خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

طسۤمۤ
١
تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ
٢
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٣
إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ
٤
وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ
٥
فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٦
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
٧
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ
٨
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٩
-الشعراء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

سورة الشعراء من السور التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى -: {طسۤمۤ}.
وقد ذكرنا آراء العلماء فى الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور: "البقرة، آل عمران، والأعراف، ويونس.." إلخ.
وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه، للذين تحداهم القرآن.
فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله، أو عشر سور من مثله، أو سورة واحدة من مثله، فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -.
واسم الإِشارة {تِلْكَ} يعود إلى الآيات القرآنية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة أو إلى جميع آيات القرآن التى نزلت قبل ذلك.
والمراد بالكتاب القرآن الكريم الذى تكفل - سبحانه - بإنزاله على نبيه صلى الله عليه وسلم.
والمبين: اسم فاعل من أبان الذى هو بمعنى بان، مبالغة فى الوضوح والظهور.
قال صاحب الصحاح: "يقال: بأن الشىء يبين بيانا، أى: اتضح، فهو بين، وكذا أبان الشىء فهو مبين".
أى: تلك الآيات القرآنية التى أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - والتى سننزلها عليك تباعا حسب حكمتنا وإرادتنا، هى آيات الكتاب الواضح إعجازه، والظاهرة هداياته ودلالاته على أنه من عند الله - تعالى -، ولو كان من عند غيره - سبحانه - لوجدوا فيه اخلافا كثيرا.
ثم خاطب - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بما يسليه عن تكذيب المشركين له، وبما يهون عليه أمرهم فقال - تعالى - {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}.
قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن لفظة {لعل} تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور.
واستظهر أبو حيان فى تفسيره، أن {لعل} هنا للاشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.
وقال بعضهم: إن (لعل) هنا للنهى، أى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك. قال - تعالى -:
{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } والمعنى: لعلك - أيها الرسول الكريم - قاتل نفسك هما وغما. بسبب تكذيب الكافرين لك، وعدم إيمانهم بدعوتك وإعراضهم عن رسالتك التى أرسلناك بها إليهم...
لا - أيها الرسول الكريم - لا تفعل ذلك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وإنك لا تستطيع هداية أحد ولكن الله - تعالى - يهدى من يشاء، وإننا {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}.
ومفعول المشيئة محذوف، والمراد بالآية هنا المعجزة القاهرة التى تجعلهم لا يملكون انصرافا معها عن الإِيمان، والأعناق جمع عنق. وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم تقول: جاءنى عنق من الناس: أى جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمين فيهم.
والمعنى: لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك، فإننا إن نشأ إيمانهم، ننزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإِيمان، تجعلهم ينقادون له، ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم، ولكنا لا نفعل ذلك، لأن حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس فى الإيمان عن طريق الاختيار والرغبة، وليس عن طريق الإلجاء والقسر.
وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك الصورة الحسية {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}، للإشعار بأن هذه الآية لو أراد - سبحانه - إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما لها، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: كيف صح مجىء خاضعين خبرا عن الأعناق؟ قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين. فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذى هو للعقلاء، قيل: خاضعين.... وقيل أعناق الناس: رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم: هم الرءوس والنواصى والصدور... وقيل: جماعات الناس..".
ثم بين - سبحانه - ما عليه هؤلاء الكافرون من صلف وجحود فقال: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ}.
أى: ولقد بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم كلما جاءهم قرآن محدث تنزيله على نبيهم صلى الله عليه وسلم ومتجدد نزوله عليه صلى الله عليه وسلم أعرضوا عنه إعراضا تاما.
وعبر عن إعراضهم بصيغة النفى والاستثناء التى هى أقوى أدوات القصر، للإِشارة إلى عتوهم فى الكفر والضلال، وإصرارهم على العناد والتكذيب.
وفى ذكر اسم الرحمن هنا: إشارة إلى عظيم رحمته - سبحانه - بإنزال هذا الذكر، وتسجيل لأقصى دركات الجهالة عليهم، لأنهم أعرضوا عن الهداية التى أنزلها الرحمن الرحيم لسعادتهم، وحرموا أنفسهم مها وهم أحوج الناس إليها.
و {مِّنَ} الأولى لتأكيد عموم إعراضهم، والثانية لابتداء الغاية، وجملة {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} حالية.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: {فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.
أى: فقد كذبوا هؤلاء الجاحدون بالذكر الذى أتيتهم به - أيها الرسول الكريم - دون أن يكتفوا بالإِعراض عنه، فاصبر فسيأتيهم أنباء العذاب الذى كانوا يستهزئون به عندما تحدثهم عنه، وهو واقع بهم لا محالة ولكن فى الوقت الذى يشاؤه - سبحانه -.
وفى التعبير عن وقوع العذاب بهم، بإتيان أنبائه وأخباره، تهويل من شأن هذا العذاب، وتحقيق لنزوله، أى: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا به يستهزئون ويصيرون هم أحاديث الناس يتحدثون بها ويتناقلون أنباءها.
ثم وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعلى عدم التفاتهم إلى ما في هذا الكون من عظات وعبر. فقال - تعالى -: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}.
والاستفهام للإِنكار والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام.
أى: أعمى هؤلاء الجاحدون عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بهم، ولم يروا بأعينهم كيف أخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا فيها أصنافا وأنواعا لا تحصى من النباتات الكريمة الجميلة المشتملة على الذكر والأنثى.
فالآية الكريمة توبيخ لهم على إعراضهم عن الآيات التكوينية، بعد توبيخهم على إعراضهم عن الآيات التنزيلية، وتحريض لهم على التأمل فيما فوق الأرض من نبات مختلف الأنواع والأشكال والثمار. لعل هذا التأمل ينبه حسهم الخامد وذهنهم البليد وقلبهم المطموس.
قال صاحب الكشاف: "وصف الزوج - وهو الصنف من النبات - بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضى ويحمد فى بابه. يقال: وجه كريم إذا رضى فى حسنه وجماله، وكتاب كريم. أى: مرضى فى معانيه وفوائده.... والنبات الكريم: المرضى فيما يتعلق به من المنافع.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين كم وكل؟ قلت: قد دل {كُلِّ} على الإِحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل. و {كَمْ} على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته...".
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بآيتين تكررتا فى السورة الكريمة ثمانى مرات. ألا وهما قوله - تعالى - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.
أى: إن فى ذلك الذى ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج كريم فى الأرض {لآيَةً} عظيمة الدلالة على كماق قدرتنا، وسعة رحمتنا، وما كان أكثر هؤلاء الكافرين مؤمنين، لإِيثارهم العمى على الهدى، والغى على الرشد {وَإِنَّ رَبَّكَ} - أيها الرسول الكريم - {ٱلْعَزِيزُ} أى: صاحب العزة والغلبة والقهر {ٱلرَّحِيمُ} أى: الواسع الرحمة بعباده، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم لعلهم يتوبون أو يعقلون.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من قصة موسى - عليه السلام - بأسلوب يتناسب مع ما اشتملت عليه السورة الكريمة من إنذار وتخويف، وبطريقة أحاطت بجوانب هذه القصة منذ أن ذهب موسى - عليه السلام - لفرعون وقومه إلى أن انتهت بهلاكهم وإغراقهم.
لقد بدأ - سبحانه - هذه القصة بقوله - تعالى -: {وَإِذْ نَادَىٰ...}.