذا اشتد فى رحمته، وفى العناية بأمره.
أى: أقيموا - أيها الحكام - حدود الله - تعالى - على الزانية والزانى بأن تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة فى تنفيذ هذه الحدود، ودون أن تقبلوا فى التخفيف عنهما شفاعة شفيع، أو وساطة وسيط، فإن الله - تعالى - الذى شرع هذه الحدود. وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة، أرحم بعباده وبخلقه منكم. والرحمة والرأفة فى تنفيذ أحكامه، لا فى تعطيلها. ولا فى إجرائها على غير وجهها.
وقوله - سبحانه -: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...} تأكيد لما قبله، وإلهاب لمشاعرهم، لتنفيذ حدود الله - تعالى -.
أى: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا، فأقيموا حدود الله، وأجلدوا الزانية والزانى مائة جلدة، لا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة فى ذلك.
وقوله - سبحانه -: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بيان لما يجب على الحكام أن يفعلوه عند تنفيذ العقوبة والأمر بشهود عذابهما للاستحباب لا للوجوب.
والمراد بعذابهما: إقامة الحد عليهما، والطائفة فى الأصل: اسم فاعل من الطواف، وهو الدوران والإحاطة. وتطلق الطائفة عند كثير من اللغويين على الواحد فما فوقه.
قال الآلوسى: "والحق أن المراد بالطائفة هنا، جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة. وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه".
ولعل السبب فى وجاهة رأى القائلين بالأربعة أن هذا العدد هو الذى يثبت به الزنا.
أى: وليشهد إقامة الحد على الزانية والزانى، عدد من المؤمنين، ليكون زيادة فى التنكيل بمن يرتكب هذه الفاحشة، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام على تلك الجريمة النكراء.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تقبيح أمر الزنا تقبيحا آخر أشد وأخزى فقال: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ...}.
والظاهر أن المراد بالنكاح هنا: العقد الذى تترتب عليه المعاشرة الزوجية، لأن أكثر ورود لفظ النكاح فى القرآن. أن يكون بمعنى العقد، بل قال بعضهم إنه لم يرد إلا بهذا المعنى.
أى: أنه جرت العادة أن الشخص الزانى لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة وكذلك المرأة الزانية لا تميل بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو من رجل مشرك وذلك لأن المؤمن بطبعه ينفر من الزواج بالمرأة الزانية، وكذلك المرأة المؤمنة تأنف من الزواج بالرجل الزانى.
فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة الناس فى التآلف والتزاوج، وتبين أن المشاكلة فى الطباع علة للتلاقى، وأن التنافر فى الطباع علة للاختلاف.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" .
وبدىء هنا بالزانى، لأن الآية مسوقة للحديث عن النكاح، والرجل هو الذى يتولاه، وهو الأصل فيه، لأنه هو الذى يلتمسه عن طريق الخطبة وما يتبعها من خطوات توصله إلى إتمام عقد الزواج، والمرأة - فى هذا الباب - تكون فى العادة مطلوبة لا طالبة، ومرغوبة لا راغبة.
وجمع - سبحانه - بين رغبة الزانى ورغبة الزانية لتأكيد ما يليق بكليهما من الميل الدنىء. والطبع الوضيع. والسلوك الخبيث. وأن كل واحد منهما ألعن من صاحبه فى ولوج الطريق القبيح.
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعود على الزنا. وعلى الزواج من الزوانى، لما فيه من التشبيه بالفاسقين، ومن التعرض للعقوبة وسوء السيرة.
أى: وحرم ذلك الذى نهيناكم عنه - وهو الزنا والاقتران بمن يرتكبه - على المؤمنين الأطهار، الذين ينزهون أنفسهم عن الوقوع فى السوء والفحشاء.
هذا. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له "مرثد بن أبى مرثد" كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم المدينة. قال: وكانت امرأة بَغِىٌّ بمكة يقال لها "عناق" وكانت صديقة له - أى فى الجاهلية - وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة فى ليلة مقمرة قال: فجاءت "عناق" فأبصرت سواد ظلى تحت الحائط، فلما انتهت إلى عرفتنى، فقالت: مرثد؟
فقلت: مرثد فقالت: مرحبا وأهلا. هلم فبت عندنا الليلة. فقال: فقلت: يا عناق. حرم الله الزنا. فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعنى ثمانية و دخلت الخندمة - أى جبل بمكة - فانتهيت إلى غار ... فأعماهم الله - تعالى - عنى. ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبى فحملته إلى المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ أنكح عناقا؟ - مرتين -، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد شيئا حتى نزلت هذه الآية: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...} فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مرثد. {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...} فلا تنكحها.
هذا. ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى:
1 - ظاهر قوله - تعالى -: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ...} يفيد أن هذا الجلد لكل من ارتكب هذه الفاحشة سواء أكان محصنا أم غير محصن.
ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة الصحيحة. حيث بينت أن هذا الحد، إنما هو لغير المحصن. أما المحصن - وهو المتزوج أو من سبق له الزواج - فإن حده الرجم حتى يموت.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: "هذه الآية الكريمة فيها حكم الزانى فى الحد".
وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزانى لا يخلو إما أن يكون بكرا: وهو الذى لم يتزوج، أو محصنا: وهو الذى قد وطىء فى نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل.
فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما فى الآية. ويزاد على ذلك أن يُغرَّب عاما عند جمهور العلماء.
وحجتهم فى ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة،
"أن أعرابيين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله، إن ابنى كان عسيفا - أى أجيرا - عند هذا فزنى بامرأته فافتديت ابنى منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام. وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أُنَيس - وهو رجل من قبيلة أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت فرجمها" .
ففى هذا دلالة على تغريب الزانى مع جلده مائة. إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم.
وثبت فى الصحيحين من حديث مالك - مطولا -، أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قام فخطب الناس فقال: "أيها الناس، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد آية الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم فى كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف".
وقد رجم النبى صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية، إلا أن جمهور الفقهاء يرون أنه يكتفى بالرجم، ولا يجلد قبل الرجم، لأنه لم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه جلد أحدا من الزناة المحصنين قبل أن يرجمهم، ومن الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجمون بعد ذلك.
وقال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن رجم الزانيين المحصنين، دلت عليه آيتان من كتاب الله - تعالى -، إحداهما: نسخت تلاوتها وبقى حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم.
أما التى نسخت تلاوتها وبقى حكمها، فهى قوله - تعالى -: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموعما ألبتة) - وقد ورد ذلك فى روايات متعددة - وتدل هذه الروايات على أن الصحابة قرأوها ووعوها. وعقلوها. وأن حكمها باق لأن النبى صلى الله عليه وسلم فعله، والصحابة فعلوه من بعده.
وأما الآية التى هى باقية التلاوة والحكم، فهى قوله - تعالى -:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ } على القول بأنها نزلت فى رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان، وقد رجمهما النبى صلى الله عليه وسلم وقصة رجمه لهما مشهورة، ثابتة فى الصحيح. وعليه فقوله: { ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ } أى: عما فى التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن الرجم فى هذه الآية. يدل على أنه ثابت فى شرعنا فدلت الآية - على هذا القول - أن الرجم ثابت فى شرعنا. وهى باقية التلاوة...
2 - كذلك أخذ العلماء من قوله - تعالى -: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ...} أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود، كما لا يجوز إسقاط الحد؛ لأن فى ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل.
قال الآلوسى ما ملخصه: "قوله - تعالى -: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ...} أى فى طاعته وإقامة حده الذى شرعه. والمراد النهى عن التخفيف فى الجلد. بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم، أو بأن يكون أقل من مائة جلدة. أو بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها.
لما صح
"أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على حِبِّه أسامة بن زيد حين شفع فى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، التى سرقت قطيفة أو حليا، وقال له: يا أسامة، أتشفع فى حد من حدود الله - تعالى -، ثم قام صلى الله عليه وسلم فخطب فقال: أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله - تعالى - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" .
وكما تحرم الشفاعة، يحرم قبولها، فعن الزبير بن العوام - رضى الله عنه - قال: "إذا بلغ الحد إلى الإمام، فلا عفا الله - تعالى - عنه إن عفا".
3 - يرى كثير من الفقهاء أن التحريم فى قوله - تعالى -: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} للتنزيه، وعبر عنه بلفظ "حُرِّمَ" للتغليظ والتنفير من الإقدام على زواج المؤمن من الزانية، أو على زواج المؤمنة من الزانى.
ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج بالزانية. وكذلك لا يجوز للمؤمنة أن تتزوج بالزانى.
وقد فصل القول فى هذه المسألة بعض العلماء فقال ما ملخصه: اعلم أن العلماء اختلفوا فى جواز نكاح العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزانى.
فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعى - إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية ... لأن الله - تعالى - قال {.. وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ..} وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة.
وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز تزويج الزانى العفيفة، ولا عكسه، وهو مذهب الإمام أحمد. وقد ورى عن الحسن وقتادة.
ومن أدلتهم الآية التى نحن بصددها، وهى قوله - تعالى -: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} لأنها قد حرمت فى نهايتها أن يتزوج التقى بالزانية، أو التقية بالزانى.
وعلى أية حال فالمتدبر فى هاتين الآيتين يراهما، تشددان العقوبة على من يرتكب جريمة الزنا، وتنفران من الاقتراب منها وممن يقع فيها أعظم تنفير، لأن الإسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد المجتمع الإسلامى، وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من الوقوع فى هذه الرذيلة.
* * *
وبعد أن نفر - سبحانه - من جريمة الزنا أعظم تنفير، وأمر بتنفيذ عقوبته فى مرتكبها بدون رأفة أو تساهل... أتبع ذلك بتشريعات أخرى من شأنها أن تحمى أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء المعتدين، فقال - تعالى -: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ...}.