خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
٣٣
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ
٣٤
لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
٣٥
سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ
٣٦
وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ
٣٧
وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٣٨
وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ
٣٩
لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٤٠
وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
٤١
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ
٤٢
وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ
٤٣
إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ
٤٤
-يس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى ما ملخصه قوله: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} وجه تعلقه بما قبله، أنه - سبحانه - لما قال: { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإِنكارهم واستبعادهم، وعنادهم فقال: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا...} أى: وكذلك نحيى الموتى...
والمراد بالآية هنا: العلامة والبرهان والدليل.
والمراد بالأرض الميتة: الأرض الجدباء التى لا نبات فيها.
والمراد بالحب: جنسه من حنطة وشعير وغيرهما.
أى: ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء، فتهتز وتربو، وتخرج ألوانا وأصنافا من الحبوب التى يعيشون عليها. ويأكلون منها.
وذكر - سبحانه - لفظ {آية} للإِشعار بأنها آية عظيمة، كان ينبغى لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة السوداء، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها.
والله - تعالى - الذى قدر على ذلك، قادر - أيضا - على إحياء الموتى وإعادتهم إلى الحياة.
وقوله: {أَحْيَيْنَاهَا} كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} للدلالة على أن الحَبَّ هو الشئ الذى تكون منه معظم المأكولات التى يعيشون عليها، وأن قِلَّتَه تؤدى إلى القحط والجوع.
ثم بين - سبحانه - بعض النعم الأخرى التى تحملها الأرض لهم فقال: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ}.
والآية الكريمة معطوفة على قوله {أَحْيَيْنَاهَا}، ونخيل: جمع نخل، كعبيد جمع عبد، وأعناب: جمع عنب: والعيون، جمع عين. والمراد بها الآبار التى تسقى بها الزروع.
أى: أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء.. وجعلنا فيها - بقدرتنا ورحمتنا - بساتين كثيرة من نخيل وأعناب، وفجرنا وشققنا فيها كثيرا من الآبار والعيون التى تسقى بها تلك الزروع والثمار.
وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنها أشهر الفواكه المعروفة لديهم، وأنفعها عندهم.
واللام فى قوله: {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} متعلق بقوله: {وجعلنا...}.
والضمير فى قوله: {مِن ثَمَرِهِ} يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل والأعناب. أو إلى الله - تعالى - .
أى: وجعلنا فى الأرض ما جعلنا من جناب ومن نخيل ومن أعناب، ليأكلوا ثمار هذه الأشياء التى جعلناها لهم، وليشكرونا على هذه النعم.
و "ما" فى قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} الظاهر أنها نافية والجملة حالية، والاستفهام للحض على الشكر.
أى: جعلنا لهم فى الأرض جنات من نخيل وأعناب، ليأكلوا من ثمار ما جعلناه لهم، وإن هذه الثمار لم تصنعها أيديهم، وإنما الذى أوجدها وصنعها هو الله - تعالى - بقدرته ومشيئته.
وما دام الأمر كذلك، فهلا شكرونا على نعمنا، وأخلصوا العبادة لنا.
قال ابن كثير: وقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أى: وماذاك كله إلا من رحمتنا بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس وقتادة. ولهذا قال: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}أى: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى.
ويصح أن تكون "ما" هنا موصولة فيكون المعنى: ليأكلوا من ثمره ومن الذى عملته أيديهم من هذه الثمار كالعصير الناتج منها، وكغرسهم لتلك الأشجار وتعهدها بالسقى وغيره، إلى أن آتت أكلها.
قال الشوكانى: وقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} معطوف على ثمره، أى: ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن "ما" موصولة، وقيل: هى نافية، والمعنى: لم يعملوه بأيديهم، بل العامل له هو الله..
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}.
ولفظ {سبحان} اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، والتقدير: سبحت الله سبحانا: أى: تسبيحا. بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء، وعظمته تعظيما.
و "من" فى الآية الكريمة للبيان.
أى: ننزه الله - تعالى - تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا نهاية له، فهو - عز وجل - {ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أى: الأنواع، والأصناف كلها ذكورا وإناثا.
{مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} أى خلق الأصناف كلها التى تنبت فى الأرض من حبوب وغيرها.
{وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} أى: وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر.
{وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أى: وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم لهم بها، وإنما مرد علمها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه -
{ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته - تعالى - وبديع خلقه، حيث خلق الأصناف كلها، نرى بعضها نابتا فى الأرض، ونرى بعضها متمثلا فى الإِنسان المكون من ذكر وأنثى، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله - تعالى -.
وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى الأرض التى نعيش عليها، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى تقلب الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، فقال - تعالى -: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}.
وقوله {نسلخ} من السلخ بمعنى الكشط والإِزالة، يقال: سلخ فلان جلد الشاة، إذا أزاله عنها.
والمراد هنا: إزلة ضوء النهار عن الليل، ليبقى لليل ظلمته.
قال صاحب الكشاف: سَلخ جلد الشاة، إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه: سَلْخُ الحيةِ لِخرْشَائها - أى: لجلدها - فاستعير ذلك لإِزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل، وملقى ظله.
أى: ومن البراهين والعلامات الواضحة، الدالة على وحدانية الله، وقدرته على إحياء الموتى، وجود الليل والنهار بهذه الطريقة التى نشاهدها، حيث ينزع - سبحانه - عن الليل النهار، فيبقى لليل ظلامه، ويصير الناس فى ليل مظلم، بعد أن كانوا فى نهار مضئ.
فمعنى: {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}: فإذا هم داخلون فى الظلام، بعد أن كانوا بعيدين عنه. يقال: أظلم القوم. إذا دخلوا فى الظلام. وأصبحوا، إذا دخلوا فى وقت الصباح.
وقوله - تعالى - : {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} بيان لدليل آخر على قدرته - تعالى - وهو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ...}
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} أى لحد معين تنتهى إليه.. شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره، والمستقر عليه اسم مكان، واللام بمعنى إلى..
ويصح أن يكون اسم زمان، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه، وعلى هذا فمستقرها: انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا..
والمعنى: وآية أخرى لهم على قدرتنا، وهى أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه وإلى زمن محدد لا تتجاوزه, وهذا المكان وذلك الزمان، كلاهما لا يعلمه إلا الله - تعالى -.
قال بعض العلماء: قوله - تعالى -: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} أى: والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة فى موضعها الذى تدور فيه حول نفسها. ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة فى مكانها، وإنما هى تجرى فعلا.. تجرى فى اتجاه واحد، فى هذا الفضاء الكونى الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثنى عشر ميلا فى الثانية.
والله ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول: إنها تجرى لمستقر لها، هذا المستقر الذى ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ولا يعلم موعده سواه.
وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى فى الفضاء لا يسندها شئ، حين نتصور ذلك، ندرك طرفا من صفة القدرة التى تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم.
وقد ساق القرطبى عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فقال: وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى - : {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} قال مستقرها تحت العرش.
ولفظ البخارى عن أبى ذر قال:
"قال النبي صلى الله عليه وسلم لي حين غربت الشمس. تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها. فقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها. فذلك قوله - تعالى : {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا}" .
واسم الإِشارة فى قوله {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} يعود إلى الجرى المفهوم من "تجرى".
أى: ذلك الجريان البديع العجيب المقدر الشمس، تقدير الله - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب، العليم بكل شئ فى هذا الكون علما لا يخفى معه قليل أو كثير من أحوال هذا الكون.
ثم ذكر - سبحانه - آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ..}
ولفظ القمر قراه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده.
والمنازل جمع منزل. والمراد بها أماكن سيره فى كل ليلة، وهى ثمان وعشرون منزلا، تبدأ من أول ليلة فى الشهر، إلى الليلة الثامنة والعشرين منه. ثم يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تاما. ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ليلة.
أى: وقدرنا سير القمر فى منازل، بأن ينزل فى كل ليلة فى منزل لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، إذ كل شئ عندنا بمقدار..
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "والقمر" بالرفع على الابتداء، وخبره جملة "قدرناه".
قال الآلوسى ما ملخصه. قوله: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ} - بالنصب - أى: وصيرنا سيره، أى: محله الذى يسير فيه "منازل" فقدَّر بمعنى صيرَّ الناصب لمفعولين. والكلام على حذف مضاف، والمضاف المحذوف مفعوله الأول {مَنَازِلَ} مفعوله الثانى.
وقرأ الحرميان وأبو عمرو: {وَٱلْقَمَرَ} بالرفع، على الابتداء، وجملة {قَدَّرْنَاهُ} خبره.
والمنازل: جمع منزل، والمراد به المسافة التى يقطعها القمر فى يوم وليلة.
وقوله - سبحانه -: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تصوير بديع لحالة القمر وهو فى آخر منازله.
والعرجون: هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها، وهو الذى يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية. وسمى عرجونا من الانعراج، وهو الانعطاف والتقوس، شبه به القمر فى دقته وتقوسه واصفراره.
أى: وصيرنا سير القمر فى منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها، فإذا صار فى آخر منازله، أصبح فى دقته وتقوسه كالعرجون القديم، أى: العتيق اليابس.
قال بعض العلماء: والذى يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة. يدرك ظل التعبير القرآنى العجيب {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} وبخاصة ظل ذلك اللفظ {ٱلْقَدِيمِ}. فالمقر فى لياليه الأولى هلال. وفى لياليه الأخيرة هلال. ولكنه فى لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة. وفى لياليه الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكون فيه شحوب وذبول. ذبول العرجون القديم، فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب.
وقوله - تعالى -: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} بيان لدقة نظامه - سبحانه - فى كونه، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب فى أسمى درجات الدقة، وحسن التنظيم.
أى: لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر فى مسيره فتجتمع معه بالليل.
وكذلك لا يصح ولا يتأتى لليل أن يسبق النهار، بأنه يزاحمه فى محله أو وقته، وإنما كل واحد من الشمس والقمر، والليل والنهار، يسير، فى هذا الكون بنظام بديع قدره الله - تعالى - له، بحيث لا يسبق غيره، أو يزاحمه فى سيره.
قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه، ولا يَقَصُر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا..
وقال عكرمة: يعنى أن لكل منها سلطانا فلا ينبغى للشمس أن تطلع بالليل.
وقوله: {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} يقول: لا ينبغى إذا كان الليل أن يكون ليل آخر، حتى يكون النهار..
وقوله - تعالى -: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} التنوين فى "كل" عوض عن المضاف إليه..
قال الآلوسى: والفلك: مجرى الكواكب، سمى بذلك لاستدارته، كفلكة المغزل، وهى الخشبة المستديرة فى وسطه، وفلكه الخيمة، وهى الخشبة المستديرة التى توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة.
أى: وكل من الشمس والقمر، والليل والنهار، فى أجزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة، لأن قدرة الله - تعالى - تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا آخر من النعم التى امتن بها على عباده فقال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}.
وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال منها: أن الضمير فى "لهم" يعود إلى أهل مكة، والمراد بذريتهم: أولادهم صغارا وكبارا، والمراد بالفلك المشحون: جنس السفن.
فيكون المعنى: ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - أولادهم صغارا وكبارا فى السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن يصيبهم أذى، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من مكان إلى آخر.
ويرى بعضهم أن الضمير فى "لهم" يعود إلى الناس عامة، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون، والمراد بالفلك المشحون: سفينة نوح - عليه السلام - التى أنجاه الله - تعالى - فيها بمن معه من المؤمنين، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم.
فيكون المعنى: وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة التى أمرناه بصنعها، والتى كانت مليئة ومشحونة، بما ينتفعون به فى حياتهم.
قال الجمل: وإطلاق الذرية على الأصول صحيح، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدين، الأصول والفروع؛ لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق. والفروع مخلوقون من الأصول، والأصول خلقت منها الفروع. فاسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد.
وهذا الرأى الثانى قد اختاره الإِمام ابن كثير ولم يذكر سواه، فقد قالرحمه الله : يقول - تعالى -: ودلالة لهم - أيضا - على قدرته - تعالى - تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك - بل أوله - سفينة نوح التى أنجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين، ولهذا قال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} أى: آباءهم.
{فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أى: فى السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات، التى أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين.
وقوله - تعالى -: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} بيان لنعمة أخرى من نعمه - تعالى - على عباده.
والضمير فى قوله - تعالى -: {مِّن مِّثْلِهِ} يعود على السفن المشبهة لسفينة نوح - عليه السلام - .
قال القرطبى: ما ملخصه قوله - تعالى -: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} والأصل ما يركبونه... والضمير فى {مِّن مِّثْلِهِ} للإِبل. خلقها لهم للركوب فى البر، مثل السفن المركوبة فى البحر، والعرب تشبه الإِبل بالسفن. وقيل إنه للإِبل والدواب وكل ما يركب.
والأصح أنه للسفن. أى: خلقنا لهم سفنا أمثالها، أى: أمثال سفينة نوح يركبون فيها.
قال الضحاك وغيره: هى السفن المتخذة بعد سفينة نوح - عليه السلام -.
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ. إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ}.
الصريخ: المغيث: أى: فلا مغيث لهم. أو فلا إغاثة لهم، على أنه مصدر كالصراخ، لأن المستغيث الخائف ينادى به من ينقذه، فيصرخ المغيث له قائلا: جاءك الغوث والعون.
والاستثناء هنا مفرغ من أعم العلل.
أى: وإن نشأ أن نغرق المحمولين فى السفن أغرقناهم، دون أن يجدوا من يغيثهم منا، أو من ينقذهم من الغرق، سوى رحمتنا بهم، وفضلنا عليهم، وتمتيعنا إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضى عنده حياتهم.
فالآيتان الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير؛ وذلك لأن السفن التى تجرى فى البحر - مهما عظمت - تصير عندما تشتد أمواجه فى حالة شديدة من الاضطراب، ويغشى الراكبين فيها من الهول والفزع ما يغشاهم، وفى تلك الظروف العصيبة لا نجاة لهم مما هم فيه إلا عن طريق رعاية الله - تعالى - ورحمته بهم.
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من رد المشركين السيئ على من يدعوهم إلى الخير، ومن جهالاتهم حيث تعجلوا العذاب الذى لا محيص لهم عنه، ومن أحوالهم عند قيام الساعة، فقال - تعالى -:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ...}.