خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٨٣
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٤
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
٨٥
وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٨٦
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٨٧
ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٨
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ
٨٩
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ
٩٠
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى: إعلم أنه - تعالى - لما حكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنه أظهر حجة الله فى التوحيد ونصرها، وذب عنها، عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه.
فأولها: قوله {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ} والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها، وأوقفنا عقله على حقيقتها.
وثانيها: أنه - تعالى - خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية وهى قوله {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ}.
وثالثها: أنه جعله عزيزا فى الدنيا وذلك لأنه - تعالى - جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وذريته وأبقى هذه الكرامة فى نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك.
والإشارة فى قوله - تعالى - {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ} إلى جميع ما تكلم به إبراهيم فى مجادلة قومه فى شأن وحدانية الله وبطلان الشرك.
وأضاف - سبحانه - الحجة إليه مع ذكر اللفظ الدال على العظمة وهو "نا" تنويها بشأنها وتفخيما لأمرها، والمراد بالحجة جنسها لا فرد من أفرادها.
أى: وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغالبتها فى إثبات الحق وتزييف الباطل أعطيناها إبراهيم ليكون مستعلياً بها على قومه، قاطعاً لألسنتهم عن المجادلة والمخاصمة.
وجملة {آتَيْنَاهَآ} فى محل نصب على الحال والعامل فيها معنى الإِشارة.
وقوله {عَلَىٰ قَوْمِهِ} متعلق "بحجتنا" إن جعل خبرا لتلك، وبمحذوف إن جعل بدله. أى: آتيناها حجة ودليلا على قومه الكثيرين لتكون الغلبة عليهم.
وقوله {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أى نرفع من شئنا من عبادنا درجات عالية من العلم والحكمة.
والدرجات فى الأصل تطلق على مراقى السلم. والمراد بها هنا المراتب المعنوية فى الخير على سبيل التمثيل، فقد شبهت حالة المفضل على غيره بحال المرتقى فى سلم إذا ارتفع من درجة إلى درجة.
والجملة مستأنفة على سبيل التقرير لما قبلها، وقيل هى حال من فاعل {آتَيْنَا} أى حال كوننا رافعين.
ومفعول المشيئة محذوف. أى: من نشاء رفعه على حسب ما تقتضيه حكمتنا. وقد دل قوله {مَّن نَّشَآءُ} على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد لأنه لو كان حاصلا لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل.
وقوله - تعالى - {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، أى: إن ربك الذى خلقك فسواك فعدلك {حَكِيمٌ} فى كل ما يفعل من رفع هذا وخفض ذاك، {عَلِيمٌ} كل العلم بحال خلقه وسياسة عباده.
قال الإِمام الرازى: "واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة فى الصفات الروحانية لا فى الصفات الجسمانية، والدليل على ذلك أن الله - تعالى - قال {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} ثم قال بعده {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة وهذا يقتضى أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة واطلاعها على إشراقها اقتضى ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسمانى إلى أعالى العالم الروحانى، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا فى الروحانيات".
وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} أى: ووهبنا لإِبراهيم فضلا منا وكرما وعوضاً عن قومه لما اعتزلهم؛ إسحاق وهو ولده من زوجه سارة، ويعقوب هو ابن إسحاق لتقر عينه ببقاء عقبه؛ إذ فى رؤية أبناء الأبناء سرور للنفس، وراحة للفؤاد.
وقوله {كُلاًّ هَدَيْنَا} أى: كلا من إسحاق ويعقوب هديناه الهداية الكبرى بلحقوهما بدرجة أبيهما فى النبوة.
ولفظ {كُلاًّ} مفعول لما بعده وقدم لإِفادة اختصاص كل منهما بالهداية على سبيل الاستقلال والتنويه بشأنهما.
وقوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم إلى مثل ما هدينا إليه إبراهيم وذريته من النبوة والحكمة.
وهذا لون آخر من تشريف إبراهيم حيث أنه من نسل نوح الى وصفه الله بالهداية، ولا شك أن شرف الآباء يسرى على الأبناء.
وقال ابن كثير، "وكل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح فإن الله لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين صحبوه فى السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم فلم يبعث الله بعده نبيا إلا من ذريته كما قال - تعالى -
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ } ثم قال - تعالى - {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}.
الضمير فى قوله - تعالى - {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} يرى ابن جرير وغيره أنه يعود إلى نوح لأنه أقرب مذكور.
ويرى جمهور المفسرين أنه يعود على إبراهيم لأن الكلام فى شأنه وفى شأن النعم التى منحها الله إياه.
وقد ذكر الله فى هذه الآيات أربعة عشر نبيا وهم:
1 - داود بن يسى من سبط يهوذا من بنى إسرائيل وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق.م تقريبا وهو الذى قتل جالوت كما جاء فى القرآن الكريم
{ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ } وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريبا.
2 - سليمان بن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق.م. وتوفى سنة 975 ق.م. وقد جاء ذكر داود وسليمان فى كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى -
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } 3 - أيوب، قال ابن جرير: هو ابن موصى بن روم بن عيص بن إسحاق، وروى الطبرانى أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة.
4 - يوسف وهو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام - وكانت ولادته قبل ميلاد عيسى - عليه السلام - بألفى سنة تقريبا.
5 - موسى وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب وكانت ولادته حوالى القرن الرابع عشر ق.م.
6 - هارون وهو أخو موسى لأمه وقيل لأبيه وأمه، وقيل مات قبيل موسى بزمن يسير.
7 - زكريا وهو ابن أزن بن بركيا ويتصل نسبه بسليمان - عليه السلام - وكان قريب العهد بعيسى حيث تولى كفالة أمه مريم كما جاء فى القرآن الكريم
{ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } 8 - يحيى وهو ابن زكريا.
9 - عيسى وهو ابن مريم. قال ابن كثير. وفى ذكر عيسى فى ذرية إبراهيم أو نوح دلالة على دخول ولد البنات فى ذرية الرجل، لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أم مريم.
10 - الياس وهو ابن فنحاص بن العيزار بن هارون أخى موسى وهو المعروف فى كتب الإِسرائيليين باسم "إيليا" وقد أرسله الله إلى بنى إسرائيل حين عبدوا الأوثان قال - تعالى -
{ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ } ويقال إنه كان موجوداً فى زمن الملك "آخاب" ملك بنى إسرائيل فى حوالى سنة 918 ق م.
11 - إسماعيل وهو الابن الأكبر لإِبراهيم - عليهما السلام - وجد محمد صلى الله عليه وسلم.
12 - اليسع وهو ابن شافاط وكانت وفاته حوالى سنة 840 ق م ودفن بالسامرة.
13 - يونس وهو ابن متى أرسله الله إلى أهل نينوى من بلاد أشور فى حوالى القرن الثامن ق م.
14 - لوط وهو ابن هاران بن تارح فهو ابن أخى إبراهيم وكانت رسالته إلى أهل سدوم من شرق الأردن.
وقوله {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أى: وكل واحد من هؤلاء الأنبياء المذكورين لا بعضهم دون بعض فضلناه بالنبوة على العالمين من أهل عصره.
قال الجمل: اعلم أن الله - تعالى - ذكر هنا ثمانية عشر نبياً من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل لأن الواو لا تقتضى الترتيب، ولكن هنا لطيفة فى هذا الترتيب وهى أن الله - تعالى - خص كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل. فذكر أولا نوحاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعاً. ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان وقد أعطى الله من ذلك داود وسليمان حظاً وافراً. ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب. ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة، ثم من المراتب المعتبرة فى تفضيل الأنبياء كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر، ومن المراتب المعتبرة الزهد فى الدنيا وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ثم ذكر الله بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة كان هذا الترتيب حسناً والله أعلم بمراده وأسرار كتابه".
ومن المعروف أن الأنبياء الذين يجب الإِيمان بهم على التفصيل خمسة وعشرون نبياً. وهم هؤلاء الثمانى عشرة الذين ذكروا فى هذه الآيات، يضاف إليهم سبعة نظمهم الناظم فى قوله:

حتم على كل ذى التكليف معرفةبأنبياء على التفصيل قد علموا
فى تلك حجتنا منهم ثمانيةمن بعد عشر ويبقى سبعة وهم
إدريس، هود، شعيب، صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا

ثم ذكر - سبحانه - فضائل من يتصل بهؤلاء الأنبياء الكرام فقال:
{وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ} أى: ومن آباء هؤلاء الأنبياء وذرياتهم وإخوانهم من هديناه إلى الطريق المستقيم فمن هنا للتبعيض.
والجملة معطوفة على {كَلاّ} أى: كلا من هؤلاء الأنبياء فضلنا، وفضلنا بعض آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وهديناه.
وجملة {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} معطوفة على {فَضَّلْنَا} أى: فضلنا هؤلاء الأنبياء واخترناهم وهديناهم إلى الطريق الواضح. قال الراغب: "والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال - تعالى -
{ فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ } واجتباء العبد تخصيصه إياه بفيض إلـٰهى يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعى من العبد وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء".
وقوله: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أى: ذلك الهدى إلى صراط مستقيم الذى اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله الذى يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك.
وفى قوله: {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} من الإِبهام ما يبعث النفوس على طلب هدى الله - تعالى - والتعرض لنفحاته.
وقوله {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أى، ولو فرض أن أشرك بالله أولئك المهديون المختارون لبطل وسقط عنهم ثواب ما كانوا يعملونه من أعمال صالحة فكيف بغيرهم.
قال ابن كثير: فى هذه الآية تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله - تعالى -
{ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } والشرط لا يقتضى جواز الوقوع، فهو كقوله، { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ } وكقوله: { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } وقوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} اسم الإِشارة فيه يعود إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشرة والمعطوفين عليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة.
وقصر بعضهم عودته على الأنبياء فحسب وإليه ذهب ابن جرير والرازى أى: أولئك المصطفون الأخيار هم الذين آتيناهم الكتاب أى جنسه المتحقق فى ضمن أى فرد كان من أفراد الكتب السماوية.
والمراد بإيتائه: التفهيم التام لما اشتمل عليه من حقائق وأحكام، وذلك أعم من أن يكون بالإِنزال ابتداء أو بالإِيراث بقاء، فإن المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين.
والحكم أى: الحكمة وهى علم الكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام. أو الإِصابة فى القول والعمل. أو القضاء بين الناس بالحق.
و {وَٱلنُّبُوَّةَ} أى: الرسالة.
وقوله {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} أى: فإن يكفر بهذه الثلاث التى اجتمعت فيك يا محمد هؤلاء المشركون من أهل مكة، فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا للإِيمان بها قوما كراما ليسوا بها بكافرين فى وقت من الأوقات وإنما هم مستمرون على الإِيمان بك والتصديق برسالتك وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض قومه عن دعوته.
والمراد بالقوم الذين وكلوا بالقيام بحق هذه الرسالة ووفقوا للإِيمان بها أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار مطلقاً، لأنهم هم الذين دافعوا عن دعوة الإِسلام وبذلوا فى سبيل إعلانها نفوسهم وأموالهم، ويدخل معهم كل من سار على نهجهم فى كل زمان ومكان.
وقيل: المراد بهم أهل المدينة من الأنصار. وقيل: المراد بهم الأنبياء المذكورون وأتباعهم، وقيل غير ذلك.
والذى نراه أن الرأى الأول أرجح لأن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم هم المقابلون لكفار قريش الذين كفروا بها.
وفى التكنية عن توفيقهم للإِيمان بها بالتوكيل الذى أصله الحفظ للشىء ومراعاته، وإيذان بفخامة وعلو قدرها.
قال الإِمام الرازى: "دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - سينصر نبيه، ويقوى دينه، ويجعله مستعليا على كل من عاداه، قاهراً لكل من نازعه، وقد وقع هذا الذى أخبر الله عنه فى هذا الموضع، فكان جاريا مجرى الإِخبار عن الغيب فيكون معجزاً".
ثم قال - تعالى - {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} أى: أولئك الأنبياء الذين ذكرناهم لك - يا محمد - هم الذين هديناهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فبهداهم، أى: فبطريقتهم فى الإِيمان بالله وفى تمسكهم بمكارم الأخلاق كن مقتديا ومتأسيا.
والمقصود إنما هو التأسى بهم فى أصول الدين، أما الفروع القابلة للنسخ فإنهم يختلفون فيها ويجوز عدم الاقتداء بهم بالنسبة لها قال - تعالى -
{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } وتكرير اسم الإِشارة لتأكيد تمييز المشار إليه، ولما يقتضيه للتكرير من الاهتمام بالخبر. وفى قوله {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تعريض بالمشركين إذ أن النبى صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان بدعا منهم، أما هم فقد اختلقوا لأنفسهم عبادات ما أنزل الله بها من سلطان.
ثم ختم الله - تعالى - هذا السياق بقوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أى: قل أيها الرسول الكريم لمن بعثت إليهم لا أطلب منكم على ما أدعوكم إليه من خير وما أبلغكم إياه من قرآن أجرا قليلا أو كثيرا.
{إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} أى: ما هذا القرآن إلا تذكيرا وموعظة للناس أجمعين فى كل زمان ومكان.
قال بعضهم: وفى الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن والإِنس وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق.
وبعد أن بين - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وقومه من مجالات تتعلق بإثبات وحدانية الله، وإبطال الشرك، وحكى جانبا من النعم التى أنعم بها على خليله وعلى كل من سار على نهجه، وأخبر بأن هذا القرآن ما هو إلا تذكير للعالمين وأن المذكر به - لا يريد منهم أجرا على تبليغه، بعد كل ذلك أخذ القرآن فى الرد على منكرى نزول الكتب السماوية وفى بيان عاقبتهم الوخيمة بسبب هذا الجحود فقال - تعالى -: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ...}.