خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
غُلِبَتِ ٱلرُّومُ
٢
فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
٣
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ
٤
بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٥
وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٦
يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ
٧
-الروم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

سورة الروم من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى، وقد ذكرنا فى أكثر من سورة آراء العلماء فى هذه الحروف، ورجحنا أن هذه الحروف قد ذكرها - سبحانه - فى افتتاح بعض السور القرآنية، للتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله، لأن الله - تعالى - قد أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل الحروف التى ينطق بها المشركون، ومع ذلك فهم أعجز من أن يأتوا بسورة من مثله.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: {غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ..} روايات منها، ما رواه ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال:
" كانت فارس ظاهرة على الروم. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ..} قالوا: يا أبا بكر. إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس فى بضع سنين: قال: صدق. قالوا هل لك أن نقامرك؟ - أى: نراهنك وكان ذلك قبل تحريم الرهان - فبايعوه على أربع قلائص - جمع قلوص، وهى من الإِبل: الشابة - إلى سبع سنين. فمضت السبع ولم يكن شئ. ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين، فذكر للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: ما بضع سنين عندكم؟ قالوا: دون العشر.
قال: اذهب فزايدهم، وازدد سنتين فى الأجل. قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك"
.
وقال بعض العلماء: اتفق المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على ان ملك فارس كان قد غزا بلاد الشام مرتين: فى سنة 613، وفى سنة 614، أى: قبل الهجرة بسبع سنين، فحدث أن بلغ الخبر مكة. ففرح المشركون، وشمتوا فى المسلمين.. فنزلت هذه الآيات.
فلم يمض من البضع - وهو ما بين الثلاث إلى التسع - سبع سنين، إلا وقد انتصر الروم على الفرس، وكان ذلك سنة 621م. أى: قبل الهجرة بسنة.
وأدنى بمعنى أقرب. والمراد بالأرض: أرض الروم.
أى: غلبت الروم فى أقرب أرضها من بلاد الفرس.
قال ابن كثير: وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم، حين غلبت الروم، بين أذرعات وبصرى، - على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما -، وهى طرف بلاد الشام ممايلى الحجاز.
وقال مجاهد: كان ذلك فى الجزيرة، وهى أقرب بلاد الروم من فارس.
وقال الآلوسى: والمراد بالأرض. أرض الروم، على أن "أل" نائبة مناب الضمير المضاف إليه، والأقربية بالنظر إلى أهل مكة، لأن الكلام معهم. أو المراد بها أرض مكة ونواحيها، لأنها الأرض المعهودة عندهم، والأقربية بالنظر إلى الروم.
وقوله - تعالى -: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين، بأن الله - تعالى - سيحقق لهم ما يرجونه من انتصار الروم على الفرس.
أى وهم - أى الروم - من بعد هزيمتهم من الفرس، سينتصرون عليهم، خلال بضع سنين.
والتعبير بقوله - تعالى -: {سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}، لتأكيد هذا الوعد، وبيان أن نصر الروم على فارس سيتم خلال سنوات قليلة من عمر الأمم، وقد تحقق هذا الوعد، على أكمل صورة وأتمها، فقد انتصر الروم على الفرس نصرا عظيما، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - حيث أخبر عن أمور ستقع فى المستقبل، وقد وقعت كما أخبر.
وقوله - سبحانه -: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} جملة معترضة لبيان قدرة الله - تعالى - التامة النافذة، فى كل وقت وآن. أى: لله - تعالى - وحده الأمر النافذ من قبل انتصار الفرس على الروم، ومن بعد انتصار الروم على الفرس: وكلا الفريقين كان نصره أو هزيمته بإرادة الله ومشيئته، وليس لأحد من الخلق أن يخرج عما قدره - سبحانه - وأراده.
{وَيَوْمَئِذٍ} أى: ويوم أن يتغلب الروم على الفرس {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ} حيث نصر أهل الكتاب وهم الروم، على من لا كتاب لهم وهم الفرس، الذين كانوا يعبدون النار فأبطل - سبحانه - بهذا النصر شماتة المشركين فى المسلمين، وازداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم.
قال ابن كثير: وقد كانت نصرة الروم على فارس، يوم وقعة بدر، فى قول طائفة كبيرة من العلماء... فلما انتصرت الروم على فارس، فرح المؤمنون بذلك، لأن الروم أهل كتاب فى الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس.
وقوله - سبحانه -: {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} مؤكد لما قبله. أى: ينصر - سبحانه - من يريد نصره، ويهزم من يريد هزيمته، وهو، العزيز الذى لا يغلبه غالب، الرحيم الذى وسعت رحمته كل شئ.
ثم زاد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا وتقوية فقال: {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}. ولفظ "وعد" منصوب بفعل محذوف.
أى: وعد الله المؤمنين بالنصر وبالفرح وعدا مؤكدا، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أنه لا يخلف وعده.
{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك، لا نطماس بصائرهم، ولاستيلاء الجهل على عقولهم، ولاستحواذ الشيطان عليهم.
والضمير فى قوله - تعالى -: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعود للأكثر من الناس. أى: هؤلاء الأكثرون من الناس، من أسباب جهلهم بسنن الله - تعالى - فى خلقه، أنهم لا يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها، ووسائل المعيشة فيها.
{وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ} وما فيها من حساب وثواب وعقاب {هُمْ غَافِلُونَ} لأنهم آثروا الدار العاجلة، على الدار الباقية، فهم - كما قال - تعالى -:
{ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } }. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وقوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً} بدل من قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
وفى هذا الإِبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده. ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذى هو الجهل، وبين وجود العلم الذى لا يتجاوز الدنيا.. وفى تنكير قوله: {ظَاهِراً} إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهر الحياة الدنيا.
فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الكافرين وأشباههم، انهماكهم فى شئون الدنيا انهماكا تاما، جعلهم غافلين عما ينتظرهم فى أخراهم من حساب وعقاب. ورحم الله القائل:

ومن البلية أن ترى لك صاحبا فى صور الرجل السميع المبصر
فطن بكل مصيبة فى ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر

ثم حضهم - سبحانه - على التفكر فى خلق أنفسهم، وعلى التفكير فى ملكوت السماوات والأرض، لعل هذا التفكر والتدبر يهديهم إلى الصراط المستقيم، فقال - تعالى -: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ..بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}.