خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
٤٤
ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
٤٥
-العنكبوت

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: خلق الله - تعالى - السماوات والأرض بالحق الذى لا باطل معه، وبالحكمة التى لا يشوبها عبث أو لهو، حتى يكون هذا الخلق متفقاً مع مصالح عبادنا ومنافعهم..
ومن مظاهر ذلك، أنك لا ترى - أيها العاقل - فى خلق الرحمن من تفاوت أو تصادم، أو اضطراب.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} يعود إلى خلق السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من بدائع وعجائب.
أى: إن فى ذلك الذى خلقناه بقدرتنا، من سماوات مرتفعة بغير عمد، ومن أرض مفروشة بنظام بديع، ومن عجائب لا يحصيها العد فى هذا الكون، إن فى كل ذلك لآية بينة، وعلامة واضحة، على قدرة الله - عز وجل -.
وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم المتدبرون فى هذه الآيات والدلائل، وهم المنتفعون بها فى التعرف على وحدانية الله وقدرته، وعلى حسن عبادته وطاعته.
والمقصود بالتلاوة فى قوله - تعالى -: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ}: القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ، وبتفهم المعانى. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من آمن به. أى: اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما أوحينا إليك من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ، وداوم على ذلك، ومر أتباعك أن يقتدوا بك فى المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة.
{وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أى: وواظب على إقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص واطمئنان، وعلى المؤمنين أن يقتدوا لك فى ذلك.
وقوله: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَر} تعليل للأمر بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص. أى: دوام - أيها الرسول الكريم - على إقامة الصلاة بالطريقة التى يحبها الله - تعالى -، فإن من شأن الصلاة التى يؤديها المسلم فى أوقاتها بشخوع وإخلاص، أن تنهى مؤديها عن ارتكاب الفحشاء - وهى كل ما قبح قوله وفعله -، وعن المنكر - وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة -.
قال الجمل: "ومعنى نهيها عنهما، أنها سبب الانتهاء عنهما لأنها مناجاة لله - تعالى -، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته، وإعراض كلى عن معاصيه.
قال ابن مسعود: فى الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً..
وروى عن أنس - رضى الله عنه - أن فتى من الأنصار، كان يصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم ثم يأتى الفواحش، فذكر للنبى صلى الله عليه وسلم - فقال: إن صلاته ستناه، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله".
والخلاصة: أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإِخلاص والخشوع وبإتمام سننها وآدابها، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن وجدت إنساناً يؤدى الصلاة، ولكنه مع ذلك يرتكب بعض المعاصى، فأقول لك: إن الذنب ليس ذنب الصلاة، وإنما الذنب ذنبه هذا المرتكب للمعاصى، لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوباً بالخشوع والإِخلاص... وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه.. ولعلها تنهاه فى يوم من الأيام ببركة مداومته عليها، كما جاء فى الحديث الشريف:
"إن الصلاة ستنهاه" .
وقوله - سبحانه -: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أى: ولذكر الله - تعالى - بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة والذكر، أفضل وأكبر من كل شئ آخر، لأن هذا الذكر لله - تعالى - فى كل الأحوال، دليل على صدق الإِيمان، وحسن الصلة بالله - تعالى -.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله - تعالى -: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}، قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر.. أى: ولذكر الله - تعالى - إياكم، أكبر من ذكركم إياه - سبحانه -..
وروى عن جماعة من السلف أن المعنى: ولذكر العبد لله - تعالى -، أكبر من سائر الأعمال.
أخرج الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله يوم القيامة، من ذكر الله - تعالى -.
وقيل: المراد بذكر الله: الصلاة. كما فى قوله - تعالى -:
{ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أى: إلى الصلاة، فيكون المعنى: وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به، للإِيذان بأن ما فيها من ذكر الله - تعالى - هو العمدة فى كونها مفضلة على الحسنات، نهاية عن السيئات".
ويبدو لنا أن المراد بذكر الله - تعالى - هنا: ما يشمل كل قول طيب وكل فعل صالح، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال..
وأن المسلم متى أكثر من ذكر الله - تعالى -، كان ثوابه - سبحانه - له، وثناؤه عليه، أكبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل.
وقوله - سبحانه -: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} تذييل قصد به الترغيب فى إخلاص العبادة لله، والتحذير من الرياء فيها.
أى: داوموا - أيها المؤمنون. على تلاوة القرآن الكريم، بتدبر واعتبار، وأقيموا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وخضوع، وأكثروا من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الله - تعالى - يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه من خير أو شر، وسيجازى - سبحانه - الذين آساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله والمؤمنين. أن يجادلوا أهل الكتاب بالتى هى أحسن، ما داموا لم يرتكبوا ظلماً، وأقام - سبحانه - الأدلة على أن هذا القرآن من عنده وحده، فقال: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ...إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ}.