خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
٧
فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٨
يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٩
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ
١٠
إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١١
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
١٢
فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٣
وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٤
-النمل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

هذا جانب من قصى موسى - عليه السلام - كما جاءت فى هذه السورة، وقد جاءت فى سور أخرى بصورة أوسع، كسور: البقرة، والأعراف، ويونس، والشعراء، والقصص...
وقد افتتحت هنا بقوله - تعالى : {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً}.
والظرف "إذ" متعلق بمحذوف تقديره: اذكر.
و "موسى" - عليه السلام - هو ابن عمران، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم - عليه السلام -، وكانت بعثته - على الراجح - فى القرن الحادى عشر أو الثانى عشر قبل الميلاد.
والمراد بأهله: زوجته، وهى ابنة الشيخ الكبير الذى قال له - بعد أن سقى لابنتيه غنمهما-:
{ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ... } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: "وكان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذى بينه وبين صهره، فى رعاية الغنم، وسار بأهله، قيل: قاصداً بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلاً بين شعاب وجبال... فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور ناراً...".
وقوله: {آنَسْتُ} من الإِيناس، بمعنى الإِبصار الواضح الجلى يقال: آنس فلان الشىء إذا أبصره وعلمه وأحس به.
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وذكر أتباعك ليعتبروا و يتعظوا، وقت أن قال موسى لأهله، وهو فى طريقه من جهة مدين إلى مصر.
إنى أبصرت - إبصاراً لا شبهة فيه - ناراً. فامكثوا فى مكانكم، فإنى {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أى: سآتيكم من جهتها بخبر ينفعنا فى رحلتنا هذه، وتسترشد به فى الوصول إلى أهدى الطرق التى توصلنا إلى المكان الذى نريده.
و {أَوْ} فى قوله - سبحانه -: {آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} مانعة خلو.
قال القرطبى: ما ملخصه: "قرأ عاصم وحمزة والكسائى: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} بتنوين {شِهَابٍ} وقرأ الباقون بدون تنوين على الإِضافة، أى: بشعلة نار، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة. والشهاب: كل ذى نور، نحو الكواكب، والعود الموقد. والقبس: اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه، فالمعنى بشهاب من قبس... ومن قرأ {بِشِهَابٍ قَبَسٍ}، بالتنوين جعله بدلاً منه، أو صفة له. على تأويله بمعنى المقبوس..".
وقوله: {تَصْطَلُونَ} أى: تستدفئون، والاصطلاء: الدنو من النار لتدفئة البدن عند الشعور بالبرد. قال الشاعر:

النار فاكهة الشتاء فمن يردأكل الفواكه شاتياً فليصطل

والمعنى: قال موسى - عليه السلام - لأهله عندما شاهد النار: امكثوا فى مكانكم، فإنى ذاهب إليها، لكى آتيكم من جهتها بخبر فى رحلتنا فإن لم يكن ذلك، فإنى آتيكم بشعلة مقتطعة منها ومقتبسة من أصلها، لعلم تستدفئون بها فى تلك الليلة الشديدة البرودة.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: - قوله - تعالى -: هنا {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} مع قوله - تعالى - فى سورة القصص
{ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ } كالمتدافعين. لأن أحدهما ترج، والآخر تيقن. قلت: قد يقول الراجى إذا قوى رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة.
فإن قلت: كيف جاء بسين التسويف - هنا -؟ قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة.
فإن قلت: فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منهما: إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده...".
ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى عندما اقترب من النار فقال: {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا..} و {أَن} هنا مفسرة، لما فى النداء من معنى القول.
وقوله: {بُورِكَ} من البركة، بمعنى ثبوت الخير وكثرته. والخير هنا يتمثل فى تكليم الله - تعالى - لنبيه موسى. وفى ندائه له. وتشريفه برسالته، وتأييده بالمعجزات.
والمراد بمن فى النار: من هو قريب منها، وهو موسى - عليه السلام -.
والمراد بمن حولها: الملائكة الحاضرون لهذا النداء، أو الأماكن المجاورة لها.
أى: فلما وصل موسى - عليه السلام - إلى القرب من مكان النار، نودى موسى من قبل الله - عز وجل - على سبيل التكريم والتحية: أن قُدس وطهر واختير للرسالة من هو بالقرب منها وهو موسى - عليه السلام - ومن حولها من الملائكة، أو الأماكن القريبة منها.
قال الآلوسى: "قوله: {مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} ذهب جماعة إلى أن فى الكلام مضافا مقدراً فى موضعين. أى: من فى مكان النار، ومن حول مكانها قالوا: ومكانها البقعة التى حصلت فيها، وهى البقعة المباركة، المذكورة فى قوله - تعالى -:
{ فَلَمَّآ أَتَاهَا } أى: النار - { نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ.. } وقيل: من فى النار: موسى - عليه السلام -، ومن حولها: الملائكة الحاضرون... وقيل الأول الملائكة، والثانى موسى، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازاً عن القرب التام... وأيا ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى - عليه السلام -".
وقال الشوكانى: "ومذهب المفسرين أن المراد بالنار - هنا - النور".
وقوله - تعالى -: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} من تتمة النداء، وخبر منه - تعالى - لموسى بالتنزيه. لئلا يتوهم من سماع كلامه - تعالى - التشبيه بما للبشر من كلام.
أى: وتنزه الله - عز وجل - وتقدس رب العالمين عن كل سوء ونقص ومماثلة للحوادث.
وقوله - سبحانه -: {إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} إعلام منه - عز وجل - لعبده موسى بأن المخاطب له، إنما هو الله - تعالى - الذى عز كل شىء وقهره وغلبه. والذى أحكم كل شء خلقه.
والضمير فى قوله {إِنَّهُ} للشأن. وجملة {أَنَا ٱللَّهُ} مبتدأ وخبر والعزيز الحكيم صفتان لذاته - عز وجل -.
أى: يا موسى إن الحال والشأن إنى أنا الله العزيز الحكيم، الذى أخاطبك وأناجيك. فتنبه لما سآمرك به. ونفذ ما سأكلفك بفعله.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض ما أمر به موسى - عليه السلام - فقال: {وَأَلْقِ عَصَاكَ}.
والجملة الكريمة معطوفة على ما تضمنه النداء.
أى: نودى أن بورك من فى النار ومن حولها... ونودى أن ألق عصاك التى بيدك.
وقوله: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ...} معطوف على كلام مقدر.
أى: فاستجاب موسى - عليه السلام - لأمر ربه فألقى عصاه فصارت حية، فلما رآها تهتز. أى: تضطرب وتتحرك بسرعة شديدة حتى لكأنها {جَآنٌّ} فى شدة حركتها وسرعة تقلبها {وَلَّىٰ مُدْبِراً} عنها من الخوف {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أى: ولم يرجع على عقبه. بل استمر فى إدباره عنها دون أن يفكر فى الرجوع إليها. يقال: عقب المقاتل. إذا كر على عدوه بعد الفرار منه.
والجان: الحية الصغيرة السريعة الحركة. أو الحية الكبيرة، والمراد هنا : التشبيه بها فى شدة الحركة وسرعتها مع عظم حجمها.
وإنما ولى موسى مدبراً عنها، لأنه لم يخطر بباله أن عصاه التى بيده، يحصل منها ما رآه بعينه، من تحولها إلى حية تسعى وتضطرب وتتحرك بسرعة كأنها جان، ومن طبيعة الإِنسان أنه إذا رأى أمرا غريباً اعتراه الخوف منه، فما بالك بعصا تتحول إلى حية تسعى.
ثم بين - سبحانه - ما نادى به موسى على سبيل التثبيت وإدخال الطمأنينة على قلبه، فقال: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ}.
أى: فلما ولى موسى ولم يعقب عندما ألقى عصاه فانقلبت حية، ناداه ربه - تعالى - بقوله: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ} مما رأيت؛ أو من شىء غيرى ما دمت فى حضرتى.
وجملة {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} تعليل للنهى عن الخوف، أى إنى لا يخاف عندى من اخترته لحمل رسالتى، وتبليغ دعوتى.
وقوله - سبحانه -: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} استثناء منقطع مما قبله.
أى: إنى يا موسى لا يخاف لدى المرسلون، لكن من ظلم وارتكب فعلاً سيئاً من عبادى، ثم تاب إلى توبة صادقة، بأن ترك الظلم إلى العدل والشر إلى الخير. والمعصية إلى الطاعة، فإنى أغفر له ما فرط منه، لأنى أنا وحدى الواسع المغفرة والرحمة.
قال ابن كثير: هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على شىء ثم أقلع عنه وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال - تعالى -
{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } وقال - تعالى - { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } وقيل: إن الاستثناء متصل، فيكون المعنى: لا يخاف لدى المرسلون، إلا من ظلم منهم بأن وقع فى الصغائر التى لا يسلم منها أحد، ثم تاب منها وأقلع عنها، فإنى غفور رحيم.
قال الآلوسى: "والظاهر - هنا - انقطاع الاستثناء، والأوفق بشأن المرسلين، أن يراد بمن ظلم: من ارتكب ذنباً كبيراً أو صغيراً من غيرهم. و {ثُمَّ} يحتمل أن تكون للتراخى الزمانى فتفيد الآية المغفرة لمن بدل على الفور من باب أولى. ويحتمل أن تكون للتراخى الرتبى، وهو ظاهر بين الظلم والتبديل...".
وعبر - سبحانه - عن ترك الظلم بالتبديل، للإِشارة إلى الإِقلاع التام عن هذا الظلم، وإلى أن هذا الظلم قد حل محله العدل والطاعة والانقياد لأمره - تعالى-.
ثم أرشد - سبحانه - موسى - عليه السلام - إلى معجزة أخرى. لتكون دليلاً على صدقه فى رسالته إلى من سيرسله إليهم فقال: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}.
والمراد بجيبه: فتحة ثوبه أو قميصه عند مدخل رأسه، أو عند جانبه الأيمن، وأصل الجيب: القطع. يقال: جاب الشىء إذا قطعه.
والمعنى: وأدخل يا موسى يدك اليمنى فى فتحة ثوبك، ثم أخرجها تراها تخرج بيضاء من غير سوء. أى: تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يكون بها أى سوء من مرض أو برص أو غيرهما. وإنما يكون بياضها بياضاً مشرقاً مصحوباً بالسلامة بقدرة الله - تعالى - وإرادته.
قال الحسن البصرى: أخرجها - والله - كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقى ربه.
وقوله: {تَخْرُجْ} جواب الأمر فى قوله: {وَأَدْخِلْ}، و {بَيْضَآءَ} حال من فاعل تخرج، و {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} يجوز أن يكون حالاً أخرى. أو صفة لبيضاء.
والمراد باليد هنا: كف يده اليمنى. والسوء: الردئ والقبيح من كل شىء، وهو هنا كناية عن البرص لشدة قبحه.
وقوله - تعالى -: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} يصح أن يكون حالاً ثالثة من فاعل {تَخْرُجْ} فيكون المعنى: وأدخل يا موسى يدك فى جيبك تخرج حالة كونها بيضاء. وحالة كونها من غير سوء، وحالة كونها مندرجة أو معدودة فى ضمن تسع آيات زودناك بها، لتكون معجزات لك أمام فرعون وقومه، على أنك صادق فيما تبلغه عن ربك.
قال الجمل "وقوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} فيه وجوه: أحدها: أنه حال ثالثة يعنى من فاعل تخرج، أى: آية فى تسع آيات. الثانى: أنه متعلق بمحذوف أى: اذهب فى تسع آيات...".
والمراد بالآيات التسع التى أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام -: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم منها قوله - تعالى -:
{ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ } وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } وقوله - عز وجل -: { فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } وقال - تعالى -: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ... } وتحديد الآيات بالتسع، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى، أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول أن تحديد العدد بالذكر، لا يدل على نفى الزائد عنه.
قال ابن كثير: "ولقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه ... وغير ذلك. مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر. ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً.
وقوله - تعالى -: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} استئناف مسوق لبيان سبب إرسال موسى إلى فرعون وقومه.
أى: هذه الآيات التسع أرسلناك بها يا موسى إلى فرعون وقومه، لأنهم كانوا قوماً فاسقين عن أمرنا، وخارجين على شرعنا، وعابدين لغيرنا من مخلوقاتنا.
ثم بين - سبحانه - موقف فرعون وقومه من هذه المعجزات الدالة على صدق موسى فقال:
{فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ. وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً. فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}.
وقوله {مُبْصِرَةً} من الإِبصار والظهور. وهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول، للإِشعار بشدة وضوحها وإنارتها، حتى لكأنها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، كما يقال: ماء دافق بمعنى مدفوق.
وقوله: {وَجَحَدُواْ بِهَا} من الجحود. وهو إنكار الحق مع العلم بأنه حق، يقال: جحد فلان حق غيره، إذا أنكره مع علمه به.
وقوله: {وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ} من الإِيقان وهو الاعتقاد الجازم الذى لا يطرأ عليه شك وجىء بالسين لزيادة التأكيد.
والمعنى: وذهب موسى - عليه السلام - ومعه المعجزات الدالة على صدقه، إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، فلما جاءهم موسى بتلك المعجزات المضيئة الواضحة للدلالة على صدقه، قالوا على سبيل العناد والغرور، هذا الذى نراه منك يا موسى، سحر بين وظاهر فى كونه سحرا.
وجحد فرعون وقومه هذه المعجزات التى جاء بها موسى من عند ربه - تعالى -، مع أن أنفسهم قد علمت علماً لا شك معه أنها معجزات وليست سحراً، ولكنهم خالفوا علمهم ويقينهم {ظُلْماً} للآيات حيث أنزلوها عن منزلتها الرفيعة وسموها سحراً {وَعُلُوّاً} أى: ترفعا واستكباراً عن الإِيمان بها.
{فَٱنْظُرْ} أيها العاقل {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}؟ لقد كانت عاقبتهم أن أغرقهم الله جميعاً، بسبب كفرهم وظلمهم وجحودهم وفسادهم فى الأرض.
وفى التعبير بقوله: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا..} إشعار بأن هذه الآيات الدالة على صدق موسى - عليه السلام - قد وصلت إليهم بدون أن يتعبوا أنفسهم فى الذهاب إليها، فهى جاءتهم إلى بيوتهم لكى تهديهم إلى الصراط المستقيم، ولكنهم قابلوا ذلك بالكفر والجحود.
وأسند - سبحانه - المجىء إلى الآيات وأضافها إلى ذاته - تعالى - للإِشارة إلى أنها خارجة عن أن تكون من صنع موسى، وإنما هى من صنع الله - تعالى - ومن فعله، و موسى ما هو إلا منفذ لما أمره ربه، ومؤيد بما منحه إياه من معجزات دالة على صدقه فيما يبلغه عنه.
وقوله: {ظُلْماً وَعُلُوّاً} منصوبان على أنهما مفعولان لأجله، أو على أنهما حالان من فاعل جحدوا.
أى: جحدوا الآيات مع تيقنهم أنها من عند الله، من أجل الظلم لها والتعالى على من جاء بها، أو: جحدوا بها حالة كونهم ظالمين لها، ومستكبرين عنها.
وفى قوله - سبحانه -: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} تسلية عظمى للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من الكافرين.
فهم كانوا كفرعون وقومه فى جحود الحق الذى جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مع يقينهم بأنه حق، ولكن حال بينهم وبين الدخول أسباب متعددة، على رأسها العناد، والحسد، والعكوف على ما كان عليه الآباء، والكراهية لتغيير الأوضاع التى تهواها نفوسهم، وزينتها لهم شهواتهم.
وبعد أن ساق - سبحانه - هذا الجانب من قصة موسى - عليه السلام -، أتبع ذلك بالحديث عن جانب من النعم التى أنعم بها على نبيين كريمين من أنبيائه، وهما داود وسليمان - عليهما السلام - فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ...}.