خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
١٧
إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ
١٨
وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ
١٩
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ
٢٠
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ
٢١
إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ
٢٢
إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ
٢٣
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ
٢٤
فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ
٢٥
يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ
٢٦

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والخطاب فى قوله - تعالى -: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ...} للنبى صلى الله عليه وسلم.
أى: اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما قاله أعداؤك فيك وفى دعوتك لقد قالوا عنك إنك ساحر ومجنون وكاهن وشاعر.. وقالوا عن القرآن الكريم: إنه أساطير الأولين.. وقالوا فى شأن دعوتك إياهم إلى وحدانية الله - تعالى -
{ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } وقالوا غير ذلك مما يدل على جهلهم وجحودهم للحق، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تصبر على ما صدر منهم من أباطيل، فإن الصبر مفتاح الفرج، وهو الطريق الذى سلكه كل نبى من قبلك.
وقال - سبحانه -: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} بصيغة المضارع، لاستحضار الصورة الماضية. وللإِشعار بأن ما قالوه فى الماضى سيجددونه فى الحاضر وفى المستقبل فعليه أن يعد نفسه لاستقبال هذه الأقوال الباطلة بصبر وسعة صدر حتى يحكم الله - تعالى - بحكمه العادل، بينه وبينهم.
وقوله - تعالى -: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} معطوف على جملة "واصبر"..
وداود - عليه السلام -: هو ابن يسى من سبط "يهوذا" بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وكانت ولادة داود فى حوالى القرن الحادى عشر قبل الميلاد. وقد منحه الله - تعالى - النبوة والملك.
وقوله - تعالى - {ذَا ٱلأَيْدِ} صفة لداود، والأَيْد: القوة. يقال: آدَ الرجل يئيد أَيْداً وإيادا، إذا قوى واشتد عوده، فهو أَيِّد. ومنه قولهم فى الدعاء: أيدك الله. أى: قواك و {أَوَّابٌ} صيغة مبالغة من آب إذا رجع.
أى: اصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك حتى يحكم الله بينك وبينهم واذكر - لتزداد ثباتا وثقة - قصة وحال عبدنا داود، صاحب القوة الشديدة فى عبادتنا وطاعتنا وفى دحر أعدائنا.. {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أى: كثير الرجوع إلى ما يرضينا.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله ونعمه على عبده داود - عليه السلام - فقال: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ...}
والعشى: الوقت الذى يكون من الزوال إلى الغروب أو إلى الصباح. والإِشراق: وقت إشراق الشمس، أى: سطوعها وصفاء ضوئها، قالوا: وهو وقت الضحى..
فالإِشراق غير الشروق، لأن الشروق هو وقت طلوع الشمس. وهو يسبق الإِشراق أى: إن من مظاهر فضلنا على عبدنا داود، أننا سخرنا وذللنا الجبال معه، بأن جعلناها بقدرتنا تقتدى به فتسبح بتسبيحه فى أوقات العشى والإِشراق.
وقال - سبحانه - {مَعَهُ} للإشعار بأن تسبيحها كان سبيل الاقتداء به فى ذلك.
أى: أنها إذا سمعته يسبح الله - تعالى - ويقدسه وينزهه، رددت معه ما يقوله.
وهذا التسبيح من الجبال لله - تعالى - إنما هو على سبيل الحقيقة ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - عز وجل - بدليل قوله - سبحانه -:
{ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِنْ مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } والقول بأن تسبيح الجبال كان بلسان الحال ضعيف لأمور منها: المخالفة لظاهر ما تدل عليه الآية من أن هناك تسبيحا حقيقيا بلسان المقال، ومنها: أن تقييد التسبيح بكونه بالعشى والإِشراق. وبكونه مع داود، يدل على أنه تسبيح بلسان المقال، إذ التسبيح بلسان الحال موجود منها فى كل وقت، ولا يختص بكونه فى هذين الوقتين أو مع داود.
وخص - سبحانه - وقتى العشى والإِشراق بالذكر. للإِشارة إلى مزيد شرفهما، وسمو درجة العبادة فيهما.
وقوله - تعالى - {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً...} معطوف على الجبال وكلمة محشورة: بمعنى مجموعة. وهى حال من الطير. والعامل قوله {سخرنا}.
أى: إنا سخرنا الجبال لتسبح مع داود عند تسبيحه لنا، كما سخرنا الطير وجمعناها لتردد معه التسبيح والتقديس لنا.
والتعبير بقوله {مَحْشُورَةً} يشير إلى أن الطير قد حبست وجمعت لغرض التسبيح معه، حتى لكأنها تحلق فوقه ولا تكاد تفارقه من شدة حرصها على تسبيح الله - تعالى - وتقديسه.
وجملة {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} مقررة لمضمون ما قبلها من تسبيح الجبال والطير.
واللام فى "له" للتعليل، والضمير يعود إلى داود - عليه السلام -.
أى: كل من الجبال والطير. من أجل تسبيح داود، كان كثير الرجوع إلى التسبيح. ويصح أن يكون الضمير يعود إلى الله - تعالى - فيكون المعنى: كل من داود والجبال والطير، كان كثير التسبيح والتقديس والرجوع إلى الله - تعالى - بما يرضيه.
وقوله - تعالى -: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أى: قوينا ملك داود، عن طريق كثرة الجند التابعين له، وعن طريق ما منحناه من هيبة ونصرة وقوة..
{وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} أى: النبوة، وسعة العلم، وصالح العمل، وحسن المنطق.
{وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} أى: وآتيناه أيضا الكلام البليغ الفاصل بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، ووفقناه للحكم بين الناس بطريقة مصحوبة بالعدل، وبالحزم الذى لا يشوبه تردد أو تراجع.
ثم ساق - سبحانه - ما يشهد لعبده داود بذلك فقال: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ}.
والاستفهام للتعجيب والتشويق لما يقال بعده، لكونه أمرا غريبا تتطلع إلى معرفته النفس.
والنبأ: الخبر الذى له أهمية فى النفوس..
والخصم: أى المتخاصمين أو الخصماء. وهو فى الأصل مصدر خصمه أى: غلبه فى المخاصمة والمجادلة والمنازعة، ولكونه فى الأصل صح إطلاقه على المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث.. قالوا: وهو مأخوذ من تعلق كل واحد من المتنازعين بخُصُم الآخر.
أى: بجانبه..
والظرف فى قوله: {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} متعلق بمحذوف. والتسور: اعتلاء السور، والصعود فوقه، إذ صيغة التفعل تفيد العلو والتصعد. كما يقال تسنم فلان الجمل، إذ علا فوق سنامه.
والمحراب: المكان الذى كان يجلس فيه داود - عليه السلام - للتعبد وذكر الله - تعالى -.
والمعنى: وهل وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - ذلك النبأ العجيب، ألا وهو نبأ أولئك الخصوم، الذين تسلقوا على داود غرفته، وقت أن كان جالسا فيها لعبادة ربه، دون إذن منه، ودون علم منه بقدومهم..
إن كان هذا النبأ العجيب لم يصل إلى علمك، فها نحن نقصه عليك.
وقوله: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ...} بدل مما قبله. والفزع: انقباض فى النفس يحدث للإِنسان عند توقع مكروه.
أى: أن هؤلاء الخصوم بعد أن تسوروا المحراب، دخلوا على داود، فخاف منهم، لأنهم أتوه من غير الطريق المعتاد للإِتيان وهو الباب، ولأنهم أتوه فى غير الوقت الذى حدده للقاء الناس وللحكم بينهم، وإنما أتوه فى وقت عبادته.
ومن شأن النفس البشرية أن تفزع عندما تفاجأ بحالة كهذه الحالة.
قال القرطبى: فإن قيل: لم فزع داود وهو نبى، وقد قويت نفسه بالنبوة واطمأنت بالوحى، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة فى غاية المكانة؟
قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والأذية، ومنهما كان يخاف.
ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا:
{ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ } - أى: فرعون -، فقال الله لهما: { لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عندما شاهدوا عليه أمارات الوجل والفزع، فقال: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ}..
والبغى: الجور والظلم.. وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد.
والشطط: مجاوزة الحد فى كل شئ. يقال: شط فلان على فلان فى الحكم واشتط.. إذا ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل.
وقوله: {خَصْمَانِ} خبر لمبتدأ محذوف أى: نحن خصمان. والجملة استئناف معلل للنهى فى قولهم: "لا تخف" أى: قالوا لداود: لا تخف، نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحكم الحق، ولا تتجاوزه إلى غيره، {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} أى: وأرشدنا إلى الطريق الوسط، وهو طريق الحق والعدل.
وإضافة سواء الصراط، من إضافة الصفة إلى الموصوف.
ثم أخذا فى شرح قضيتهما فقال أحدهما: "إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة، فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب".
والمراد بالأخوة هنا: الأخوة فى الدين أو فى النسب، أو فيهما وفى غيرهما كالصحبة والشركة.
والنعجة: الأنثى من الضأن. وتطلق على أنثى البقر.
وقوله: {أَكْفِلْنِيهَا} أى: ملكنى إياها، وتنازل لى عنها، بحيث تكون تحت كفالتى وملكيتى كبقية النعاج التى عندى، ليتم عددها مائة.
وقوله: {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} أى: غلبنى فى المحاجة والمخاطبة لأنه أفصح وأقوى منى.. يقال: فلان عز فلانا فى الخطاب، إذا غلبه. ومنه قولهم فى المثل: من عزَّ بزَّ. أى: من غلب غيره سلبه حقه. أى: قال أحدهما لداود - عليه السلام - : إن هذا الذى يجلس معى للتحاكم أمامك أخى. وهذا الأخ له تسع وتسعون نعجة، أما أنا فليس لى سوى نعجة واحدة، فطمع فى نعجتى وقال لى: {أَكْفِلْنِيهَا} أى: ملكنيها وتنازل عنها {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}.
أى: وغلبنى فى مخاطبته لى، لأنه أقوى وأفصح منى.
وأمام هذه القضية الواضحة المعالم، وأمام سكوت الأخ المدعى عليه أمام أخيه المدعى، وعدم اعتراضه على قوله.. أمام كل ذلك. لم يلبث أن قال داود فى حكمه: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ..}
واللام فى قوله: {لَقَدْ...} جواب لقسم محذوف.
وإضافة "سؤال" إلى {نَعْجَتِكَ} من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف.
أى: بسؤاله، كما فى قوله - تعالى -:
{ لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ } أى: من دعائه.
وقوله {نعاجه} متعلق بسؤال على تضمينه معنى الضم.
أى: قال داود - عليه السلام - بعد فراغ المدعى من كلامه، وبعد إقرار المدعى عليه بصدق أخيه فيما ادعاه - والله إن كان ما تقوله حقا - أيها المدعى - فإن أخاك فى هذه الحالة يكون قد ظلمك بسبب طلبه منك أن تتنازل له عن نعجتك لكى يضمها إلى نعاجه الكثيرة.
وإنما قلنا إن داود - عليه السلام - قد قال ذلك بعد إقرار المدعى عليه بصحة كلام المدعى، لأنه من المعروف أن القاضى لا يحكم إلا بعد سماع حجة الخصوم أو الخصين حتى يتمكن من الحكم بالعدل.
ولم يصرح القرآن بأن داود - عليه السلام - قد قال حكمه بعد سماع كلام المدعى عليه، لأنه مقرر ومعروف فى كل الشرائع، وحذف ما هو مقرر ومعلوم جائز عند كل ذى عقل سليم.
ثم أراد داود - عليه السلام - وهو الذى آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب - أراد أن يهون المسألة عن نفس المشتكى، وأن يخفف من وقع ما قاله أخوه الغنى له، وما فعله معه، فقال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ...}.
أى: قال داود للمشتكى - على سبيل التسلية له -: وإن كثيرا من الخلطاء، أى الشركاء - جمع خليط، وهو من يخلط ماله بمال غيره.
{لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أى: ليعتدى بعضهم على بعض، ويطمع بعضهم فى مال الآخر {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فإنهم لا يفعلون ذلك لقوة إيمانهم، ولبعدهم عن كل ما لا يرضى خالقهم، فالجملة الكريمة منصوبة المحل على الاستثناء، لأن الكلام قبلها تام موجب.
وقوله: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} بيان لقلة عدد المؤمنين الصادقين الذين يعدلون فى أحكامهم.
ولفظ "قليل" خبر مقدم و "ما" مزيدة للإِبهام وللتعجب من قلتهم. و "هم" مبتدأ مؤخر.
فكأنه - سبحانه - يقول: ما أقل هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويحرصون على إعطاء كل ذى حق حقه، والجملة الكريمة اعتراض تذييلى.
وبهذا نرى أن داود - عليه السلام - قد قضى بين الخصمين، بما يحق الحق ويبطل الباطل.
ثم بين - سبحانه - ما حاك بنفس داود - عليه السلام - بعد أن دخل عليه الخصمان، وبعد أن حكم بينهما بالحكم السابق فقال: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}.
والظن معناه: ترجيح أحد الأمرين على الآخر.
وفتناه: بمعنى امتحناه واختبرناه وابتليناه، مأخوذ من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار.
أى: وظن داود - عليه السلام - أن دخول الخصمين عليه بهذه الطريقة، إنما هو لأجل الاعتداء عليه. وأن ذلك لون من ابتلاء الله - تعالى - له، وامتحانه لقوة إيمانه، ولكن لما لم يتحقق هذا الظن، وإنما الذى تحقق هو القضاء بينهما بالعدل، استغفر ربه من ذلك الظن، {وَخَرَّ رَاكِعاً} أى: ساجدا لله - تعالى - وعبر عنه بالركوع لأنه فى كل منهما انحناء وخضوع لله - عز وجل - "وأناب" أى: ورجع داود إلى الله - تعالى - بالتوبة وبالمداومة على العبادة والطاعة.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ..} يعود إلى الظن الذى استغفر منه ربه، وهو ظنه بأن حضور الخصمين إليه بهذه الطريقة غير المألوفة، القصد منها الاعتداء عليه، فلما ظهر له أنهما حضرا إليه فى خصومه بينهما ليحكم فيها، استغفر ربه من ذلك الظن السابق، فغفر الله - تعالى - له.
فقوله: - تعالى -: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} أى: فغفرنا له ذلك الظن الذى استغفر منه.. {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} أى: لقربه منا ومكانه سامية {وَحُسْنَ مَـآبٍ} أى: وحسن مرجع فى الآخرة وهو الجنة.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة، بتلك التوجيهات الحكيمة، والآداب القويمة، التى وجهها - سبحانه - إلى كل حاكم فى شخص داود - عليه السلام - فقال: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ..} والخليقة: هو من يخلف غيره وينوب منابه، فهو فعيل بمعنى فاعل. والتاء فيه للمبالغة. أى: يا داود إنا جعلناك - بفضلنا ومنتنا - خليفة ونائبا عنا فى الأرض، لتتولى سياسة الناس، ولترشدهم إلى الصراط المستقيم.
والجملة الكريمة مقولة لقول محذوف معطوفة على ما سبقتها. أى: فغفرنا له ذلك وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض. ويصح أن تكون مستأنفة لبيان مظاهر الزلفى والمكانة الحسنة التى وهبها - سبحانه - لداود؟ حيث جعله خليفة فى الأرض.
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ..} للتفريع، أو هى جواب لشرط مقدر. والهوى: ميل النفس إلى رغباتها بدون تحر للعدل والصواب.
أى: إذا كان الأمر كما أخبرناك فاحكم - يا داود - بين الناس بالحكم الحق الذى أرشدك الله - تعالى - إليه، وواظب على ذلك فى جميع الأزمان والأحوال: ولا تتبع هوى النفس وشهواتها، فإن النفس أمارة بالسوء.
وقوله - سبحانه - {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...} بيان للمصير السيئ الذى يؤدى إليه اتباع الهوى فى الأقوال والأحكام.
وقوله {فَيُضِلَّكَ} منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية، على أنه جواب للنهى السابق. أى: ولا تتبع الهوى، فإن اتباعك له، يؤدى بك إلى الضلال عن طريق الحق، وعن مخالفة شرع الله - تعالى - ودينه.
ثم بين - سبحانه - عاقبة الذين يضلون عن سبيله فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ}.
أى: إن الذين يضلون عن دين الله وعن طريقه وشريعته، بسبب اتباعهم للهوى، لهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - لأنهم تركوا الاستعداد ليوم الحساب، وما فيه من ثواب وعقاب.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
1 - سمو منزلة داود - عليه السلام - عند ربه، فقد افتتحت هذه الآيات، بأن أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتذكر ما حدث لأخيه داود. ليكون هذا التذكير تسلية له عما أصابه من المشركين وعونا له على الثبات والصبر.
ثم وصف - سبحانه - عبده داود بأنه كان قويا فى دينه، ورجاعا إلى ما يرضى ربه، وأنه - سبحانه - قد وهبه نعما عظيمة، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب.
ثم ختمت هذه الآيات - أيضا - بالثناء على داود - عليه السلام - حيث قال - سبحانه -: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}. وببيان أنه - تعالى - قد جعله خليفة فى الأرض.
ومن الأحاديث التى وردت فى فضله - عليه السلام - ما أخرجه البخاري فى تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر داود، وحدث عنه قال:
"كان أعبد البشر" .
وأخرجه الديلمى عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينبغى لأحد أن يقول إنى أعبد من داود" .
2 - أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب، قصة حقيقية، وأن الخصومة كانت بين اثنين من الناس فى شأن غنم لهما، وأنهما حين دخلا عليه بتلك الطريقة الغريبة التى حكاها القرآن الكريم، فزع منهما داود - عليه السلام - وظن أنهما يريدان الاعتداء عليه، وأن الله - تعالى - يريد امتحانه وثباته أمام أمثال هذه الأحداث.
فلما تبين لداود بعد ذلك أن الخصمين لا يريدان الاعتداء عليه، وإنما يريدان التحاكم إليه فى مسألة معينة، استغفر ربه من ذلك الظن السابق - أى ظن الاعتداء عليه فغفر الله - تعالى - له..
والذى يتدبر الآيات الكريمة يراها واضحة وضوحا جليا فى تأييد هذا المعنى.
قال أبو حيان ما ملخصه - بعد أن ذكر جملة من الآراء - : والذى أذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين للمحراب كانوا من الإِنس، دخلوا عليه من غير المدخل، وفى غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه، إذ كان منفردا فى محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا فى حكومته، وبرز منهم اثنان للتحاكم... وأن ما ظنه غير واقع، استغفر من ذلك الظن، حيث اختلف ولم يقع مظنونة، وخر ساجدا منيبا إلى الله - تعالى - فغفر الله له ذلك الظن، ولذلك أشار بقوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} ولم يتقدم سوى قوله - تعالى -: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} ويعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من الخطايا، ولا يمكن وقوعهم فى شئ منها، ضرورة أننا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع، ولم نثق بشئ مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم، فما حكى الله - تعالى - فى كتابه. يمر على ما أراده - تعالى -، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة، طرحناه.
2 - ومع أن ما ذكرناه سابقا، وما نقلناه عن الإِمام أبى حيان، هو المعنى الظاهر من الآيات، وهو الذى تطمئن إليه النفس، لأنه يتناسب مع مكانة داود - عليه السلام -، ومع ثناء الله - تعالى - عليه وتكريمه له.
أقول مع كل ذلك، إلا أننا وجدنا كثيرا من المفسرين عند حديثهم عن قصة الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب، يذكرون قصصا فى نهاية النكارة، وأقوالا فى غاية البطلان والفساد.
فمثلا نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها: "أن داود - عليه السلام - كان يصلى فى محرابه... ثم تطلع من نافذة المكان الذى كان يصلى فيه، فرأى امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته، فسألها عن زوجها فأخبرته بأن زوجها، اسمه "أوريا" وأنه خرج مع الجيش الذى يحارب الأعداء.. فأمر داود - عليه السلام - قائد الجيش أن يجعله فى المقدمة لكى يكون عرضة للقتل.. وبعد قتله تزوج داود بتلك المرأة..
ونرى صاحب الكشاف بعد أن يذكر هذه القصة، ثم يعلق عليها بقوله: "فهذا ونحوه مما يقبح أن يُحَدَّثَ به عن بعض المتسمين بالصلاح من أبناء المسلمين، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء.." نراه يذكر معها قصصا أخرى ملخصها: أن داود - عليه السلام - لم يعمل على قتل "أوريا" وإنما سأله أن يتنازل له عن امرأته، فانصاع لأمره وتنازل له عنها.. أو أنه خطبها بعد أن خطبها "أوريا" فآثر أهلها داود على "أوريا".
قال صاحب الكشاف: كان أهل زمان داود - عليه السلام - يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة فى المواساة بذلك قد اعتادوها.. فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له "أوريا" فأحبها، فسأله النزول عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها، وهى أم سليمان - عليه السلام - وقيل: خطبها "أوريا" ثم خطبها داود فآثر أهلها داود على أوريا..
والذى نراه أن هذه الأقوال وما يشبهها عارية عن الصحة، وينكرها النقل والعقل، ولا يليق بمؤمن أن يقبل شيئا منها..
ينكرها النقل: لأنها لم تثبت من طريق يعتد به، بل الثابت أنها مكذوبة.
قال ابن كثير: قد ذكر المفسرون ها هنا قصة، أكثرها مأخوذ من الإِسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبى حاتم حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشى، عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة..
وقال السيوطى: القصة التى يحكونها فى شأن المرأة وأنها أعجبته، وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل، أخرجها ابن أبى حاتم من حديث أنس مرفوعا، وفى إسناده ابن لهيعة، وحاله معروف - عن ابن صخر، عن زيد الرقاشى، وهو ضعيف..
وقال البقاعى: وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود - وقد أخبرنى بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك فى حق داود - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - من ذريته، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه.
إذا فهذه القصص وتلك الأقوال غير صحيحة من ناحية النقل، لأن رواتها معروفون بالضعف. وبالنقل عن الإِسرائيليات.
ويروى أن الإِمام عليا - رضى الله عنه - قال: "من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهو حد الفرية على الأنبياء".
وهى غير صحيحة من ناحية العقل، لأنه ليس من المعقول أن يمدح الله - تعالى - نبيه داود هذا المدح فى أول الآيات وفى آخرها كما سبق أن أشرنا، ثم نرى بعد ذلك من يتهمه بأنه أعجب بامرأة، ثم تزوجها بعد أن احتال لقتل زوجها، بغير حق. أو طلب منه التنازل له عنها، أو خطبها على خطبته.
إن هذه الأفعال يتنزه عنها كثير من الناس الذين ليسوا بأنبياء، فكيف يفعلها واحد من أعلام الأنبياء. هو داود - عليه السلام - الذى مدحه الله - تعالى - بالقوة فى دينه. وبكثرة الرجوع إلى ما يرضى الله - تعالى -، وبأنه - سبحانه - آتاه الحكمة وفصل الخطاب. وبأن له عند ربه {لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}.
والخلاصة: أن كل ما قيل عند تفسير هذه الآيات، مما يتصل بزواج داود بتلك المرأة أو بزوجها لا أساس له من الصحة. لأنه لم يقم عليه دليل أو ما يشبه الدليل. بل قام الدليل على عدم صحته إطلاقا. لأنه يتنافى مع عصمة الأنبياء. الذين صانهم الله - تعالى - من ارتكاب ما يخدش الشرف والمروءة قبل النبوة وبعدها.
قال الإِمام ابن حزم ما ملخصه: "ما حكاه الله - تعالى - عن داود قول صادق صحيح. لا يدل على شئ مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود.
وإنما كان ذلك الخصم قوما من بنى آدم بلا شك. مختصيمن فى نعاج من الغنم.
ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء. فقد كذب الله - تعالى - ما لم يقل، وزاد فى القرآن ما ليس فيه.. لأن الله - تعالى - يقول: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} فقال هو: لم يكونوا خصمين. ولا بغى بعهضم على بعض. ولا كان لأحدهما تسع وتسعون نعجة. ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له: {أَكْفِلْنِيهَا..}.
4 - هذا: وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات. منها: أن استغفار داود - عليه السلام - إنما كان سببه أنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع حجة الآخر.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الزالة التى جعلت داود يستغفر ربه - إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر، فإنه لما قال له: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ..} فحكم عليه بكونه ظالما بمجرد دعوى الخصم بغير بينة لكون هذا الخصم مخالفا للصواب، فعند هذا اشتغل داود بالاستغفار والتوبة، إلا أن هذا من باب ترك الأولى والأفضل.
والذى نراه أن هذا القول بعيد عن الصواب، ولا يتناسب مع منزلة داود - عليه السلام - الذى آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وذلك لأن من أصول القضاء وأولياته، أن لا يحكم القاضى بين الخصمين أو الخصوم إلا بعد سماع حججهم جميعا، فكيف يقال بعد ذلك أن داود قضى لأحد الخصمين قبل أن يستمع إلى كلام آخر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف سارع داود إلى تصديق أحد الخصمين، حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه؟.
قلت: ما قال داود ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه، ولكنه لم يحك فى القرآن لأنه معلوم، ويروى أنه قال: أريد أخذها منه وأكمل نعاجى مائة فقال داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا. وأشار إلى طرف الأنف والجبهة..
ومنهم من يرى، أن استغفار داود - عليه السلام - كان سببه: أن قوما من الأعداء أرادوا قتله، فتسوروا عليه المحراب، فلما دخلوا عليه لقصد قتله وجدوا عنده أقواما. فلم يستطيعوا تنفيذ ما قصدوه، وتصنعوا هذه الخصومة فعلم داود قصدهم، وعزم على الانتقام منهم، ثم عفا عنهم، واستغفر ربه مما كان قد عزم عليه، لأنه كان يرى أن الأليق به العفو لا الانتقام.
وهذا القول - وإن كان لا بأس به من حيث المعنى - إلا ان الرأى الذى سقناه سابقا، والذى ذهب إليه الإِمام أبو حيان، أرجح وأقرب إلى ما هو ظاهر من معنى الآيات.
وملخصه: أن الخصومة حقيقية بين اثنين من البشر، واستغفار داود - عليه السلام - سببه أنه ظن أنهم جاءوا لاغتياله ولإِيذائه، وأن هذا ابتلاء من الله - تعالى - ابتلاه به، ثم تبين له بعد ذلك أنهم ما جاءوا للاعتداء عليه وإنما جاءوا ليقضى بينهم فى خصومة، فاستغفر ربه من ذلك الظن. فغفر الله - تعالى - له.
ولعلنا بهذا البيان نكون قد وفقنا للصواب، فى تفسير هذه الآيات الكريمة، التى ذكر بعض المفسرين عند تفسيرها أقوالا وقصصا لا يؤيدها عقل أو نقل، ولا يليق بمسلم أن يصدقها، لأنها تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين اختارهم الله - تعالى - لتبليغ دعوته، وحمل رسالته. وإرشاد الناس إلى إخلاص العبادة له - سبحانه - وإلى مكارم الأخلاق، وحميد الخصال.
ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق السموات والأرض عبثا، وأن حكمته اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار، وأن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - لتدبير آياته، والعمل بتوجيهاته فقال - تعالى -:
{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ...}.