خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
١٠٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٠٧
تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ
١٠٨
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
١٠٩
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى - {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}: بياض الوجوه وسوادها محمولان على الحقيقة عن جمهور العلماء. وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك.
قال الآلوسى: قال بعضهم يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفاً لهم وإظهارا لآثار أعمالهم فى ذلك الجمع. ويوسم أهل الباطل بضد ذلك.
والظاهر أن الابيضاض والأسوداد يكونان لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه؛ لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه، وهو أشرف أعضائه واختلف فى وقت ذلك فقيل: وقت البعث من القبور وقيل وقت قراءة الصحف".
ويرى بعض العلماء أن بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح والسرور، كما أن سوادها المراد منه لازمه أيضاً وهو الحزن والغم وعليه يكون التعبير القرآنى محمولا على المجاز لا على الحقيقة.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: وهذا مجاز مشهور قال - تعالى -
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ } ويقال: لفلان عندى يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل.. ويقال من وصل إليه مكروه: اربَدّ وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته... وعلى هذا فمعنى الآية: أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه، فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى أنه استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه اسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه".
والظرف "يوم" فى قوله {يَوْمَ تَبْيَضُّ} إلخ منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف والتقدير: اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه والمراد الاعتبار والاتعاظ ويجوز أن يكون العامل فيه قوله {عَظِيمٌ} فى قوله قبل ذلك {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. أى أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لهم عذاب فى هذا اليوم الهائل الشديد الذي تبيض فيه وجوه المؤمنين وتسود فيه وجوه الكافرين والفاسقين.
وفى وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه تهويل لأمره. وتعظيم لشأنه وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب الوجوه المسودة، وترغيب للمؤمنين فى الإِكثار من التزود بالعمل الصالح وترهيب للكافرين من التمادى فى كفرهم وضلالهم.
والتنكير فى قوله {وُجُوهٌ} للتكثير. أى تبيض وجوه عدد كثير من المؤمنين وتسود وجوه كثيرة للكافرين.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -
{ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } وقوله - تعالى - { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } قال صاحب الكشاف: "البياض من النور والسواد من الظلمة. فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته، واشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه. ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله".
ثم بين - سبحانه - حال الذين اسودت وجوههم وسوء عاقبتهم فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وحذف هذا القول المقدر والذى هو جواب إما لدلالة الكلام عليه، ومثله كثير فى القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى -
{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أى قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا وقوله تعالى - { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم } أى قائلين لهم: سلام عليكم.
والاستفهام فى قوله: {أَكْفَرْتُمْ} للتوبيخ والتعجب من حالهم.
قال الآلوسى والظاهر من السياق أن هؤلاء هم أهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم، هو كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإِيمان به قبل مبعثه. وقيل هم جميع الكفار لإِعراضهم عما وجب عليهم من الإِقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } ويحتمل أن يراد بالإِيمان الإِيمان بالقوة والفطرة، وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الإِيمان؛ لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإِيمان بالله - تعالى -، وبرسوله صلى الله عليه وسلم".
وقوله {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} أى فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه.
والأمر فى قوله {فَذُوقُواْ} للإِهانة والإِذلال، وهو من باب الاستعارة فى {فَذُوقُواْ} استعارة تبعية تخييلية. وفى العذاب استعارة مكنية: حيث شبه العذاب بشىء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصويراً له بصورة ما يذاق، وأثبت له الذوق تخييلا - وهو قرينة المكنية.
وأل فى العذاب للعهد أى فذوقوا العذاب المعهود الموصوف بالعظم، والذى سبق أن حذركم الله - تعالى - منه، ولكنكم لم تعيروا التحذير انتباها، بل تماديتم فى كفركم وضلالكم حتى أدرككم الموت وأنتم على هذه الحال الشنيعة.
ثم بين - سبحانه - حال الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} ببركة إيمانهم وعملهم الصالح {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ} أى ففى جنته. والتعبير عن الجنة بالرحمة من باب التعبير بالحال عن المحل فتكون الظرفية حقيقة. وإذا أريد برحمة الله ثوابه وجزاؤه تكون الظرفية مجازية.
وفى التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنما هو بمحض فضل الله - تعالى - فهو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء.
وقوله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} بيان لما خصهم الله - تعالى - من خلود فى هذا النعيم الذى لا يحد بحد، ولا يرسم برسم، ولا تبلغ العقول مداه. أى هم فى الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم الله - تعالى - عطاء غير مجذوذ.
وقد بدأ - سبحانه - كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم ثم قدم الحديث عن حال الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم، ليكون ابتداء الكلام واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب ويشرح الصدر ويغرى الناس بالتمسك بعرى الإِيمان وبالإِكثار من العمل الصالح الذى يوصلهم إلى رحمة الله ورضاه.
ووصف - سبحانه - الذين ابيضت وجوههم بأنهم خالدون فى رحمته، ولم يصف الذين اسودت وجوههم بالخلود فى العذاب للتصريح فى غير هذا الموضع بخلودهم فى هذا العذاب كما فى قوله - تعالى -
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ } وللإِشعار بأن باب رحمته - سبحانه - مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يقلعوا عن الكفر إلى الإِيمان والعمل الصالح حتى ينجوا من عذاب الله وسخطه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وبعد أن أفاض - سبحانه - فى الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وبعد أن ساق - سبحانه - من التوجيهات الحكيمة، والإِرشادات النافعة ما يشفى الصدور ويهدى النفوس، بعد كل ذلك، خاطب - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
{تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ}.
والمراد بالآيات ما سبق ذكره فى هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى إلى الرشد وتشهد بوحدانية الله - تعالى - وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه.
وكانت الإِشارة بتلك الدالة على البعد للإِشعار بعلو شأن هذه الآيات وسمو منزلتها وعظم قدرها.
ومعنى {نَتْلُوهَا} نقرؤها عليك يا محمد شيئاً فشيئاً قراءة واضحة جلية لتبلغها للناس على مكث وتدبر وروية.
وأسند - سبحانه - التلاوة إليه مع أن التالى فى الحقيقة جبريل - عليه السلام - للتنيه على شرف هذه الآيات المتلوة، ولأن تلاوة جبريل إنما هى بأمر منه - سبحانه -.
وقال - سبحانه - {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا} فأظهر لفظ الجلالة ولم يقل تلك آياتنا نتلوها، ليكون التصريح باسمه - سبحانه - مربيا فى النفوس المهابة والإِجلال له، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية فلا إله سواه ولا معبود بحق غيره، وهو ذو الجلال والإِكرام، وهو المنشىء الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه.
فالتصريح باسمه - تعالى - يزيد البيان جلالا ويبعث فى النفوس الخشيية والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب والإِقبال على ما يوصل إلى الثواب.
وقوله {بِٱلْحَقِّ} فى موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول.
أى نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل فى كل ما دلت عليه هذه الآيات ونطقت به، مما لا تختلف فيه العقول السليمة، والمدارك القويمة,
وقوله - تعالى - {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} نفى للظلم بأبلغ وجه فإنه - سبحانه - لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ذاته إرادة الظلم إذ هو أمر يليق به - سبحانه - ولا يتصور وقوعه منه.
وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود، وخلق هذا الكون برحمته وقدرته وعدله؟
والظلم - كما يقول الراغب - وضع الشىء فى غير موضعه المختص به إما بزيادة أو بنقصان وإما بعدول عن وقته ومكانه، ومن هذا يقال: ظلمت السقاء إذا تناولته فى غير وقته، وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن موضعاً للحفر.
وقال بعض الحكماء: الظلم ثلاثة أنواع:
الأول: ظلم بين الإِنسان وبين الله - تعالى - وأعظمه الكفر والشرك والنفاق وإياه قصد - سبحانه - بقوله:
{ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } والثانى: ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله: { إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ } والثالث: ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } والظلم الذى نفى إرادته - سبحانه - عن ذاته عام لا يخص نوعا دون نوع، إذ من المعروف عند علماء اللغة أن النكرة فى سياق النفى تعم، وهنا جاء لفظ الظلم منكراً فى سياق النفى وهو ما.
قال الجمل واللام فى قوله {لِّلْعَالَمِينَ} زائدة لا تعلق لها بشىء زيدت فى مفعول المصدر وهو "ظلم" والفاعل محذوف. وهو فى التقدير ضمير البارىء - سبحانه - والمعنى ما الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل كقوله
{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه هو المالك لكل شىء وأنه هو وحده الذى إليه تصير الأمور فقال: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أى له - سبحانه - وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيباً.
{وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أى إلى حكمه وقضائه تعود أمور الناس وشئونهم فيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى، لأنه - سبحانه - منه المبدأ وإليه المآب فيجازى كل إنسان على حسب اعتقاده وعمله بدون ظلم أو محاباة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الناس من أهوال يوم القيامة الذى تبيض فيه وجوه وتسود وجوه وبينت الأسباب التى أدت إلى فوز من فاز وإلى شقاء من شقى، ونوهت بشأن الآيات التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم لتكون هداية للناس وصرحت بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل شىء وإليه مرجع الأمور ومصيرها فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالدعوة إلى الخير ونهاهم عن التفرق والاختلاف المفضى إلى العذاب العظيم يوم القيامة، وبين لهم أن مصير الأمور إليه بعد كل ذلك ساق لهم ما يقوى إيمانهم ويثبت يقينهم، بأن بشرهم بحسن العقبى متى استقاموا على أمره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأنذر الكافرين من أهل الكتاب بالهزيمة فى الدنيا، وبغضب الله - تعالى - فى الآخرة فقال - تعالى -: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...}.