خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٣٩
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
١٤٠
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ
١٤١
فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
١٤٢
فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ
١٤٣
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٤
فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
١٤٥
وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ
١٤٦
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
١٤٧
فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
١٤٨
-الصافات

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ويونس - عليه السلام - : هو ابن متى، وقد ثبت فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" .
وملخص قصته أن الله - تعالى - أرسله إلى أهل نينوى بالعراق، وفى حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله - فاستعصوا عليه، فضاق بهم ذرعا، وأخبرهم أن العذاب سيأتيهم خلال ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث خرج يونس من بلدة قومه، قبل أن يأذن الله له بالخروج، فلما افتقده قومه، آمنوا وتابوا، وتضرعوا بالدعاء إلى الله قبل أن ينزل بهم العذاب.
فلما لم ير يونس نزول العذاب، استحى أن يرجع إليهم وقال: لا أرجع إليهم كذابا أبدا، ومضى على وجهه فأتى سفينة فركبها فلما وصلت اللجة وقفت ولم تتحرك.
فقال صاحبها: ما يمنعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشئوما، فاقترعوا ليلقوا فى البحر من وقعت عليه القرعة، فكانت على يونس ثم أعادوها فوقعت عليه، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فى البحر، فالتقمه الحوت.
والمعنى: وإن يونس - عليه السلام - لمن المرسلين الذين اصطفيناهم لحمل رسالتنا وتبليغها إلى الناس.
{إِذْ أَبَقَ} أى: هرب من قومه بغير إذن من ربه - يقال: أبق العبد - كضرب ومنع - إذا هرب من سيده فهو آبق.
{إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أى: هرب من قومه إلى الفلك الملئ بالناس والأمتعة {فَسَاهَمَ} أى: فقارع من فى السفينة بالسهام، يقال: استهم القوم إذا اقترعوا {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}.
أى: من المغلوبين حيث وقعت عليه القرعة دون سواء. يقال: دحضت حجة فلان، إذا بطلت وخسرت.
{فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} أى بعد أن وقعت القرعة عليه، ألقى بنفسه فى البحر، {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ} أى: ابتلعه بسرعة: يقال: لَقِم فلان الطعام - كسمع - والتقمه، إذا ابتلعه بسرعة، وتَلَّقمه إذا ابتلعه على مهل.
وجملة {وَهُوَ مُلِيمٌ} حالية فى محل نصب، أى: فالتقمه الحوت وهو مكتسب من الأفعال ما يلام عليه، حيث غادر قومه بدون إذن من ربه.
يقال: رجل مليم، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال ما يلام عليه، وهو اسم فاعل من ألاَم الرجل، إذا أتى ما يلام عليه.
{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أى: فلولا أن يونس - عليه السلام - كان من المسبحين لله - تعالى - المداومين على ذكره. لولا هذا التسبيح للبث يونس ف بطن الحوت إلى يوم القيامة.
فهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الإكثار من ذكر الله - تعالى - وتسبيحه.. بسبب فى تفريج الكروب، وإزالة الهموم، بإذن الله ورحمته. وفى الحديث الشريف:
"تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" .
. ورحم الله الإِمام القرطبى فقد قال: "أخبر الله - عز وجل - أن يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته، ولذا قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثَر.
وفى الحديث الشريف:
"منْ استطاع منكم أنْ تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل" . فليجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويسترها عن خلق الله، لكى يصل إليه نفعها وهو أحوج ما يكون إليه.
فنبذناه بالعراء وهو سقيم، والنبذ: الطرح، والعراء، الخلاء.
أى: أن يونس - عليه السلام - بعد أن التقمه الحوت أخذ فى الإِكثار من تسبيحنا ومن دعائنا، فاستجبنا له دعاءه، وأمرنا الحوت بطرحه فى الفضاء الواسع من الأرض.
وجملة {وَهُوَ سَقِيمٌ} حالية. أى: ألقيناه بالأرض الفضاء حالة كونه عليلا سقيما، لشدة ما لحقه من تعب وهو فى بطن الحوت.
{وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} أى: ومن مظاهر رحمتنا به، أننا جعلنا فوقه شجرة من يقطين لكى تظلل عليه وتمنع عنه الحر.
واليقطين: يطلق على كل شجر لا يقوم على ساق، كالبطيخ والقثاء والقرع وهو مأخوذ من قطن بالمكان إذا أقام به.
وقد قالوا إن المراد بهذه الشجرة، هى شجرة القرع، وقيل غير ذلك.
{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} أى: وبعد أن تداركته رحمتنا، وأخرجناه من بطن الحوت، ورعيناه برعايتنا، أرسلناه إلى مائة ألف من الناس أو يزيدون على ذلك فى نظر الناظر إليهم، فآمنوا جميعا {فَمَتَّعْنَاهُمْ} بالحياة {إِلَىٰ حِينٍ} انتهاء آجالهم.
قال الإِمام ابن كثير: ولا مانع من أن يكون الذين أرسل إليهم أولا، أمر بالعودة إليهم بعد خروجه من بطن الحوت، فصدقوه كلهم، وآمنوا به، وحكى البغوى أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من بطن الحوت، فصدقوه كلهم، وآمنوا به، وحكى البغوى أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف ما أو يزيدون.
هذا ومن العبر التى نأخذها من هذه القصة، أن رحمة الله - تعالى - قريب من المحسنين، وأن العبد إذا تاب توبة صادقة نصوحا، وفى الوقت الذى تقبل فيه التوبة، قبل الله - تعالى - توبته، وفرج عنه كربه، وأن التسبيح يكون سببا فى رفع البلاء.
وبعد هذه الجولة مع قصص بعض الأنبياء، أمر الله - تعالى - رسولة صلى الله عليه وسلم أن يسأل هؤلاء المشركين، سؤال توبيخ وتأنيب، عما قالوه فى شأن الملائكة من باطل وزور، وأن يرد على أكاذيبهم ردا يخرص ألسنتهم فقال - تعالى - :
{فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ...}.