خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
٤١
ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
٤٢
وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
٤٣
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٤٤

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى: اعلم أن قصة أيوب هى القصة الثالثة من القصص المذكورة فى هذه السورة، واعلم أن داود وسيلمان كانا ممن أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار.
فكأن الله - تعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان فى الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل فى أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لابد له من الصبر على المكاره..
وأيوب - عليه السلام - هو ابن أموص بن برزاح، وينتهى نسبه إلى إسحاق بن إبراهيم - عليهما السلام - وكانت بعثته على الراجح بين موسى ويوسف - عليهما السلام -.
وكان صاحب أموال كثيرة، وله أولاد.. فابتلى فى ماله وولده وجسده، وصبر على كل ذلك صبرا جميلا. فكافأه الله - تعالى - على صبره، بأن أجاب دعاءه، وآتاه أهله ومثلهم معهم..
وقوله - سبحانه -: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ..} معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك:
{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ... } و "النًّصْب" - بضم فسكون - وقرأ حفص ونافع - بضم النون والصاد: - التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر، إذا شق عليه وأتعبه. والعذاب: الآلام الشديدة التى يحس بها الإِنسان فى بدنه. أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - حال أخيك أيوب - عليه السلام - حين دعا ربه - تعالى - فقال: يا رب أنت تعلم أنى مسنى الشيطان بالهموم الشديدة، وبالآلام المبرحة التى حلت بجسدى فجعلتنى فى نهاية التعب والمرض.
وجمع - سبحانه - فى بيان ما أصابه بين لفظى النصب والعذاب، للإِشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التى كانت بين يديه، وهو ما يشير إليه لفظ "النصب" والألم الكثير الذى حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام، والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ "العذاب".
ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه - عز وجل - حيث أبى أن ينسب الشر إليه - سبحانه -، وإن كان الكل من خلق الله - تعالى -.
وفى هذا النداء من أيوب لربه، أسمى ألوان الأدب والإِجلال، إذا اكتفى فى تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك، ودون أن يقترح على خالقه - عز وجل - شيئا معينا، أو يطلب شيئا معينا.
قال صاحب الكشاف: ألطف أيوب - عليه السلام - فى السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة.. ولم يصرح بالمطلوب.
ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان - أى فئران - بيتى على العصا!! فقال لها: ألطفت فى السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنبياء:
{ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا فى غاية السقوط والفساد، حيث ذكروا أن أيوب - عليه السلام - مرض زمنا طويلا، وأن الديدان تناثرت من جسده، وأن لحمه قد تمزق.
وهذه كلها أقوال باطلة، لأن الله - تعالى - عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة، التى تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية..
والذى يجب اعتقاده أن الله - تعالى - قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التى لا تتنافى مع منصب النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل فى الصبر، فكانت عاقبة صبره أن رفع الله - تعالى - عنه الضر والبلاء، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه.
وقوله - سبحانه -: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه، أو مقول لقول محذوف معطوف على قوله {نَادَىٰ}.
وقوله: {ٱرْكُضْ} بمعنى الدفع والتحريك للشئ. يقال: ركض فلان الدابة برجلة إذا دفعها وحركها بها.
والمغتسل: اسم للمكان الذى يغتسل فيه، والمراد به هنا: الماء الذى يغتسل به.
وقوله: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ} مقول لقول محذوف.
والمعنى: لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه، والتمس منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض، فاستجبنا له دعاءه، وأرشدناه إلى الدواء، بأن قلنا له: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} أى: اضرب بها الأرض، فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء، فقلنا له: هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه، برئت من الأمراض، ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من كل داء.
ثم بين - سبحانه - أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال - تعالى -: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}.
والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أى: استجاب أيوب لتوجيهنا، فاغتسل وشرب من الماء، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء، وعاد أيوب معافى، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله. ووهبنا له {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أى: بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه، فصار عددهم مضاعفا.
وذلك كله {رَحْمَةً مِّنَّا} أى من أجل رحمتنا به {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أى: ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب، ويلجأوا إلى الله - تعالى - كما لجأ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} الجمهور على أنه - تعالى - أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع له من تشتت منهم، وقيل - وإليه أميل - وهبه من كان حيا منهم، وعافاه من الأسقام، وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى، ومثلهم معهم، فكان له ضعف ما كان، والظاهر أن هذه الهبة كانت فى الدنيا.
ثم بين - سبحانه - منة أخرى من المنن التى من بها على عبده أيوب فقال: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك: {اركض} أو على {وهبنا} بتقدير: وقلنا له.
والضغث فى اللغة: القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس. وقيل: هى قبضة من عيدان مختلفة يجمعها أصل واحد.
والحنث: يطلق على الإِثم وعلى الخُلْفِ فى اليمين.
والآية الكريمة تفيد أن أيوب - عليه السلام - قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حنثه فى يمينه، أى: إلى عدم وفائه فيما حلف عليه، فنهاه الله - تعالى - عن الحنث فى يمينه، وأوجد له المخرج الذى يترتب عليه البر فى يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى يؤلمه.
وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب، روايات لعل أقربها إلى الصواب، أن أيوب أرسل امرأته فى حاجة له فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برئ من مرضه ليضربنها مائة ضربه، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهى المعبر عنها بالضغث - وبها مائة عود، ثم يضرب بها مرة واحدة، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه، وبين الرحمة بزوجته التى كانت تحسن خدمته خلال مرضه، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام.
والمعنى: وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها مائة عود، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة، وبذلك تكون غير حانث فى يمينك.
هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة. أهى خاصة بأيوب، أم هى عامة للناس؟.
فقال بعضهم: إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة، أو أن يضربه ضربا غير شديد، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذى جاء فى الآية؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا.
وقال آخرون: هذه الرخصة خاصة بأيوب - عليه السلام - ولا تنسحب إلى غيره، لأن الخطاب إليه وحده. ولأن الله - تعالى - لم يبين لنا فى الآية كيفية اليمين، ولا من يقع عليه الضرب.
ثم بين - سبحانه - أنه جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ما يرضيه - تعالى - فقال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.
أى: إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما أصبناه به من بلاء، ونعم العبد هو. إنه كثير الرجوع إلينا فى كل أحواله.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب - عليه السلام - ومن النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه.
وبعد أن عرض - سبحانه - قصص داود وسليمان وأيوب بشئ من التفصيل. أتبع ذلك بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإِجمال، فقال - تعالى -:
{وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ...}.