خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
٦
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
٧
أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ
٨
أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ
٩
-سبأ

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمراد بالرؤية فى قوله - تعالى -: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} المعرفة والعلم واليقين. والمراد بالذين أوتوا العلم: المؤمنون الصادقون الذين اتبعوا النبى صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاءهم به من عند ربه، سواء أكانوا من العرب أم من غيرهم، كمؤمنى أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء على إيمانهم بالحق، أو معطوف على يجزى فى قوله - تعالى - قبل ذلك:
{ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } }. والمراد بـ {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} القرآن الكريم.
والمعنى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما يقوله الكافرون بشأنك ولما يفعلونه لإِبطال دعوتك، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون، يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل، وهو الصدق الذى لا يشوبه كذب، وهو الكتاب الذى يهدى من اتبعه وأطاع توجيهاته إلى دين الله - تعالى -، العزيز، الذى يقهر ولا يقهر {ٱلْحَمِيدِ} أى المحمود فى جيمع شئونه.
والمفعول الأول ليرى قوله: {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ}.. والمفعول الثانى "الحق" و "هو" ضمير فصل متوسط بين المفعولين و "يهدى" معطوف على المفعول الثانى من باب عطف الفعل على الاسم لتأويله به، أى: يرونه حقا وهاديا.
وعبر - سبحانه - عن إيمان أهل العلم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَيَرَى}، للإِشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإِيمان الجازم عن إدراك ومشاهدة ويقين، وأنهم قد صاروا لا يشكون فى كون هذا المُنَزَّل عليه من ربه، هو الحق الهادى إلى الصراط المستقيم.
وفى وصفهم بقوله: {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} ثناء عظيم عليهم، لأنهم انتفعوا بعلمهم وسخروه لخدمة الحق، وللشهادة له بأنه حق، ويهدى إلى السعادة الدينية والدنيوية والأخروية.
وهكذا العلماء العاملون بمقتضى علمهم النافع. يكونون أنصارا للحق والهدى فى كل زمان ومكان.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الكافرون فيما بينهم، على سبيل الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ..}.
وتمزيق الشئ: تخريقه وجعله قطعا قطعا. يقال: ثوب ممزق ومزيق. إذا كان مقطعا مخرقا. والمراد بالرجل: الرسول صلى الله عليه وسلم.
أى: وقال الذين كفروا بعضهم لبعض، ألا تريدون أن ندلكم ونرشدكم إلى رجل، هذا الرجل يخبركم ويحدثكم، بأنكم إذا متم، وفرقت أجسامكم فى الأرض كل تفريق، وصرتم رفاتا وعظاما، وأصبحتم طعاما فى بطون الطيور والوحوش.
{إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أى: إنكم بعد هذا التمزيق والتفريق، تخلقون خلقا جديدا، وتعودون إلى الحياة مرة أخرى، للحساب على أعمالكم التى علمتموها فى حياتكم.
وقالوا: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} وهو صلى الله عليه وسلم أشهر من نار على علم بينهم، لقصد تجاهل أمره، والاستخفاف بشأنهن والاستهزاء بدعوته.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: فإن قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما فى قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا بينهم، فما معنى قولهم: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول فى أمر مجهول؟
قلت: كانوا يقصدون بذلك الطَّنز - أى: الاستخفاف والسخرية - فأخرجوه مخرج التحلى ببعض الأحاجى التى يتحاجى بها للضحك والتلهى، متجاهلين به وبأمره.
وقال الآلوسى -رحمه الله -: وقوله: {يُنَبِّئُكُمْ} أى يحدثكم بأمر مستغرب عجيب... وإذا فى قوله: {إِذَا مُزِّقْتُمْ} شرطية، وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه. أى: تبعثون أو تحشرون، وهو العامل فى "إذا" على قول الجمهور، والجملة الشرطية بتمامها معمولة لقوله: {يُنَبِّئُكُمْ} لأنه فى معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون، ثم أكد ذلك بقوله - تعالى -: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}.
وقوله - سبحانه - بعد ذلك: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} حكاية لقول آخر من أقوالهم الباطلة، التى قالوها بشأن ما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم.
والاستفهام لتعجبهم مما قاله صلى الله عليه وسلم لأن قوله لهم: إنكم ستبعثون وتحاسبون يوم القيامة، جعلهم لجهلهم وانطماس عقولهم - يستنكرون ذلك، ويرجعون قوله صلى الله عليه وسلم إلى أمرين: إما افتراء الكذب واختلاقه على الله - تعالى - وإما إصابته بالجنون الذى جعله يقول قولا لا يدرى معناه.
وقد رد الله - تعالى - بما ينفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ما اتهموه به، وبما يثبت جهلهم وغباءهم فقال. {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ}.
أى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكافرون، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى أخبرهم بأن هناك بعثا وحسابا، به جنة أو افترى على الله كذبا، بل الحق أن هؤلاء الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، غارقون فى العذاب الذى لا نهاية له. وفى الضلال البعيد عن الحق غاية البعد.
ثم هددهم - سبحانه - بسوء العاقبة، إذا ما استمروا فى ضلالهم وجهالاتهم وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}.
والاستفهام للتعجب من حالهم، ومن ذهولهم عن التفكر والتدبر، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام.
والمعنى: أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم يتعظوا بما يشاهدونه من مظاهر قدرته - عز وجل - المحيطة بهم من كل جانب والمنتشرة فى آفاق السماوات وفى جوانب الأرض؟
إن تأملهم فى مظاهر قدرتنا الواضحة أمام أعينهم، من شأنه أن يهديهم إلى الحق الذى جاءهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم ومن شأنه أن يجعلهم يوقنون بأننا {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} كما فعلنا بقارون.
{أَوْ} إن نشأ {نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} والكِسَفُ جمع كِسْفَة بمعنى قطعة أى: لا يعجزنا أن نخسف بهم الأرض. كما لا يعجزنا - أيضا - أن ننزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء فنهلكهم، كما أنزلناها على أصحاب الأيكة فأهلكناهم بسبب تذكيبهم وجحودهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}.
أى: إن فى ذلك الذى ذكرناه من مظاهر قدرتنا الواضحة بين أيديهم، لآية بينة، وعبرة ظاهرة، لكل عبد {مُّنِيبٍ} أى: راجع إلى الله - تعالى - بالتوبة الصادقة، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به نبينا صلى الله عليه وسلم.
ثم ساق - سبحانه - نموذجين من الناس، أولهما: أعطاه الله - تعالى - الكثير من نعمه وفضله وإحسانه، فوقف من كل ذلك موقف المعترف بنعم الله الشاكر لفضله.
وثانيهما: أعطاه الله - تعالى - النعم فوقف منها موقف الجاحد البطر الكنود.
أما النموذج الأول فنراه فى شخص النبيين الكريمين داود وسليمان - عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - فى شأنهما: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً...ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}.