خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٢٥
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
٢٦
وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
٢٧
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ
٢٨
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
٢٩
وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ
٣٠
وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٣١
وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ
٣٢
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
٣٣
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ
٣٤
وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ
٣٥
فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٣٦
-الشورى

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الجمل فى حاشيته: قوله - تعالى -: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. والتوبة واجبة من كل ذنب، فإن كان معصية بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط، الإِقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها.
وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمى، أضيف إلى ذلك: أن يبرأ من حق صاحبها..
والمعنى: وهو - سبحانه - وحده الذى يقبل التوبة من عباده التائبين إليه، شفقة عليهم، ورحمة بهم، بأن يكفر سيئاتهم، ولا يعاقبهم عليها.
والقبول يعدى بعن، لتضمنه معنى الإِبانة والقطع، ويعدى بمن لتضمنه معنى الآخذ كما فى قوله - تعالى -:
{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ } }. وعدى بعن هنا للإِشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده.
وقوله - تعالى - {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} تأكيد لما قبله وتقرير له أى: أنه عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين، وفضلا عن ذلك، يعفو عن سيئاتهم، ويسترها عليهم، بل ويحولها - بفضله إلى حسنات، كما قال - تعالى -
{ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } }. وقوله - سبحانه - {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} تحذير من التمادى فى تأخير التوبة، وفى اقتراف ما نهى عنه، فكأنه - تعالى - يقول: لقد فتحت لكم باب التوبة والعفو، فأقبلوا على طاعتى، واتركوا معصيتى، فإنى عليم بما تفعلونه من خير أو شر، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
و {مَا} فى قوله {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} موصولة، والعائد محذوف. أى: ويعلم الذى تفعلونه دون أن يخفى عليه - تعالى - شئ منه.
وقوله - تعالى -: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ..} معطوف على قوله: {يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}.
أى: ويستجيب سبحانه من الذين آمنوا دعاءهم، ويزيدهم من فضله وإحسانه، بأن يعطيهم من النعم والخيرات أكثر مما سألوا.
قال الآلوسى ما ملخصه: والموصول مفعول بدون تقدير شئ، بناء على أن {يَسْتَجِيبُ} يتعدى بنفسه، كما يتعدى باللام، نحو شكرته وشكرت له، أو بتقدير اللام على أنه من باب الحذف والإِيصال، والأصل: ويستجيب للذين آمنوا..
{وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أى: هذا هو حال المؤمنين يجيب لهم - سبحانه - دعاءهم، ويزيدهم من فضله وإحسانه... أما الكافرون الذين ستروا نعمه، وجحدوا فضله، فلهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا هو- سبحانه -.
ثم بين - سبحانه - جانبا مما اقتضته حكمته فى تدبير أمور عباده فقال: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ}.
والبغى: تجاوز الحد فى كل شئ يقال: بغى الجرح، إذا أظهر ما بداخله من دم أو غيره.
وبغى القوم، إذا تجاوزوا حدودهم فى العدوان على غيرهم.
أى: ولو بسط الله - تعالى - الرزق لعباده، بأن وسعه عليهم جميعا توسعة فوق حاجتهم، {لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} أى: لتجاوزوا حدودهم، ولتكبروا فيها، ولطغوا وعتوا وتركوا الشكر لنا، وقالوا ما قاله قارون:
{ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } }. وقوله: {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} بيان لما اقتضته حكمته - تعالى - أى: أن حكمته - تعالى - قد اقتضت عدم التوسعة فى الرزق لجميع عباده، لأن هذه التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبطر، لذا أنزل الله - تعالى - لهم الرزق بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته، كما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } }. وقوله - تعالى -: {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} تعليل لتنزيله الرزق على عباده بتقدير وتحديد دقيق.
أى: فعل ما فعل - سبحانه - من إنزال الرزق على عباده بقدر، لأنه - تعالى - خبير بخفايا أحوال عباده، وبطوايا نفوسهم، بصير بما يقولونه وبما يفعلونه.
قال صاحب الكشاف: أى أنه - تعالى - يعلم ما يؤول إليه حالهم، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم، وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغنى، ويمنع ويعطى، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو أفقرهم لهكلوا.
ولا شبهة فى أن البغى مع الفقر أقل، ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإِقدام على البغى والإِحجام عنه، فلو عم البسط، لغلب البغى حتى ينقلب الأمر اإلى عكس ما هو عليه الآن.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده، وكلها تدل على وحدانيته وكمال قدرته فقال - تعالى -: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ}.
أى: وهو - سبحانه - الذى ينزل المطر على عباده، من بعد أن انتظروه فترة طويلة حتى ظهرت على ملامحهم علامات اليأس، وبدأت على وجوههم أمارات القنوط.
وقوله - تعالى -: {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} معطوف على {يُنَزِّلُ}. أى: ينزل الأمطار بعد يأس الناس من نزولها، وينشر رحمته عليهم عن طريق ما ينتج عن هذه الأمطار من خيرات وبركات وأرزاق.
{وَهُوَ} - سبحانه - {ٱلْوَلِيُّ} أى: الذى يتولى عباده برحمته وإحسانه {ٱلْحَمِيدُ} أى: المحمود على فعله، حيث أنزل على عباده الغيث بعد أن ينسوا منه، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تصور جانبا من فضل الله على عباده بطريقة محسوسة، فالتعبير بالغيب يشعر بالغوث والنجدة بعد أن فقد الناس الأمل فى ذلك، والتعبير بالقنوط يشعر بأن آثار الضيق قد ظهرت على وجوههم، والتعبير بقوله - تعالى - {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}، يشعر بانتشار الرجاء والفرح والانشراح على الوجوه بعد أن حل بها القنوط.
والتعبير بقوله - تعالى -: {وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ} يشعر بقرب الله - تعالى - من عباده، وبوجوب شكره على ما أعطى بعد المنع، وعلى ما فرج بعد الضيق.
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان كمال قدرته فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ}.
والمراد بالآيات هنا: الدلائل والعلامات الواضحة الدالة على كمال قدرته - عز وجل -.
وقوله: {وَمَا بَثَّ} معطوف على {خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.
أى: ومن العلامات الناصعة الدالة على كمال قدرته - تعالى - خلقه للسماوات وللأرض بتلك الصورة الباهرة التى نشاهدها بأعيننا، وخلقه - أيضا - لما بث فيهما من دابة، ولما نشر وفرق فيهما من دواب لا يعلم عددها إلا الله - تعالى -.
والدابة: اسم لكل ما يدب على وجه الأرض أو غيرها. وظاهر الآية الكريمة يفيد وجود دواب فى السماوات.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: {فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} والدواب فى الأرض وحدها؟.
قلت: يجوز أن ينسب الشئ إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد، أو شجاع بطل، وإنما هو فخذ من أفخاذهم.
ويجوز أن يكون للملائكة - عليهم السلام - مشى مع الطيران، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسى، ولا يبعد أن يخلق - سبحانه - فى السماوات حيوانا يمشى فيها مشى الأناسى على الأرض، سبحان الذى خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق.
وقوله - تعالى -: {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} بيان لكمال قدرته - عز وجل -.
أى: وهو - سبحانه - قادر قدرة تامة على جمع الخلائق يوم القيامة للحساب والجزاء.
كما قال - تعالى - فى آية أخرى:
{ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } }. ثم بين - سبحانه - أن ما يصب الناس من بلاء إنما هو بسبب أعمالهم فقال: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}.
أى: وما أصابكم - أيها الناس - من بلاء، كمرض وخوف وفقر فإنما هو بسبب ما اكتسبتموه من ذنوب، وما اقترفتموه من خطايا، ويعفو - سبحانه - عن كثير من السيئات التى ارتكبتموها، فلا يحاسبكم عليها رحمة منه بكم.
قال - تعالى -
{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ } }. وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث والآثار منها ما رواه ابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال: ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب الله، وحدثنا بها رسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
{وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وسأفسرها لك يا على: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله - تعالى - أحلم من أن يثنى عليه العقوبة فى الآخرة، وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه.
ثم حذر - سبحانه - الناس من عقابه فقال: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
أى: وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على الهرب منا فى أى مكان من الأرض أو فى غيرها، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أى مكان كنتم فيه، وليس لكم غير الله - تعالى - من ولى يتولى أموركم، أو نصير يدفع عنكم عذابه.
قال - تعالى -
{ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } }. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من دلائل قدرته عن طريق ما يشاهده الناس فى البحر، فقال - تعالى -: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}.
والجوار: جمع جارية والمراد بها السفينة لأنها تجرى فى البحر، وهى صفة لموصوف محذوف.
والأعلام: جمع علم وهو الجبل الكبير، وأصله الأثر الذى يعلم به الشئ كعلم الطريق، وعلم الجيش، وسمى علما لأن الناس يسترشدون به فى سيرهم.
أى: ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته، هذه السفن الجارية فى البحر، حتى لكأنها من ضخامتها وعظمها الجبال الشاهقة.
{إِن يَشَأْ} - سبحانه - {يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ } التى بسببها تجرى السفن فى البحار {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} أى: فيصرن ثوابت على ظهر البحر لا يجرين. يقال: ركد الماء ركودا - من باب قعد - إذا سكن، فهو راكد. وكل شىء ثابت فى مكانه فهو راكد.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذى ذكرناه لكم من السفن المسخرة فى البحر بأمره - تعالى {لآيَاتٍ} عظيمات {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أى: لكل إنسان قد تحلى بصفتى الصبر والشكر لله - تعالى -، حتى صارتا هاتان الصفتان سجية من سجاياه.. {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} أى أو يهلكهن ويغرقهن بسبب ما اكتسبه الراكبون فى هذه السفن من ذنوب وخطايا.
يقال: أوبق فلان فلانا إذا حبسه أو أهلكه. ووبق فلان - كوعد ووجل، وبوقا إذا هلك.
وهو معطوف على قوله "يسكن" وكذلك قوله "ويعفو".
أى: إن يشأ - سبحانه - يسكن الريح فتظل السفن ساكنة على ظهر البحر، أو إن يشأ يرسل الريح عاصفة بتلك السفن بمن فيها، أو إن يشأ ينج ناسا بالعفو عنهم.
قال صاحب الكشاف: "يوبقهن" يهلكهن. والمعنى: أنه إن يشأ يبتلى المسافرون فى البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فيركد الجوارى على ظهر البحر، ويمنعهن من الجرى، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكن إغراقا بسبب ما كسبوا من الذنوب {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} منها.
فإن قلت: علام عطف "يوبقهن" قلت: على "يسكن" لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها.
فإن قلت: فما معنى إدخال فى حكم الإِيباق حيث جزم جزمه؟ قلت: معناه: أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم.
فإن قلت: فمن قرأ "ويعفو"؟ قلت: قد استأنف الكلام.
ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شئ فقال: {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب. يقال: خاص فلان عن الشئ، إذا حاول الفرار منه.
وقراءة الجمهور بنصب "يعلم" على أنه منصوب على فعل مقدر. أى: فعل ما فعل - سبحانه - لينتقم من الظالمين، وليعلم الذين يجادلون فى آياتنا الدالة على وحدنيتنا وقدرتنا.. أنهم لا محيص لهم ولا مهرب من عذابنا، بسبب جدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق.
ثم بين - سبحانه - أن متاع الدنيا مهما كثر فهو إلى زوال، فقال: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...} أى: فما أعطيتم من شئ من متع الحياة الدنيا كالغنى والصحة والجاه. فإنما هو متاع زائل من متع الحياة الدنيا.
{وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من عطاء وثواب فى الآخرة. خير وأبقى، أى: هو خير فى ذاته من متاع الحياة الدنيا، وأبقى منه زمانا حيث لا يزول ولا يفنى.
وقوله {لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} متعلق بقوله {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أى: هذا الذى ذكرناه لكم من نعم الآخرة خير وأبقى، للذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا؛ وللذين هم يتوكلون ولا يعتمدون إلا على ربهم وحده، لا على غيره أصلا.
وبعد هذا البيان المفصل للبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وللنعم التى أسبغها - سبحانه - على عباده... بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان الصفات الطيبة والمناقب الحميدة، التى وفق الله - تعالى - عباده المؤمنين للتحلى بها، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ... لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}.