خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ
٧٦
وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ
٧٧
قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ
٧٨
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
٧٩
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ
٨٠
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ
٨١
وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
٨٢
تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
٨٣
مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٤
-القصص

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى: قوله - تعالى - {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} لما قال - تعالى -: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } بين أن قارون أوتيها واغتر بها. ولم تعصمه من عذاب الله، كما لم تعصم فرعون ولستم - أيها المشركون - بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه.
قال النخعى وقتادة وغيرهما: كان قارون ابن عم موسى... وقيل كان ابن خالته..
وقوله {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} من البغى وهو مجاوزة الحد فى كل شىء. يقال: بغى فلان على غيره بغيا، إذا ظلمه واعتدى عليه. وأصله من بغى الجرح، إذا ترامى إليه الفساد.
والمعنى: إن قارون كان من قوم موسى، أى: من بنى إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى كما أرسل إلى فرعون وقومه.
{فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} أى: فتطاول عليهم، وتجاوز الحدود فى ظلمهم وفى الاعتداء عليهم.
ولم يحدد القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التى بغى عليهم فيها، للإِشارة إلى أن بغيه قد شمل كل ما من شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال.
وقوله - تعالى -: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} بيان لما أعطى الله - تعالى - لقارون من نعم.
والكنوز: جمع كنز وهو المال الكثير المدخر، و {مَآ} موصولة. وهى المفعول الثانى لآتينا.
وصلتها {إِنَّ} وما فى حيزها. وقوله: {مَفَاتِحَهُ} جمع مفتح - بكسر الميم وفتح التاء - وهو الآلة التى يفتح بها - أو جمع مفتح - بفتح الميم والتاء - بمعنى الخزائن التى تجمع فيها الأموال.
وهو - أى لفظ مفاتحه - اسم إن، والخبر: {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ}.
وقوله {لَتَنُوءُ}. أى لتعجز أو لتثقل. يقال: ناء فلان بحمل هذا الشىء، إذا أثقله حمله وأتعبه: والباء فى قوله {بِٱلْعُصْبَةِ} للتعدية والعصبة: الجماعة من الناس من غير تعيين بعدد معين، سموا بذلك لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها فى العرف، بالعشرة إلى الأربعين.
والمعنى: وآتينا قارون - بقدرتنا وفضلنا - من الأموال الكثيرة، ما يثقل حمل مفاتح خزائنها، العصبة من الرجال الأقوياء، بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها.
قال صاحب الكشاف: وقد بولغ فى ذكر ذلك - أى فى كثرة أمواله - بلفظ الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة.
والمراد بالفرح فى قوله - سبحانه -: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ}: البطر والأشر والتفاخر على الناس، والاستخفاف بهم واستعمال نعم الله - تعالى - فى السيئات والمعاصى.
وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} تعليل للنهى عن الفرح المذموم.
أى: لقد أعطى الله - تعالى - قارون نعما عظيمة، فلم يشكر الله عليها، بل طغى وبغى، فقال له العقلاء من قومه: لا تفرح بهذا المال الذى بين يديك فرح البطر الفخور، المستعمل لنعم الله فى الفسوق والمعاصى، فإن الله - تعالى - لا يحب من كان كذلك.
ثم قالوا له - أيضا - على سبيل النصح والإِرشاد: {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أى: واطلب فيما أعطاك الله - تعالى - من أموال عظيمة، ثواب الدار الآخرة، عن طريق إنفاق جزء من مالك فى وجوه الخير، كالإِحسان إلى الفقراء والمحتاجين.
{وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} أى: اجعل مالك زادا لآخرتك، ولا تترك التنعم بنعم الله فى دنياك، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه.
{وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أى: وأحسن إلى عباد الله بأن تترك البغى عليهم، وتعطيهم حقوقهم. مثل ما أحسن الله إليك بنعم كثيرة.
{وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} أى: ولا تطلب الفساد فى الأرض عن طريق البغى والظلم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} كما أنه - سبحانه - لا يحب الفرحين المختالين.
وهكذا ساق العقلاء من قوم قارون النصائح الحكيمة له، والتى من شأن من اتبعها أن ينال السعادة فى دنياه وأخراه.
ولكن قارون قابل هذه النصائح، بالغرور وبالإِصرار على الفساد والجحود فقال كما حكى القرآن عنه {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}.
أى: قال قارون فى الرد على ناصحيه: إن هذا المال الكثير الذى تحت يدى، إنما أوتيته بسبب علمى وجدى واجتهادى... فكيف تطلبون منى أن أتصرف بمقتضى نصائحكم؟ لا. لن أتبع تلك النصائح التى وجهتموها إلى، فإن هذا المال مالى ولا شأن لكم بتصرفى فيه، كما أنه لا شأن لكم بتصرفاتى الخاصة، ولا بسلوكى فى حياتى التى أملكها.
وهذا القول يدل على أن قارون، كان قد بلغ الذروة فى الغرور والطغيان وجحود النعمة.
ولذا جاءه التهديد المصحوب بالسخرية منه ومن كنوزه، فى قوله - تعالى -: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً}.
والمقصود بهذا الاستفهام التعجيب من حاله، والتأنيب له على جهله وغروره.
أى: أبلغ الغرور والجهل بقارون أنه يزعم أن هذا المال الذى بين يديه جمعه بمعرفته واجتهاده، مع أنه يعلم - حق العلم عن طريق التوراة وغيرها، أن الله - تعالى - قد أهلك من قبله. من أهل القرون السابقة عليه من هو أشد منه فى القوة، وأكثر منه فى جمع المال واكتنازه.
فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره.
وقوله - سبحانه -: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} جملة حالية. أى: والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء. وإنما يسألون - كما جاء فى قوله - تعالى -
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } - سؤال توبيخ وإفضاح.
فالمراد بالنفى فى قوله - سبحانه - {وَلاَ يُسْأَلُ...} سؤال الاستعلام والاستعتاب، والمراد بالإِثبات فى قوله:
{ فَلَنَسْأَلَنَّ } أو فى قوله: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُم } سؤال التقريع والتوبيخ.
أو نقول: إن فى يوم القيامة مواقف، فالمجرمون قد يسألون فى موقف، ولا يسألون فى موقف آخر، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التى تنفى السؤال والآيات التى تثبته.
ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر غرور قارون وبطره فقال: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} وما بينهما اعتراض. والزينة: اسم ما يتزين به الإِنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبهها.
أى: قال ما قال قارون على سيبل الفخر والخيلاء، ولم يكتف بهذا القول بل خرج على قومه فى زينة عظيمة. وأبهة فخمة، فيها ما فيها من ألوان الرياش والخدم.
وقد ذكر بعض المفسرين روايات متعددة، فى زينته التى خرج فيها، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها، ويكفى أن نعلم أنها زينة فخمة، لأنه لم يرد نص فى تفاصيلها.
وأمام هذه الزينة الفخمة التى خرج فيها قارون، أنقسم الناس إلى فريقين، فريق استهوته هذه الزينة، وتمنى أن يكون له مثلها، وقد عبر القرآن عن هذا الفريق بقوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
أى: خرج قارون على قومه فى زينته، فما كان من الذين يريدون الحياة الدنيا وزخارفها من قومه، إلا أن قالوا على سبيل التمنى والانبهار... يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورياش، إنه لذو حظ عظيم، ونصيب ضخم، من متاع الدنيا وزينتها.
هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا. وهم الفريق الأول من قوم قارون. أما الفريق الثانى المتمثل فى أصحاب الإِيمان القوى، والعلم النافع، فقد قابلوا أصحاب هذا القول بالزجر والتعنيف، وقد حكى القرآن ذلك عنهم فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ}.
وكلمة {وَيْلَكُمْ} أصلها الدعاء بالهلاك، وهى منصوبة بمقدر. أى: ألزمكم الله الويل.
ثم استعملت فى الزجر والتعنيف والحض على ترك ما هو قبيح، وهذا الاستعمال هو المراد هنا.
أى: وقال الذين أوتوا العلم النافع من قوم قارون. لمن يريدون الحياة الدنيا: كفوا عن قولكم هذا، واتركوا الرغبة فى أن تكونوا مثله، فإن {ثَوَابُ ٱللَّهِ} فى الاخرة {خَيْرٌ} مما تمنيتموه، وهذا الثواب إنما هو {لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل.
وهذه الثوبة العظمة التى أعدها الله - تعالى - لمن آمن وعمل صالحا {وَلاَ يُلَقَّاهَآ} أى: لا يظفر بها، ولا يوفق للعمل لها {إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} على طاعة الله - تعالى - وعلى ترك المعاصى والشهوات.
قال صاحب الكشاف: والراجع فى {وَلاَ يُلَقَّاهَآ} للكلمة التى تكلم بها العلماء، أو للثواب، لأه فى معنى المثوبة أو الجن أو للسيرة والطريقة وهى الإِيمان والعمل الصالح.
ثم جاءت بعد ذلك العقوبة لقارون، بعد أن تجاوز الحدود فى البغى والفخر والإِفساد فى الأرض. وقد حكى سبحانه - هذه العقوبة فى قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ}.
وقوله - تعالى - {فَخَسَفْنَا} من الخسف وهو النزول فى الأرض، يقال: خسف المكان خسفا - من باب ضرب - إذا غار فى الأرض. ويقال: خسف القمر، إذا ذهب ضوؤه، وخسف الله بفلان الأرض، إذا غيبه فيها.
قال ابن كثير لما ذكر الله - تعالى - اختيال قارون فى زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت فى الصحيح - عند البخارى من حديث الزهرى عن سالم - أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" .
أى: تمادى قارون فى بغيه، ولم يستمع لنصح الناصحين، فغيبناه فى الأرض هو وداره، وأذهبناهما فيها إذهابا تاما.
{فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أى: فما كان لقارون من جماعة أو عصبة تنصره من عذاب الله، بأن تدفعه عنه، أو ترحمه منه.
{وَمَا كَانَ} قارون {مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} بل كان من الأذلين الذين تلقوا عقوبة الله - تعالى - باستسلام وخضوع وخنوع، دون أن يستطيع هو أو قومه رد عقوبة الله - تعالى -.
ثم - بين - سبحانه - ما قاله الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثل قارون فقال - تعالى -: {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ}.
ولفظ "وى" اسم فعل بمعنى أعجب، ويكون - أيضا - للتحسر والتندم، وكان الرجل من العرب إذا أراد أن يظهر ندمه وحسرته على أمر فائت يقول: وى.
وقد يدخل هذا اللفظ على حرف "كأن" المشددة - كما فى الآية - وعلى المخففة.
قال الجمل ما ملخصه قوله: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ} فى هذا اللفظ مذاهب: أحدها: أن {وى} كلمة برأسها، وهى اسم فعل معناها أعجب، أى: أنا، {والكاف} للتعليل، {وأن} وما فى حيزها مجرورة بها، أى: أعجب لأن الله - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر... وقياس هذا القول أن يوقف على "وى" وحدها، وقد فعل ذلك الكسائى.
الثانى: أن كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب معناه وصارت للخبر واليقين، وهذا - أيضا - يناسبه الوقف على {وى}.
الثالث: أن "ويك" كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب، و "أن" معمولة لمحذوف. أى: أعلم أن الله يبسط... وهذا يناسب الوقف على {ويك} وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصل الكلمة ويلك، فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف - أيضا - كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن {وَيْكَأَنَّ} كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها: ألم تر... ولم يرسم فى القرآن إلا {وَيْكَأَنَّ} و {وَيْكَأَنَّهُ} متصلة فى الموضعين.. ووصل هذه الكلمة عند القراءة لا خلاف بينهم فيه.
والمعنى: وبعد أن خسف الله - تعالى - الأرض بقارون ومعه داره، أصبح الذين تمنوا أن يكونوا مثله { بِٱلأَمْسِ} أى: منذ زمان قريب، عندما خرج عليهم فى زينته، أصبحوا يقولون بعد أن رأوا هلاكه: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} أى: صاروا يقولون ما أعجب قدرة الله - تعالى - فى إعطائه الزرق لمن يشاء من عباده وفى منعه عمن يشاء منهم، وما أحكمها فى تصريف الأمور، وما أشد غفلتنا عندما تمنينا أن نكون مثل قارون، وما أكثر ندمنا على ذلك.
لولا أن الله - تعالى - قد منّ علينا، بفضله وكرمه لخسف بنا الأرض كما خسفها بقارون وبداره.
{وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} أى: ما أعظم حكمة الله - تعالى - فى إهلاكه للقوم الكافرين، وفى إمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر.
ثم ختم - سبحانه - قصة قارون ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً}.
واسم الإِشارة {تِلْكَ} مبتدأ، والدار الآخرة صفة له، ونجعلها... خبره، وجاءت الإِشارة بهذه الصيغة المفيدة للبعد، للإِشعار بعظم هذه الدار وعلو شأنها.
أى: تلك الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم، نجعلها خالصة لعبادنا الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم {عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} أى: تطاولا وتعاليا فيها {وَلاَ فَسَاداً} أى: ظلما أو بغيا أو عدوانا على أحد.
{وَٱلْعَاقِبَةُ} الطيبة الحسنة، إنما هى {لِلْمُتَّقِينَ} الذين صانوا أنفسهم عن كل سوء وقبيح.
{مَن جَآءَ} فى دنياه {بِٱلْحَسَنَةِ} أى بالأعمال الحسنة {فَلَهُ} فى مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا {خَيْرٌ مِّنْهَا} أى: فله عندنا خير مما جاء به من حسنات، بأن نضاعفها، وتثيبه عليها ثوابا عظيما لا يعلم مقداره أحد.
{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ} الأعمال {ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أى: فلا يجوزون إلا الجزاء الذى يناسب أعمالهم فى القبح والسوء.
وهكذا يسوق لنا القرآن فى قصصه العبر والعظات، لقوم يتذكرون، فمن قصة قارون نرى أن كفران النعم يؤدى إلى زوالها، وأن الغرور والبغى والتفاخر كل ذلك يؤدى إلى الهلاك، وأن خير الناس من يبتغى فيما آتاه الله من نعم ثواب الآخرة، دون أن يهمل نصيبه من الدنيا، وأن العاقل هو من يستجيب لنصح الناصحين، وأن الناس فى كل زمان ومكان، منهم الذين يريدون زينة الحياة الدنيا، ومنهم الأخيار الأبرار الذين يفضلون ثواب الآخرة، على متع الحياة الدنيا، وأن العاقبة الحسنة قد جعلها - سبحانه - لعباده المتقين، وأنه - سبحانه - يجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببشارة النبى صلى الله عليه وسلم، وبتثبيت قلبه، وبأمره بالمضى فى تبليغ رسالة ربه بدون خوف أو وجل... فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ...}.