خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
١٥٥
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى: قال محمد بن كعب القرظى: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد، وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من اين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل قوله - تعالى - {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} الآية.
وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضاً مراكزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة.
وقد روى البخارى عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم:
"لا تبرحوا من مكانكم. إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا" .
قال: فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن الجبل - أى يسرعن الفرار - يرفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن. فجعلوا يقولون - أى الرماة - "الغنيمة.. الغنيمة" فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا أماكنكم؟ فأبوا - وانطلقوا لجمع الغنائم - فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا".
وصدق الوعد معناه: تحقيقه والوفاء به، الصدق مطابقة الخبر للواقع. والمراد بهذا الوعد، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر فى مثل قوله - تعالى -
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } وفى مثل قوله - تعالى - { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } وفى مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرماة قبل أن تبدأ المعركة "لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم" .
ومعنى "تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم. يقال: حسه حسا إذا قتله. وحقيقته: أصاب حاسته بآفة فأبطلها، يقال: كبده وفأده أى: أصاب كبده وفؤاده. ومنه جراد محسوس، وهو الذى قتله البرد أو مسته النار فأهلكته.
والمعنى: ولقد حقق الله - تعالى - لكم - أيها المؤمنون - ما وعدكم به من النصر على أعدائكم إذ إيدكم فى أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته وكان حليفا لكم فى أول المعركة.
و "صدق" يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول: صدقت زيداً فى الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين، والثانى قوله {وَعْدَهُ}.
وقوله {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} معمول لصدقكم أى صدقكم فى هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله "بإذنه" متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل "تحسونهم" أى تقتلونهم مأذونا لكم فى ذلك.
فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله - تعالى - لهم عندما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة.. ثم بين - سبحانه - أن ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال - تعالى -: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}.
والفشل: بمعنى الجبن والضعف، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع: التخاصم والتحالف.
والمعنى: ولقد صدقكم الله وعده فى النصر - أيها المؤمنون - عندما كنتم تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق، وإخلاص لله - تعالى - حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم (أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى فى أماكننا التى حددها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا)؟ ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفاً أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما أراكم الله فى أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه وترجونه، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق.
حتى إذا فعلتم ذلك منع الله - تعالى - عنكم نصره، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم.
وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين فى أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وصدق الله إذ يقول:
{ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً } ولقد رتب الله - تعالى - ما حدث من بعض المؤمنين فى غزوة أحد ترتيباً دقيقاً، يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم - أولا - الفشل بمعنى العجز النفسى عن الثبات والصبر. ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم.
قال الجمل ما ملخصه: وقوله {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} فى حتى هذه قولان:
أحدهما: أنها حرف جر بمعنى إلى وفى متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه.
أحدها: أنها متعلقة بقوله: {تَحُسُّونَهُمْ} أى تقتلونهم إلى هذا الوقت.
والثانى: أنها متعلقة "بصدقكم" أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. والثالث: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره: ودام لكم ذلك إلى وقت فشلكم.
والقول الثانى: أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية {إِذَا} على بابها من كونها شرطية، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم وتنازعتم منع الله عنكم نصره".
وقال الفخر الرازى: فإن قيل ما الفائدة فى قوله {بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}؟
فالجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - "أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - "أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإِكرام وأذاقهم وبال أمرهم. وقوله {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} تفصيل للتنازع الذى كان بين الرماة، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا فى هذه الغزوة.
أى: منكم - أيها المسلمون - من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله صلى الله عليه وسلم ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه، وحارب مطامعه، وأطاع أمر رسوله صلى الله عليه وسلم لتم لكم النصر، ولأتتكم الدنيا بغنائمها وهى صاغرة.
ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.
قال ابن جرير: قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبى صلى الله عليه وسلم فنزلت: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}.
وقال ابن مسعود: ما علمنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد".
وقوله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} عطف على جواب "إذا" المقدر، وما بينهما اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.
والتقدير: منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصيتكم لنبيكم ثم ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون {لِيَبْتَلِيَكُمْ} أى ليعاملكم الله - تعالى - معاملة من يمتحن غيره، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه وليتبين لكم الصابر المخلص من غيره.
وجاء العطف بثم فى قوله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ} للإِشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذى خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين النتيجة التى انتهوا إليها وهى العودة مقهورين.
وكان التعبير بكلمة {صَرَفَكُمْ} دون كلمة "هزمتم" لأن ما حدث فى أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصراً. لأن الهزيمة تقتضى أن يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم وما حدث فى أحد لم يكن كذلك، وإنما كان زيادة فى عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من المشركين لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم صلى الله عليه وسلم وتطلعوا إلى زهرة الدنيا وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإِيمان الصادق فكان من الله - تعالى - التأديب لهم.. وفى هذا التعبير {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} تسلية لهم عما أصابهم، وتخفيف لمصابهم فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إن ما حدث فى أحد إنما هو نوع من الصرف عن الغاية التى من أجلها خرجتم لحكم من أهمها: تمييز الخبيث من الطيب، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام، وتأديبكم بالأدب المناسب حتى لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم صلى الله عليه وسلم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم فقال - تعالى - {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
أى: ولقد عفا - سبحانه - عما صدر منكم تفضلا منه وكرما، والله تعالى هو صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين.
ولقد أكد - سبحانه - هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضى، ليفتح أمامهم طريق الأمل، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإِيمان العميق، حتى لا ييأسوا من رحمة الله.
والتذييل بقوله {ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} مؤكد لمضمون ما قبله.
قال الآلوسى: "إيذان بأن ذلك العفو، ولو كان بعد التوبة، بطريق التفضل لا الوجوب أى: شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو فى جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضاً رحمة".
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله - تعالى - قد حقق وعده معهم فى أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم عونه وصرفهم عن الغاية التى كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على المؤمنين.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم، فقال - تعالى - {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ}.
وقوله: {تُصْعِدُونَ} من الإِصعاد وهو الذهاب فى صعيد الأرض والإِبعاد فيه.
يقال: أصعد فى الأرض إذا أبعد فى الذهاب وأمعن فيه، فهو الصعد.
قال القرطبى: الإِصعاد: السير فى مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب.
والصعود: الارتفاع على الجبال والدرج.
وقوله {إِذْ تُصْعِدُونَ} متعلق بقوله {صَرَفَكُمْ} أو بقوله {لِيَبْتَلِيَكُمْ} أو بمحذوف تقديره اذكروا.
أى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة فى بطن الوادى بعد أن اختلت صفوفكم - واضطرب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يتلفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب، والحال أن رسولكم صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} أى يناديكم فى أخراكم أو فى جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال. جاء فلان فى آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم، كما يقال: جاء فى أولهم وأولاهم.
والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه.
قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: "إلىَّ عباد الله"! فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبى صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ}.
ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عندما اضطربت صفوفهم فى غزوة أحد، فهى تصور حالهم وهم مصعدون فى الوادى بدون تمهل أو تثبت، وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبى صلى الله عليه وسلم وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله:
"إلى عباد الله، إلى عباد الله أنا رسول الله، من يكر فله الجنة" .
وقوله - تعالى - {فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ}.
بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله {صَرَفَكُمْ} أو على قوله {تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ} ولا يضر كونهما مضارعين فى اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين فى المعنى.
وأصل الإِثابة إعطاء الثواب، وهو شىء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل فى الأعم الأغلب إلا فى الخير، والمراد به هنا العقوبة التى نزلت بهم. وسميت العقوبة التى نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما فى قوله
{ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا فى حقيقته، لأن لفظ الثواب فى أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله، سواء أكان خيراً أو شراً.
قال القرطبى: قوله - تعالى - {فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ} الغم فى اللغة التغطية. يقال: غممت الشىء أى غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين.
قال مجاهد وقتادة وغيرهما، والغم الأول القتل والجراح والغم الثانى الإِرجاف بمقتل النبى صلى الله عليه وسلم وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثانى: استعلاء المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم
"اللهم لا يعان علينا" .
والباء فى {بِغَمٍّ} على هذا بمعنى على. وقيل هى على بابها والمعنى أنهم غموا النبى صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم".
ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل.. وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا لله الجهاد فأصابكم ما أصابكم.
وقوله {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ} تعليل لقوله {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} أى: ولقد عفا الله - تعالى - عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام، فإن عفو الله - تعالى - يذهب كل حزن ويمسح كل ألم.
ويرى صاحب الكشاف أن معنى "لكى لا تحزنوا" لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من المضار.
ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير فى {فَأَثَابَكُمْ} للرسول. أى: فآساكم فى الاغتمام - أى فصار أسوتكم - لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم. فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو".
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أى: والله - تعالى - عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا، وخبير بما انطوت عليه نفوسكم فهو - سبحانه - لا تخفى عليه خافية مهما صغرت، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسعادة.
ثم ذكرهم - سبحانه - ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم النعاس الذى أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال - تعالى - {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} والجملة الكريمة معطوفة على قوله {فَأَثَابَكُمْ}.
والأمنة - بفتحتين - مصدر كالأمن. يقال: أمن أمنا وأماناً وأمنة.
والنعاس: الفتور فى أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإِنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم: لأنه لو كان نوما ثقيلا لهاجمهم المشركون.
أى: ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها لله، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى.
قال ابن كثير: يقول - تعالى - ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذى غشيهم وهم مشتملون السلاح فى حال همهم وغمهم والنعاس فى مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال فى سورة الأنفال:
{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ } فعن ابن مسعود قال: النعاس فى القتال من الله وفى الصلاة من الشيطان".
وروى البخارى عن أبى طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفى من يدى مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه".
وقوله {نُّعَاساً} بدل من {أَمَنَةً} أو عطف بيان.
قال الفخر الرازى: واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد:
أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم فى محاربة العدو. ووثوقهم بأن الله منجز وعده.
وثانيهما: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة.
وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقى منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم.
ورابعها: أن الأعداء كانوا فى غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم فى النوم مع السلامة فى مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله".
هذا جانب مما امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعاية، حيث أنزل عليهم النعاس فى أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم، وأمانا لنفوسهم.
أما غير المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس بل بقوا فى قلقهم وحسرتهم وقد عبر الله - تعالى - عنهم بقوله: {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ}.
وقوله {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} حملتهم على الهم، والهم ما يهتم له الإِنسان أو ما يحزنه يقال: أهمنى الأمر أى أقلقنى وأزعجنى، كما يقال: أهمنى الشىء، أى جعلنى مهتما به اهتماماً شديداً.
والمعنى: أن الله - تعالى - أنزل النعاس أمانا واطمئنانا للمؤمنين الصادقين بعد أن أصابتهم الغموم، وهناك طائفة أخرى من الذين اشتركوا فى غزوة أحد لم تكن صادقة فى إيمانها لأنها كانت لا يهمها شأن الإِسلام انتصر أو انهزم ولا شأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وإنما الذى كان يهمها هو شىء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك من الحصول على الغنائم ومتع الدنيا.
أو المعنى: أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها فى الهم والحزن بسبب عدم اطمئنانها وعدم صبرها، وجزعها المستمر.
وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أى: ما يهم إلا هم أنفسهم، لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم فى الهموم والأشجان فهم فى التشاكى والتباكى".
والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان حال ضعاف الإِيمان بعد أن بين - سبحانه - ما امتن به على أقوياء الإِيمان.
وقوله: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} وصف آخر لسوء أخلاق هذه الطائفة التى ضعف إيمانها، وصارت لا يهمها إلا ما يتعلق بمنافعها الخاصة.
أى أن هذه الطائفة لم تكتف بما استولى عليها من طمع وجشع وحب لنفسها بل تجاوزت ذلك إلى سوء الظن بالله بأن توهمت بأن الله - تعالى - لن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وأن الإِسلام ليس ديناً حقاً وأن المسلمين لن ينتصروا على المشركين بعد معركة أحد... إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التى تتولد عند المرء الذى ضعف إيمانه وصار لا يهمه إلا أمر نفسه.
وقوله {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ} حال من الضمير المنصوب فى {أَهَمَّتْهُمْ} أو استئناف على وجه البيان لما قبله.
وقوله {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف أى يظنون بالله ظنا غير الحق الذى يجب أن يتحلى به المؤمنون إذ من شأن المؤمنين الصادقين أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشروا الأسباب التى شرعها لهم: وأن يصبروا على ما أصابهم وأن يوقنوا بأن ما أصابهم هو بتقدير الله وبحكمته وبإرادته
{ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } وقوله {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} بدل أو عطف بيان مما قبله.
أى يظنون بالله شيئاً هو من شأن أهل الجاهلية الذين يتوهمون أن الله لا ينصر رسله ولا يؤيد أولياءه ولا يهزم أعداءه.
ثم بين - سبحانه - ما صدر عنهم من كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال - تعالى - {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ}. والاستفهام للإِنكار بمعنى النفى، وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد، وأن الذين تسببوا فى ذلك هم غيرهم.
أى: يقول بعضهم لبعض ليس لنا من الأمر شىء أى شىء فلسنا مسئولين عن الهزيمة التى حدثت للمسلمين فى أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله - تعالى - لو أراد نصر محمد صلى الله عليه وسلم لنصره.
وهذا القول قاله عبد الله بن أبى بن سلول حين أخبروه بمن استشهد من قبيلة الخزرج فى غزوة أحد.
وذلك أن عبد الله بن أبى لما استشاره النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن الخروج لقتال المشركين فى أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة.
فلما أخبر ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال: هل لنا من الأمر شىء؟ يعنى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة.
وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على هؤلاء الظانين بالله ظن السوء بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}.
أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها لله - تعالى - وحده وإن العاقبة ستكون للمتقين، إلا أنه - سبحانه - قد جعل لكل شىء سببا، فمن أخلص لله فى جهاده وباشر الأسباب التى شرعها للنصر نصره الله - تعالى - ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أدبه الله - تعالى - بحجب نصره عنه حتى يفىء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ربه، ويتخذ الوسائل التى شرعها الله - تعالى - للوصول إلى الفوز والظفر.
فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل.
ثم كشف - سبحانه - عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}.
أى: أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم: والذين يظنون بالله غير الحق. يخفون فى أنفسهم من الأقوال القبيحة والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية ما لا يستطيعون إظهاره أمامك.
وهذه الجملة حال من الضمير فى قوله {يَقُولُونَ هَل لَّنَا} السابقة.
وقوله {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} بيان لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما بينهم.
أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شىء ما خرجنا من المدينة إلى هذا المكان الذى قتل فيه أقاربنا وعشائرنا.
فأنت ترى أن القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل بالمسلمين بأحد، وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا فى المدينة ولم يخرجوا منها لقتال المشركين، وأن التبعة فى كل ما جرى فى غزوة أحد يتحملها النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ألحوا عليه فى الخروج لقتال المشركين خارج المدينة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا.
قال ابن جرير: وذكر أن ممن قال هذا القول - {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} - معتب بن قشير من بنى عمرو بن عوف. فعن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال، والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}.
وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يدفع أقوالهم الباطلة فقال: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ}.
وقوله {لَبَرَزَ} من البروز وهو الخروج من المكان الذى يستتر فيه الإِنسان و (المضاجع) جمع مضجع وهو مكان النوم. والمراد به هنا المكان الذى استشهد فيه من استشهد من المسلمين.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون: لو كان لنا من الأمر شىء ما قتل أقاربنا فى هذا المكان من جبل أحد. قل لهم لو كنتم فى بيوتكم ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم، لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى الخروج الذين كتب عليهم القتل فى اللوح المحفوظ إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم التى قدر الله لهم أن يقتلوا فيها لأنه ما من نفس تموت إلا بإذن الله وبإرادته، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله المحتوم وقضائه النافذ، فإن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير
{ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } وفى هذا الرد مبالغة فى إبطال ما قاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون السيئة حيث لم يقتصر - سبحانه - على تحقيق القتل نفسه متى قدره بل عين مكانه - أيضاً -.
ثم بين - سبحانه - بعض الحكم من وراء ما حدث للمسلمين فى أحد فقال: {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.
والابتلاء: الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للناس ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه.
والتمحيص تخليص الشىء مما يخالطه مما فيه عيب له.
والجملة معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق. والتقدير: نزل بكم ما نزل من الشدائد فى أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن، وليعاملكم - سبحانه - معاملة المختبر لنفوسكم، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أو شر، حتى يتبين الخبيث من الطيب وليخلص ما فى قلوبكم ويزيل ما عساه يعلق بها من أدران، ويطهرها مما يخالطها من ظنون سيئة - فإن القلوب يخالطها بحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة وحب الشهوات. ما يضاد ما أودع الله فيها من إيمان وإسلام وبر وتقوى.
فلو تركت فى عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص من الآثام فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريه لمن عرض له داء.
وقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أى عليم بأسرارها وضمائرها الخفية التى لا تفارقها فهو القائل
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } وهو القائل { وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى } ثم أخبر - سبحانه - عن الذين لم يثبتوا مع النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبين السبب فى ذلك وفتح لهم باب عفوه فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
وقوله {تَوَلَّوْاْ} من التولى ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإِقبال وبمعنى الإِدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإِقبال كما فى قوله - تعالى -
{ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } وإذا كان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإِعراض كما فى الآية التى معنا.
والتولى الذى وقع فيه من ذكرهم الله - تعالى - فى الآية التى معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التى أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا بجانب النبى صلى الله عليه وسلم بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عندما اضطربت الصفوف.
ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبى صلى الله عليه وسلم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين، وكلهم يفتدى النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه ويقول: وجهى لوجهك الفداء ونفسى لنفسك الفداء. وعليك السلام غير مودع.
ومعنى {ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} طلب لهم الزلل والخطيئة، أو حملهم عليها بوسوسته لهم: أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالثبات فى مواقفهم التى عينها لهم، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان. فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم.
قال الراغب: استزله إذا تحرى زلته، وقوله - تعالى - {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} أى استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإِنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه، والزلة فى الأصل: استرسال الرجل من غير قصد".
والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ترتب عليها هزيمتهم.
والمعنى: إن الذين تولوا منكم - يا معشر المؤمنين - عن القتال أو تركوا أماكنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين فى معركة أحد؛ {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أى طلب منهم الزلل والمعصية، ودعاهم إليها بمكر منه وكان ذلك {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} أى بسبب بعض ما اكتسبوه من ذنوب، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله فترتب على ذلك أن منعوا النصر والتأييد وقوة القلب والثبات.
قال ابن القيم: "كانت أعمالهم جنداً عليهم ازداد بها عدوهم قوة. فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد فى كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه.
فأعمال العبد تسوقه قسراً إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى.
ففرار الإِنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به".
ثم أخبر - سبحانه - أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير نفوسهم. وبعثها على التوبة الصادقة والإِخلاص لله رب العالمين، فقال - تعالى - {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
أى: ولقد عفا - سبحانه - عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق، بل كان عارضا عرض لهم عندما اضطربت الصفوف واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم فى قتال أعدائهم.
ولقد أكد الله - تعالى - هذا العفو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شئونه، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالحلم، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده بالعقاب، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو - سبحانه - عن كثير.
وصدق الله إذ يقول:
{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ } وقد أكد - سبحانه - شأن هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان حيرتها ولتتخلع عن الماضى، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة بالإِيمان، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما أصابهم فى أحد، وفتحت لهم باب التوبة لتطهير أنفسهم، وأخبرتهم بعفو الله عنهم، وفى ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد، وعما تم للمسلمين فى أولها من نصر، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم.
بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه على مواصلة الجهاد فى سبيل الله، حتى تكون كلمة الله هى العليا وأخبرهم بأن الآجال بيد الله، وأن موتهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف لهم من الحياة الذليلة.
استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.