خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً
٤١
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً
٤٢
أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً
٤٣
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً
٤٤
-الفرقان

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام ابن كثير -رحمه الله -: يخبر - تعالى - عن استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأوه، كما قال - تعالى -: { وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ... } يعنونه بالعيب والنقص..
ومن عجب أن هؤلاء المشركين الذين كانوا يستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد بعثته إليهم، هم أنفسهم الذين كانوا يلقبونه قبل بعثته بالصادق الأمين، وما حملهم على هذا الكذب والجحود إلا الحسد والعناد.
وقوله - تعالى -: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} مقول لقول محذوف وعائد الموصول محذوف - أيضا -. أى: كلما وقعت أبصار أعدائك عليك - أيها الرسول الكريم - سخروا منك، واستنكروا نبوتك، وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم: أهذا هو الإِنسان الذى بعثه الله - تعالى - ليكون رسولا إلينا. وقولهم هذا الذى حكاه القرآن عنهم، يدل على أنهم بلغوا أقصى درجات الجهالة وسوء الأدب.
ثم يشير القرآن إلى كذبهم فيما قالوه، لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه صلى الله عليه وسلم كانوا فى واقع أمرهم، وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة الحجة، وهذا ما حكاه القرآن عنهم فى قوله: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا}.
أى: أنهم كانوا يقولون فيما بينهم: إن هذا الرسول كاد أن يصرفنا بقوة حجته عن عبادة آلهتنا. لولا أننا قاومنا هذا الشعور وثبتنا على عبادة أصنامنا.
قال الآلوسى: قوله: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} أى: يصرفنا عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط. لولا أن صبرنا عليها واستمسكنا بعبادتها... وهذا اعتراف منهم بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الاجتهاد فى الدعوة إلى التوحيد... ما شارفوا معه أن يتركوا دينهم لولا فرط جهالاتهم ولجاجهم وغاية عنادهم.
وقوله - تعالى -: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تهديد لهم على سوء أدبهم، وعلى جحودهم للحق بعد أن تبين لهم.
أى: وسوف يعلم هؤلاء الكافرون حين يرون العذاب ماثلا أمام أعينهم، من أبعد طريقا عن الحق، أهم أم المؤمنون.
فالجملة الكريمة وعيد شديد لهم على استهزائهم بالرسول الكريم الذى جاءهم ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.
ثم يهملهم القرآن ويتركهم فى طغيانهم يعمهون ويلتفت بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليسرى عن نفسه، وليسليه عما لحقه منهم. وليبين له حقيقة حالهم فيقول: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً...}.
والاستفهام فى قوله - سبحانه - {أَرَأَيْتَ} للتعجب من شناعة أحوالهم، ومن قبح تفكيرهم.
والمراد بـ {هَوَاهُ} ما يستحسنه من تصرفات حتى ولو كانت فى نهاية القبح والسخف.
قال ابن عباس: كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول.
والمعنى: انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - فى أحوال هؤلاء الكافرين بإنك لن ترى جهالة كجهالتهم، لأنهم إذا أحسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم. مهما كان قبح تصرفهم. وانحطاط تفكيرهم.
فهل مثل هؤلاء يصلحون لأن تهتم بأمرهم، أو تحزن لاستهزائهم؟ كلا إنهم لا يصلحون لذلك، وعليك أن تمضى فى طريقك فأنت لا تقدر على حفظهم أو كفالتهم أو هدايتهم، وإنما نحن الذين نقدر على ذلك، وسنتصرف معهم بما تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا.
فقوله - تعالى -: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} استئناف مسوق لاستبعاد كونه صلى الله عليه وسلم وكيلا أو حفيظا لهذا الذى اتخذ إلهه هواه، والاستفهام للنفى والإِنكار. أى: إنك - أيها الرسول الكريم - لا قدرة لك على حفظه من الوقوع فى الكفر والضلال.
ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم السابق توبيخا أشد وأنكى فقال - تعالى -: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ...}.
و "أم" هنا: هى المنقطعة، وهى تجمع فى معناها بين الإِضراب الانتقالى، والاستفهام الإِنكارى.
أى: بل أتحسب أن أكثر هؤلاء الكافرين يسمعون ما ترشدهم إليه سماع تدبر وتعقل، أو يعقلون ما تأمرهم به أو تنههم عنه بافنتاح بصيرة، وباستعداد لقبول الحق..
كلا إنهم ليسوا كذلك، لاستيلاء الجحود والحسد على قلوبهم.
وقال - سبحانه - {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ...} لأن هناك قلة منهم كانت تعرف الحق معرفة حقيقية، ولكن المكابرة والمعاندة ومتابعة الهوى... حالت بينها وبين الدخول فيه، واتباع ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.
وقوله - سبحانه -: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} ذم لهم على عدم انتفاعهم بالهداية التى أرسلها الله - تعالى - إليهم.
أى: هؤلاء المشركون ليسوا إلى كالأنعام فى عدم الانتفاع بما يقرع قلوبهم وأسماعهم من توجيهات حكيمة، بل هم أضل سبيلا من الأنعام: لأن الأنعام تناقد لصاحبها الذى يحسن إليها، أما هؤلاء فقد قابلوا نعم الله بالكفر والجحود.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت: كان فيهم من لا يصده عن الإِسلام إلا داء واحد، وهو حب الرياسة، وكفى به داء عضالا.
فإن قلت: كيف جُعِلوا أضل من الأنعام؟ قلت: لأن الأنعام تناقد لأربابها التى تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسىء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وتهتدى لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم، من إساءة الشيطان الذى هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذى هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذى هو أشد المضار والمهالك..
وهكذا نرى الآيات الكريمة تصف هؤلاء المستهزئين برسولهم صلى الله عليه وسلم بأوصاف تهبط بهم عن درجة الأنعام، وتتوعدهم بما يستحقونه من عذاب مهين.
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن جانب من الآلاء التى أنعم بها على عباده، فإن من شأن هذه النعم المبثوثة فى هذا الكون، أن تهدى المتفكر فيها إلى منشئها وواهبها وإلى وجوب إخلاص العبادة له، قال - تعالى -: {أَلَمْ تَرَ...}.