خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ
٦
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
٧
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٨
-فاطر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الآلوسى: قوله: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} تسلية له صلى الله عليه وسلم بعموم البلية، والوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد لأعدائه.
والمعنى: وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين.. فتأس بأولئك الرسل فى الصبر، فقد كذبهم قومهم فصبروا على تذكيبهم. فجملة {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} قائمة مقام جواب الشرط، والجواب فى الحقيقة تأس. وأقيمت تلك الجملة مقامه، اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب...
وجاء لفظ الرسل بصيغة التنكير، للإِشعار بكثرة عددهم، وسمو منزلتهم.
أى: وإن يكذبك - أيها الرسول الكريم - قومك، فلا تخزن، ولا تبتئس، فإن إخوانك من الأنبياء الذين سبقوك، قد كذبهم أقوامهم، فأنت لست بدعا فى ذلك.
ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -:
{ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } }. وقوله - عز وجل -: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ.. } }. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسليته صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}.
أى: وإلى الله - تعالى - وحده ترجع أمور الناس وأحوالهم وأعمالهم وأقوالهم. وسيجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم وجه - سبحانه - نداء ثانيا إلى الناس. بين لهم فيه أن البعث حق، وأن من الواجب عليهم أن يستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح فقال - تعالى - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ...}.
أى: إنما وعدكم الله - تعالى - به من البعث والحساب والثواب والعقاب، حق لا ريب فيه، وما دام الأمر كذلك، {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أى: فلا تخدعنكم بمتعها، وشهواتها، ولذائذها، فإنها إلى زوال وفناء، ولا تشغلنكم هذه الحياة الدنيا من أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من فرائض وتكاليف.
{وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أى: ولا يخدعنكم عن طاعة ربكم، ومالك أمركم {ٱلْغَرُورُ}.
أى: الشيطان المبالغ فى خداعكم، وفى صرفكم عن كل ما هو خير وبر.
فالمراد بالغرور هنا: الشيطان الذى أقسم بالأيمان المغلظة، بأنه لن يكف عن إغواء بنى آدم، وعن تزيين الشرور والآثام لهم.
فالمقصود بالآية الكريمة تذكير الناس بيوم القيامة وما فيه من أهوال. وتحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان، فإن لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر.
ثم أكد - سبحانه - هذا التحذير بقوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} يا بنى آدم، عداوة قيدمة وباقية إلى يوم القيامة.
وما دام الأمر كذلك {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} أى: فاتخذوا أنتم عدوا لكم فى عقائدكم. وفى عباداتكم. وفى كل أحوالكم، بأن تخالفوا وسوسته وهمزاته وخطواته..
وقوله: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تقرير وتأكيد لهذه العداوة.
أى: اتخذوا - يا بنى آدم - الشيطان عدوا لكم، لأنه لا يدعو أتباعه ومن هم من حزبه إلى خير أبدا، وإنما يدعوهم الى العقائد الباطلة. والأقوال الفاسدة. والأفعال القبيحة التى تجعلهم يوم القيامة من أهل النار الشديدة الاشتعال..
ثم بين - سبحانه - أقسام الناس يوم القيامة فقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بكل ما يجب الإِيمان به {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} بسبب كفرهم وفسوقهم عن امر خالقهم - عز وجل - واتباعهم للشيطان..
{وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ} الأعمال {ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم} من ربهم {مَّغْفِرَةٌ} عظيمة {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، والمطيع، والعاصى، فقال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً...}.
والاستفهام للإِنكار. و "من" موصولة فى موضع رفع على الابتداء. والجملة بعدها صلنها، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، و {زُيِّنَ} من التزيين بمعنى التحسين. وقوله {سُوۤءُ عَمَلِهِ} أى: عمله السيئ. فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف.
والمعنى: أفمن زين له الشيطان عمله السيئ، فرآه حسنا، كمن ليس كذلك؟ كلا إنهما لا يستويان فى عرف أى عاقل، فإن الشخص الذى ارتكب الأفعال القبيحة التى زينها له الشيطان، أو نفسه الأمارة بالسوء، أو هواه.. مصيره إلى الشقاء والتعاسة.
أما الشخص الذى خالف الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى المردى.. فمصيره إلى السعادة والفلاح.
وقد صرح - سبحانه - بالأمرين فى آيات منها قوله - تعالى -
{ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ } وجملة {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تعليل لسببية التزيين لرؤية القبيح حسنا..
أى: هؤلاء الذين يعملون الأعمال السيئة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، لا قدرة لك على هدايتهم - أيها الرسول الكريم - فإن الله - تعالى - وحده، هو الذى يضل من يشاء إضلاله، ويهدى من يشاء هدايته.
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} للتفريع. والحسرات جمعه حسرة، وهى أشد ما يعترى الإِنسان من ندم على أمر قد مضى وانتهى والجار والمجرور "عليهم" متعلق بقوله "حسرات".
أى: إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فامض فى طريقك وبلغ رسالة ربك، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا تهلك نفسك هما وغما وحزنا من اجل هؤلاء الذين أعرضوا عن الحق، واعتنقوا الباطل، وظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعا..
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
أى: إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ مما يفعله هؤلاء الجاهلون من أفعاله قبيحة، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب.
وشبيه هذه الآية قوله - تعالى -:
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } }. وقوله - سبحانه -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } }. وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم وبعد هذا التحذير من وسوسة الشيطان ومن خداعه، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، بعد كل ذلك.. ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده، ومن رحمته بهم، نرى ذلك فى الرياح وفى السحب، وفى البحار والأنهار، وفى الليل نهار، وفى الشمس القمر.. وفى غير ذلك من النعم الظاهرة والباطنة فى هذا الكون.
قال - تعالى -: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ...وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}.