خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ
٣٤
إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٦
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
٣٧
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
٣٨
مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٩
إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٠
يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٤١
إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٤٢
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ
٤٣
طَعَامُ ٱلأَثِيمِ
٤٤
كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ
٤٥
كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ
٤٦
خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
٤٧
ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ
٤٨
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ
٤٩
إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
٥٠
-الدخان

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ} يعود إلى مشركى مكة، الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى -: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ } الخ.
وذكر - سبحانه - قصة فرعون وقومه فى الوسط، للاشارة إلى التشابه بين الفريقين فى التكذيب للحق، وفى الإِصرار على الضلال.
وكانت الإِشارة للقريب، لتحقيرهم والتهوين من شأنهم.
و {إِنْ} فى قوله - تعالى -: {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ...} نافية. أى: هؤلاء الكافرين ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث: ما الموتة التى نموتها فى نهاية حياتنا الدنيوية، إلا الموتة النهائية لا حياة بعدها ولا بعث نشور.
ومرادهم من الأولى: السابقة المتقدمة على الموعد الذى يوعدونه للبعث والنشور.
قال بعض العلماء: وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين.
الأولى منها الموت، والأخرى حياة البعث، أثبتوا الحالة الأولى وهى الموت، ونفوا ما بعدها.
وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أنه لا شئ بعدها، لأنهم نزلوا جحدهم على الإِثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم..
وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} تأكيد لما سبقه. أى: قالوا ليس هنا من موت سوى الموت المزيل لحياتنا، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك.
يقال: أنشر الله - تعالى - الموتى نشورا، إذا أحياهم بعد موتهم، فهم منشرون.
ثم بين - سبحانه - مطالبهم المتعتنة، وأدلتهم الباطلة فقال: {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
والفاء للإِفصاح، والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الذين كانوا يؤمنون بالبعث.
أى: إن هؤلاء الكافرين قالوا - أيضا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين. إن كان الأمر كما تقولون من أن هناك بعثا وحسابا.. فأعيدوا الحياة إلى آبائنا الأولين، واجعلوهم يخرجون إلينا مرة لنراهم.
وقوله - سبحانه -: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ...} تهديد لهم على جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم.
والمراد بتبع: أبو كريب بن مليك، ويسمى بتبع الحميرى. وهو أحد ملوك حمير.
وكان مؤمنا، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم الله. وإليه ينسب الأنصار، ولفظ {تُبَّعٍ} يعد لقبا لكل ملك من ملوك اليمن، كما أن لقب فرون يعد لقبا لمن ملك مصر كافرا..
أى: إن هؤلاء الكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - ليسوا خيرا من قوم تبع، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا، فلما لجوا فى طغيانهم أهلكهم الله - تعالى - وإن مصير هؤلاء المشركين - إذا ما استمروا فى عنادهم - سيكون كمصير قوم تبع..
فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادى فى الضلال، لأن هذا التمادى سيؤدى بهم إلى الخسران، كما هو حال قوم تبع الذين لا يخفى أمرهم عليهم.
والمراد بمن قبلهم فى قوله - تعالى -: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}: الأقوام السابقون على قوم تبع، كقوم عاد وثمود وغيرهم. أو على هؤلاء الكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم -.
أى: والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من الظالمين، أهلكناهم لأنهم كانوا قوما مجرمين.
ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى التفكر فى خلق السماوات والأرض فقال: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا..} من مخلوقات لا يعلمها إلا الله - تعالى - ما خلقنا ذلك {لاَعِبِينَ} أى: عابثين أو لغير غرض صحيح.
وقوله - تعالى -: {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} استثناء مفرغ من أعم الأحوال.
أى: ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق مؤيدا بالحكمة..
{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك، لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
ثم بين - سبحانه - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، وسيحكم - سبحانه - فى هذا اليوم بين الناس بحكمه العادل فقال: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} وهو يوم القيامة الذى يفصل فيه الله - عز وجل - بين المحق والمبطل، وبين المهتدى والضال..
هذا اليوم {مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} أى: وقت اجتماعهم للحساب جميعا دون أن يتخلف منهم أحد.
ثم وصف - سبحانه - هذا اليوم بقوله: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}.
وقوله: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي...} بدل من يوم الفصل. والمولى: يطلق على القريب والصديق والناصر..
أى: فى هذا اليوم، وهو يوم الفصل، لن يستطيع قريب أن ينفع قريبه، أو صديق أن ينفع صديقه شيئا من النفع، ولا هم ينصرون من عذاب الله - تعالى - إذا ما أراد - سبحانه - إنزال عذابه بهم.
وقوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ...} فى محل رفع على أنه بدل من ضمير {يُنصَرُونَ}. أو فى محل نصب على الاستثناء منه أى: لا يستطيع صديق أن يدفع العذاب عن صديقه، ولا قريب أن ينفع قريبه أو ينصره، إلا منرحمه الله - تعالى -، وذلك بأن يعفو - سبحانه - عنه، أو يقبل شفاعة غيره فيه.
{إِنَّهُ} - سبحانه - هو {ٱلْعَزِيزُ} الذى لا يغلب {ٱلرَّحِيمُ} الذى وسعت رحمته كل شئ.
ثم بين - سبحانه - طعام أهل النار وحالهم يوم القيامة فقال: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ..}.
والمراد بشجرة الزقوم: الشجرة التى خلقها الله - تعالى - فى جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، ليكون طعام أهل النار منها.
ولفظ الزقوم: اسم لتلك الشجرة، أو من الزقم بمعنى الالتقام والابتلاع للشئ.
والأثيم: الكثير الآثام والسيئات. والمراد به الكافر لدلالة ما قبله عليه.
والمهل: هو النحاس المذاب، أو ردئ الزيت الحار.
أى: إن الشجرة المعلونة التى هى شجرة الزقوم، خلقها الله - تعالى - لتكون طعاما للإِنسان الكافر، الكثير الآثام والجرائم..
فتنزل فى بطنه كما ينزل النحاس الجار المذاب، فيغلى فيها كغلى الماء البالغ نهاية الحرارة.
فقوله: {كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} نعت لمصدر محذوف. أى: غليا كغلى الحميم.
وقوله - سبحانه - {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ...} مقول لقول محذوف، هذا القول موجه من الله - تعالى - لملائكة العذاب.
وقوله - سبحانه {فَٱعْتِلُوهُ} من العتل وهو الأخذ بمجامع الشئ، وجره بغلظة وقهر.
يقال: عتل فلان فلانا يعتله عتلا، إذا جذبه جذبا شديدا، وسار به إلى ما يكره السير إليه.
أى: يقول الله - تعالى - لملائكة العذاب فى هذا اليوم العسير: خذوا هذا الكافر الأثيم، فجروه بغلظة، وسوقوه بشدة {إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أى: إلى وسطها.
{ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ} على سبيل التنكيل به {مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} صبا يذله ويوجعه ويجعل رأسه تغلى من شدة حرارة هذا الماء.
ثم قولوا له بعد ذلك على سبيل التهكم به، والتقريع له: {ذُقْ} أى: تذوق شدة هذا العذاب فالأمر للإِهانة.
{إِنَّكَ} كنت تزعم فى الدنيا، بأنك {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله: {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أى: إن هذا العذاب الذى نزل بكم أيها الكافرون، هو ما كنتم بشأنه تجادلون وتخاصمون فى الدنيا، فمنكم من كان ينكره، ومنكم من كان يشكك فى صحته. فها هو ذا قد أصبح حقيقة واقعة فوق رءوسكم.
وهكذا نجد الآيات الكريمة، قد وضحت أن يوم القيامة حق لا ريب فيه، وأن الكافرين به سيصيبهم عذاب شديد يذلهم يخزيهم.
* * *
وبعد هذا الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم، ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي... فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ}.