خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

طسۤمۤ
١
تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ
٢
نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ
٤
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ
٥
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ
٦
-القصص

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

سورة القصص من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية.
وقد رجحنا أن هذه الحروف، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم، للإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن الكريم.
فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى -: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية، ومنظوما من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم.
فإن كنتم فى شك فى كون هذا القرآن من عند الله، فهاتوا مثله، أو عشر سور من مثله أو سورة واحدة من مثله وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك.
فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز، وأن هذا القرآن من عند الله - تعالى -.
و {تِلْكَ} اسم إشارة، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آيات هذه السورة التى معنا.
{ٱلْكِتَابِ}: مصدر كتب كالكتب. وأصله ضم أديم ألى آخر بالخياطة، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. والمراد به: القرآن الكريم.
و{ٱلْمُبِينِ}: أى: الواضح المظهر للحق من الباطل، من أبان بمعنى أظهر.
أى: تلك الآيات التى أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - هى آيات الكتاب المظهر للحق من الباطل، والموضح للخير من الشر، والكاشف عن حقائق الأمور، وعن قصص الأولين.
ثم بين - سبحانه -: ما سيقصه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه السورة فقال: {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
وقوله - تعالى - {نَتْلُواْ} من التلاوة بمعنى القراءة المرتلة التى يقصد منها التذكير والإِرشاد.
والنبأ: الخبر العظيم المشتمل على أمور من شأنها أن يهتم الناس بها.
وموسى - عليه السلام -: هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب - عليه السلام - وكانت ولادة موسى فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وفرعون: اسم كان يطلق فى القديم على كل ملك لمصر، كما يقال لملك الروم: قيصر، ولملك اليمن: تبع.
ويرى كثير من المؤرخين أن فرعون مصر، الذى ولد وبعث فى عهده موسى - عليه السلام - هو منفتاح ابن الملك رمسيس الثانى.
قال الآلوسى ما ملخصه: والظاهر أن {مِن} فى قوله {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ..} تبعيضية. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول {نَتْلُواْ} المحذوف. وقوله {ٱلْحَقِّ} حال من فاعل {نَتْلُواْ} أى: نتلو ملتبسين بالحق، أو من مفعوله، أى: نتلو شيئا من نبئهما ملتبسا بالحق...
والمعنى: نتلو عليك - أيها الرسول الكريم - تلاوة كلها حق وصدق، شيئا عجيبا، وخبرا هاما، يتعلق بقصة موسى - عليه السلام - وبقصة فرعون.
وقوله - سبحانه -: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أى: نتلو عليك هذه الآيات، لقوم يؤمنون بها، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات.
وقوله - تعالى -: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً..} كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ.
وقوله {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أى تكبر فيها وطغى، من العلو بمعنى الارتفاع. والمقصود أنه جاوز كل حد فى غروره وظلمه وعدوانه. والمراد بالأرض: أرض مصر وما يتبعها من بلاد.
و {شِيَعاً} جمع شيعة، وهم الأتباع والجماعات، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته.
أى: إن فرعون طغى وبغى وتجبر فى الأرض، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له، وصار يستعمل كل طائفة منهم، فيما يريده من أمور دولته، فهذه الطائفة للبناء، وتلك للسحر، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد...
وجملة {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا.
والمراد بهذه الطائفة: بنو إسرائيل.
أى: أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإِذلال والقهر والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم. أى: يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم، ويترك الإِناث أحياء.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: وفى ذبح الذكور دون الإِناث مضرة من وجوه:
أحدهما: أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال. وذلك يقتضى انقطاع النسل..
ثانيها: أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء فى المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال.
ثالثها: أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، والرجاء القوى فى الانتفاع به، من أعظم العذاب...
رابعها: أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.
قالوا: وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإِناث. لأن الكهنة أخبروه، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعون على يده.
وقوله - سبحانه -: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان.
أى: إن فرعون كان من الراسخين فى الفساد والإِفساد، ولذلك فعل ما فعل من ظلم لغيره، ومن تطاول جعله يقول للناس:
{ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته، من تنفيذ وعيده فى القوم الظالمين، مهما احتاطوا وحذروا، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من الظلم ما أصابهم فقال: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ}.
وقوله {نَّمُنَّ} من المن بمعنى التفضل، ومنه قوله - تعالى -:
{ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ... } أى: لقد تفضل عليهم، وأحسن إليهم.
وقوله: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} من التمكين، وأصله: أن نجعل للشىء مكانا يستقر فيه، ويحل به. ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف، وللعز بعد الذل.
وقوله: {يَحْذَرُونَ} من الحذر، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع فى الأمر المخيف. يقال: حذر فلان فلانا، إذا خافه واحترس منه.
قال الشوكانى: والواو، فى قوله {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ} للعطف على جملة، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما، للتفسير والبيان للنبأ. ويجوز أن تكون حالا من فاعل {يَسْتَضْعِفُ} بتقدير مبتدأ. أى: ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض.. والأول أولى.
والمعنى: لقد طغا فرعون وبغى، ونحن بإرادتنا وقدرتنا {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ} ونتفضل على بنى إسرائيل، الذين استضعفوا فى الأرض، بأن ننجيهم من ظلمه، وننقذهم من قهره وبغيه.
{وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} للأرض المباركة، التى نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا، كما قال - تعالى -:
{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } وقوله - تعالى -: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أى: ونجعلهم أقوياء راسخى الأقدام فى الأرض التى نورثهم إياها، بعد القوم الظالمين.
{وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} أى: ونطلع فرعون وهامان - وهو وزير فرعون - وجنودهما التابعين لهما {مِنْهُمْ} أى: من بنى إسرائيل المستضعفين فى الأرض {مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} أى ما كانوا يحاولون دفعه واتقاءه، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى إسرائيل، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده.
قال ابن كثير: أراد فرعون بحوله وقوته، أن ينجو من موسى. فما نفعه ذلك، بل نفذ الله - تعالى - حكمه. بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى، بل يكون هذا الغلام الذى احترزت من وجوده - يا فرعون -، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفى دارك... وهلاكك وهلاك جندك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلا، هو القاهر الغالب العظيم، الذى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وهكذا تعلن السورة الكريمة فى مطلعها، أن ما أراده الله - تعالى - لا بد أن يتم، أمام أعين فرعون وجنده، مهما احتاطوا ومهما احترسوا،
{ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ثم فصل - سبحانه - الحديث عن موسى - عليه السلام - فذكر ما ألهمه لأمه عند ولادته. وما قالته امرأة فرعون له عند التقاط آل فرعون لموسى، وما كانت عليه أم موسى من حيرة وقلق، وما قالته لأخته، وكيف رد الله - تعالى - بفضله وكرمه موسى إلى أمه..
لنستمع إلى السورة الكريمة، وهى تفصل هذه الأحداث، بأسلوبها البديع المؤثر فتقول: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ...}.