خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
٥٤
أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
٥٥
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
٥٦
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٥٧
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ
٥٨
-النمل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قصة لوط - عليه السلام - قد ذكرت فى سور متعددة منها الأعراف، وهود، والحجر...
وهنا تتعرض السورة الكريمة، لإِبراز ما كان عليه أولئك القوم من فجور، وما هددوا به نبيهم.
قال ابن كثير -رحمه الله -: ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخى إبراهيم - عليه السلام - وكان لوط قد آمن مع إبراهيم، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله - تعالى - إلى أهل "سدوم"، وما حولها من القرى، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عما يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها، دون أن يسبقهم إليها أحد من بنى آدم...
وقوله - تعالى -: {وَلُوطاً...} منصوب بفعل مضمر محذوف، والتقدير: واذكر - أيها العاقل - وقت أن أرسلنا لوطا إلى قومه. فقال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أى: أتأتون الفاحشة التى لم يسبقكم إليها أحد، وهى إتيان الذكور دون الإِناث، وأنتم تبصرون بأعينكم أنها تتنافى مع الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأعجم فأنتم ترون وتشاهدون أن الذكر من الحيوان لا يأتى الذكر، وإنما يأتى الأنثى، حيث يتأتى عن طريقها التوالد والتناسل وعمارة الكون.
فقوله - سبحانه -: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} جملة حالية المقصود بها زيادة تبكيتهم وتوبيخهم، لأنهم يشاهدون تنزه الحيوان عنها، كما يعلمون سوء عاقبتها، وسوء عاقبة الذين خالفوا أنبيائهم من قبلهم.
وقوله - سبحانه -: {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ...} تأكيد للإِنكار السابق، وتوضيح للفاحشة التى كانوا يأتونها.
والإِتيان: كناية عن الاستمتاع والجماع، مأخوذ من أتى المرأة إذا جامعها.
أى: أئنكم - أيها الممسوخون فى فطرتكم وطبائعكم - لتصبون شهوتكم التى ركبها الله - تعالى - فيكم فى الرجال دون النساء اللاتى جعلهن الله - تعالى - محل شهوتكم ومتعتكم.
قال الآلوسى: والجملة الكريمة تثنية للإِنكار وبيان لما يأتونه من الفاحشة بطريق التصريح بعد الإِبهام وتحلية الجملة بحرفى التأكيد، للإِيذان بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد، لكمال شناعته، وإيراد المفعول بعنوان الرجولية دون الذكورية، لزيادة التقبيح والتوبيخ.
وقوله - تعالى -: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} إضراب عن الإِنكار إلى الإِخبار عن الأسباب التى جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهى أنهم قوم دينهم الجهل والسفاهة والمجون وانطماس البصيرة.
وقد حكى القرآن أن لوطا قد قال لهم فى سورة الأعراف:
{ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } وقال لهم فى سورة الشعراء: { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } وقال لهم هنا: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحراف الفطرة، وتجاوز كل الحدود التى ترتضيها النفوس الكريمة.
ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السيىء على نبيهم فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ..}.
والفاء للتفريع، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء.
أى: هكذا نصح لوط قومه وزجرهم، فما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوا لوطا والمؤمنين من قريتكم التى يساكنونكم فيها.
وفى التعبير بقولهم: {مِّن قَرْيَتِكُمْ} إشارة إلى غرورهم وتكبرهم فكأنهم يعتبرون لوطا وأهله المؤمنين دخلاء عليهم، ولا مكان لهم بين هؤلاء المجرمين لأن القرية - وهى سدوم - هى قريتهم وحدهم، دون لوط وأهله.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم: {إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تعليل للإِخراج، وبيان لسببه، أى أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذى نفعله، وينفرون من الشهوة التى نشتهيها وهى إتيان الرجال..
وما أعجب العقول عندما تنتكس، والنفوس عندما ترتكس،إنها تأبى أن يبقى معها الأطهار، بل تحرض على طردهم، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون الذين انحطت طباعهم، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: وقولهم: {إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد.
ثم بين - سبحانه - ما آل إليه أمر الفريقين فقال: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}.
والغابر: الباقى. يقال: غبر الشىء يغبر غبورا. إذا بقى.
أى: فكانت عاقبة تلك المحاورة التى دارت بين لوط وقومه، أن أنجينا لوطا وأهله الذين آمنوا معه، {ٱمْرَأَتَهُ} فإننا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها، فبقيت مع القوم الكافرين، حيث قدرنا عليها ذلك بسبب كفرها وممالأتها لقومها.
{وَأَمْطَرْنَا} على هؤلاء المجرمين {مَّطَراً} عظيما هائلا عجيبا أمره وهو حجارة من سجيل دمرتهم تدميرا {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} أى: فبئس العذاب عذابهم.
وهكذا تكون عاقبة كل من آثر الكفر على الإِيمان، والرذيلة على الفضيلة.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص بعض الأنبياء، ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته، وكمال قدرته، وسعة فضله على عباده، فقال - تعالى -: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ...}.