خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٥٢
رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ
٥٣
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٥٤
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٥٥
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٥٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
٥٧
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله - تعالى - {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} شروع فى بيان مآل أحواله - عليه السلام - وفى بيان موقف قومه منه بعد أن بين - قبل ذلك بعض صفاته ومعجزاته وخصائص رسالته.
وأحس: بمعنى علم ووجد وعرف. والإِحساس: الإِدراك ببعض الحواس الخمس وهى الذوق والشم واللمس والسمع والبصر. يقال أحس الشىء، علمه بالحس. وأحس بالشىء شعر به بحاسته والمراد أن عيسى عليه السلام، علم من بنى إسرائيل الكفر علما لا شبهة فيه.
والأنصار جمع نصير مثل شريف وأشراف.
والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد جاء لقومه بالمعجزات الباهرات التى تشهد بصدقه فى دعوته ولكنه لم يجد منهم أذنا واعية، فلما رأى تصميمهم على باطلهم، وأحس منهم الكفر أى علمه يقينا وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس، قال على سبيل التبليغ وطلب النصرة: من أنصارى إلى الله؟ أى من أعوانى فى الدعوة إلى الله والتبشير بدينه حتى أبلغ ما كلفنى بتبليغه.
قال ابن كثير: وذلك كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى مواسم الحج قبل أن يهاجر
"هل من رجل يؤوينى وينصرنى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربى" فقيض الله له الأنصار فآووه ونصروه ومنعوه من الأسود والأحمر".
والفاء فى {فَلَمَّآ} تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة. أى أنهم بعد أن رأوا ما رأوا من معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة أمرهم بل كذبوه على الفور، وحاولوا قتله تخلصا منه واستمروا على كفرهم.
والتعبير بأحس - كما أشرنا من قبل - يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس.
والمقول لهم {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} هم الحواريون كما يشير إليه قوله - تعالى - فى سورة الصف:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } وقيل المقول لهم جميع أفراد قومه.
وقوله {مِنْهُمُ} متعلق بأحس. ومن لابتداء الغاية أى ابتداء الإِحساس من جهتهم. أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أى أحس الكفر حال كونه صادرا منهم. وقوله {إِلَى ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء فى أنصارى. أى من أنصارى حال كونى ذاهبا إلى الله أى ملتجئا إليه وشارعا فى نصرة دينه.
وفى قوله {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} حض لهم على المسارعة إلى نصرة الحق لأنهم لا ينصرونه من أجل متعة زائلة. وإنما هم ينصرونه لأنه يدافع عن دين الله ويبشر به، ومن نصر دين الله، نصره الله تعالى.
والآية الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من بنى إسرائيل، بدليل أنه - سبحانه - نسب الكفر إليهم فى قوله {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة، والمؤمنون هم القلة غير الظاهرة حتى لكأن عيسى بقوله {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} يبحث عنهم من بين تلك الجموع الكثيرة من الكافرين. وهنا يحكى القرآن أن المؤمنين الصادقين - مع قلتهم - لم يتقاعسوا عن تلبية نداء عيسى - عليه السلام - فقال الله - تعالى - {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} والحواريون جمع حوارى وهم أنصار عيسى الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.
يقال فلان حوارى فلان أى خاصه من أصحابه ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:
"لكل نبى حوارى وحواريى الزبير" .
وأصل مادة "حور" هى شدة البياض. أو الخالص من البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق الحوارى. وقالوا فى النساء البيض الحواريات والحوريات.
وقد سمى - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين لأنهم أخلصوا لله - تعالى نياتهم، وطهرت سرائرهم من النفاق والغش فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.
والمعنى أن عيسى عليه السلام - لما أحس الكفر من بنى إسرائيل قال لهم من أنصارى إلى الله؟ فأجابه الحواريون الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم لله - تعالى - : نحن أنصار الله الذين تبحث عنهم، ونحن الذين سنقف إلى جانبك لنصرة الحق، فقد آمنا بالله إيمانا عميقا، ونريدك أن تشهد على إيماننا هذا، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا مسلمون حين تشهد الرسل لأقوامهم وعليهم.
فأنت ترى أن الحواريين لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى - عليه السلام - فى طلب النصرة دون أن يخشوا أحدا إلا الله.
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} إشعار بأنهم ما وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين الله ودفاعا عن الحق الذى أنزله على رسوله عيسى.
وقولهم {آمَنَّا بِٱللَّهِ} جملة فى معنى العلة للنصرة أى نحن أنصار الله يا عيسى لأننا آمنا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه هو الخالق لكل شىء والقادر على كل شىء.
وقولهم {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى - عليه السلام - أن يكون شاهدا لهم يوم القيامة بأنهم أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة.
وأقوالهم هذه التى حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا فى الدرجة العليا من قوة الإِيمان وصدق اليقين، ونقاء السريرة.
ثم حكى القرآن عنهم أنهم قالوا - أيضاً - {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ} على أنبيائك من كتب {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ} أى امتثلنا ما أتى به منك إلينا {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} أى كتبنا بفضلك ورحمتك مع الشاهدين بوحدانيتك العاملين بشريعتك المستحقين لرضاك ورحمتك.
فهم قد صدروا ضراعتهم إلى الله - تعالى - بالاعتراف الكامل بربوبيته ثم أعلنوا إيمانهم به وبما أنزل على أنبيائه، ثم أقروا باتباعهم لرسوله والأخذ بسنته، ثم التمسوا منه - سبحانه - بعد ذلك أن يجعلهم من عباده الذين رضى عنهم وأرضاهم.
وهذا يدل على أنهم فى نهاية الأدب مع الله - تعالى - وعلى أنهم فى أسمى مراتب الإِيمان قال بعض العلماء: وكان عدد هؤلاء الحواريين اثنى عشر رجلا آمنوا بعيسى وصدقوه ولازموه فى دعوته إلى الحق.
ثم حكى - سبحانه ما كان من بنى إسرائيل فقال: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} والمكر: التدبير المحكم. أو صرف غيرك عما يريده بحيلة. وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى - عليه السلام - ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل.
واملعنى: أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم الكفر دبروا له القتل غيلة واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة. فأحبط الله - تعالى - مكرهم، وأبطل تدبيرهم بأن نجى نبيه عيسى - عليه السلام - من شرورهم {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} أى أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر قدرته، ورعايته لعبده عيسى - عليه السلام - وخذلانه لأعدائه فقال - تعالى. {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}.
وللعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان:
أما القول الأول: وهو قول جمهور العلماء - فيرى أصحابه أن معنى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أى قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك لتستوفى حظك من الحياة هناك.
وأصحاب هذا الرأى لا يفسرون التوفى بالموت وإنما يقولون: إن التوفى فى اللغة معناه أخذ الشىء تاما وافيا. فمعنى {مُتَوَفِّيكَ} آخذك وافيا بروحك وجسدك ومعنى {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء فالعطف للتفسير. يقال: وفيت فلانا حقه أى أعطيته إياه وافيا فاستوفاه وتوفاه أى أخذه وافيا كاملا.
قال القرطبي: "قال الحسن وابن جريج: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل توفيت مالى من فلان أى قبضته".
أما القول الثانى: وهو قول قلة من العلماء - فيرى أصحابه أن معنى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أى مميتك ورافع منزلتك وروحك إلى محل كرامتى ومقر ملائكتى كما ترفع أرواح الأنبياء إليه - سبحانه -.
فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأى يفسرون التوفى بالإِماتة، ويقولون إن هذا التفسير هو الظاهر من معنى التوفى ويفسرون {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} بمعنى رفع الروح إلى السماء,
أى أن الله - تعالى - قد توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها، ورفع روحه إليه كما يرفع أرواح النبيين.
والذى تسكن إليه النفس هو القول الأول لأمور:
أولها: أن قوله - تعالى - فى سورة النساء
{ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } يفيد أن الرفع كان بجسم عيسى وروحه لأن الإِضراب مقابل للقتل والصلب الذى أرادوه وزعموا حصوله، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح لأن الرفع بالروح يجوز أن يجتمع معهما ومادام الرفع بالروح لا يصح مقابلا لهما إذن يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح.
ثانيها: أن هناك أحاديث متعددة، بلغت فى قوتها مبلغ التواتر المعنوى - كما يقول ابن كثير - قد وردت فى شأن نزول عيسى إلى الأرض فى آخر الزمان ليملأها عدلا كما ملئت جوار، وليكون حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، يقتل الدجال ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين" .
وظاهر هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث الصحيحة فى شأن نزول عيسى، يفيد أن نزوله يكون بروحه وجسده كما رفعه الله إليه بروحه وجسده.
ثالثا: أن هذا القول هو قول جمهور العلماء، وهو القول الذى يتناسب مع ما أكرم الله - تعالى - به عيسى - عليه السلام - من كرامات ومعجزات.
قال بعض العلماء ما ملخصه: وجمهور العلماء على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له - عليه السلام - هى فى رفعه بجسده، وبقاؤه فيها إلى الأمد المقدر له ولا يصح أن يحمل التوفى على الإِماتة لأن إماتة عيسى فى وقت حصار أعدائه ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول. وقد نزه الله السماء أن تكون قبورا لجثث الموتى. وإن كان الرفع بالروح فقط فأى مزية لعيسى فى ذلك على سائر الأنبياء، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة. فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده. وكما كان - عليه السلام - فى مبدأ خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة، كان فى نهاية أمره آية ومعجزة باهرة والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشرة ومدارك العقول، وهى من متعلقات القدرة الإِلهية ومن الأدلة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام -".
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى للعلماء فى معنى هذه الآية الكريمة نرى من الخير عدم ذكرها لضعفها وخوف الإِطالة.
ومعنى الآية الكريمة: واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ وقت أن قال الله - تعالى - لنبيه عيسى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أى آخذك وافياً بروحك وجسدك من الأرض {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أى ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء لتستوفى حظك من الحياة هناك إلى أن آذن لك بالنزول إلى الأرض.
{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بإبعادك عنهم، وبإنجائك مما بيتوه لك من مكر سىء وبتبرئتك مما أشاعوه عنك وعن أمك من أكاذيب وأباطيل.
{وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} وهم المسلمون الذين آمنوا بك وصدقوك، وصدقوا بكل نبى بعثه الله - تعالى - بدون تفرقة بين أنبيائه ورسله.
{فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أى جاعل هؤلاء المؤمنين فوق الذين كفروا بك وبغيرك من الرسل إلى يوم القيامة.
أى فوقهم بحجتهم، وبسلامة اعتقادهم، وبقوتهم المادية والروحية إلى يوم القيامة.
فالمراد بأتباع عيسى هم الذين أخلصوا لله - تعالى - عبادتهم، وأقروا بوحدانيته - سبحانه - ونزهوا عيسى عن أن يكون ابن الله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل الباطلة.
والمراد بالفوقية ما يتناول الناحيتين الروحية والمادية، أى هم فوقهم بقوة إيمانهم، وحسن إدراكهم، وسلامة عقولهم، وهم فوقهم كذلك بشجاعتهم وحسن أخذهم للأسباب التى شرعها الله - تعالى - كوسائل للنصر والفوز ولذا قال صاحب الكشاف قوله: {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أى يعلونهم بالحجة وفى أكثر الأحوال بها وبالسيف ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه فى أصل الإِسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه والذين كذبوا عليه من اليهود والنصارى".
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
أى. ثم إلى الله مرجعكم ومصيركم أيها الناس فيتولى - سبحانه - الحكم العادل بينكم فيما كنتم تختلفون فيه فى دنياكم من شئون دينية أو دنيوية، ثم فصل سبحانه - هذا الحكم الذى سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بى وبما يجب الإِيمان به {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}.
أى فأعذبهم عذابا شديداً فى الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم، وبما يشبه ذلك من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألمه إلا الله - تعالى - وأما فى الآخرة فيساقون إلى عذاب النار وبئس القرار.
وقد أكد - سبحانه - شدة هذا العذاب بعدة تاكيدات منها نسبة العذاب إليه - سبحانه - وهو القوى القهار الغالب على كل شىء، ومنها التأكيد بالمصدر، ومنها الوصف بالشدة، ومنها الإِخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب الشديد فى قوله - تعالى - {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أى ليس لهم من ناصر أياً كان هذا الناصر، وأيا كانت نصرته ولو كانت نصرة ضئيلة لا وزن لها ولا قيمة.
هذا هو جزاء الكافرين وأما جزاء المؤمنين فقد بينه - سبحانه - بقوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ}.
أى فسيعطيهم - سبحانه - بفضله وإحسانه بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، أجورهم كاملة غير منقوصة، من ثواب جزيل، وجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك.
ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظمى للمؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريقه.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ}.
أى أنه - سبحانه - عادل فى أحكامه، ويكره الظلم والظالمين الذين لا يضعون الأمور فى مواضعها.
ومن أفحش أنواع الظلم ما يقوله أهل الكتاب على عيسى - عليه السلام - فقد زعم بعضهم أنه ابن الله، وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة وافترى عليه اليهود وعلى أمه مريم البتول المفتريات التى برأهما الله - تعالى - منها.
أما الذين آمنوا فقد قالوا فى عيسى وأمه قولا كريما، ولذلك كافأهم الله - تعالى - بما يستحقون من ثواب.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من فضائل عيسى - عليه السلام - وبينت للناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسلكوا الطريق القويم.
وبعد أن حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ولادة عيسى - عليه السلام - وما أجراه على يديه من معجزات، وما أكرمه به من مكرمات، وكيف كان موقف بنى إسرائيل منه، وكيف أبطل الله مكرهم وخيب سعيهم، إذ رفعه إليه وطهره من أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة وتوعد أعداءه بالعذاب الشديد ووعد اتباعه بالثواب الجزيل... بعد أن حكى القرآن كل ذلك ختم حديثه عن عيسى - عليه السلام - ببيان حقيقة تكوينه، وبإزالة وجه الغرابة فى ولادته، وبتلقين النبى صلى الله عليه وسلم الرد الصحيح على كل مجادل فى شأن عيسى - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه المعجز فيقول: {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ...}.