خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٩٥
فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٩٦
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٩٧
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
٩٨
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٩٩
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}.
فالق: أى شاق، والفلق هو الشق وقيل، فالق بمعنى خالق وأنكر ابن جرير الطبرى ذلك وقال: لا يعرف فى كلام العرب فلق الشىء بمعنى خلق.
والحب: ما ليس له نوى كالحنطة والشعير.
والنوى: جمع نواة وهو الموجود فى داخل الثمرة، مثل نوى التمر وغيره.
والمعنى: أن الله وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج منها النبات الأخضر النامى، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد وعلى أنه هو المستحق للعبادة لا غيره.
هذا، وقد أفاض الإِمام الرازى وهو يتحدث عن هذه الآية فى بيان قدرة الله فقال ما ملخصه:
"إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة فى الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله - تعالى - فى تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر، فالأول يخرج منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء، والثانى يخرج منه الشجرة الهابطة فى الأرض ثم إن ها هنا عجائب.
فإحداها: أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضى الهوى فى عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة فى الهواء؟ وإن كانت تقتضى الصعود فى الهواء فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة فى الأرض؟ فلما تولد منها الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى - علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإِيجاد والإِبداع والتكوين.
وثانيهما: أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوى فيه، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق فى غاية الدقة واللطافة وبحيث لو دلكها الإِنسان بإصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ فى تلك الارض الصلبة، والغوص فى بواطن تلك الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التى هى فى غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم.
ثم قال -رحمه الله - بعد كلام طويل: فانظر أيها المسكين بعين رأسك فى تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقه تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة فى الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن أنواع نعم الله فى حقك غير متناهية كما قال:
{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة والنواة".
وقوله {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} أى: يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات والشجر مما لا ينمو كالنطفة والحبة.
والجملة الكريمة مستأنفة مبينة لما قبلها ولذلك ترك العطف، وقيل خبر ثان ولم يعطف لاستقلاله فى الدلالة على عظمة الله - تعالى -.
وقوله: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} أى: مخرج الميت كالحب والنوى من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان.
قال صاحب المنار: "فإن قيل إن علماء المواليد يزعمون أن فى كل أصول الأحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت، قلنا: إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو الخاصية التى يكون بها الحب قابلا للإِنبات حياة، ولكن هذا لا يصح فى اللغة إلا بضرب من التجوز وإنما حقيقة الحياة فى اللغة ما يكون به الجسم متغذياً نامياً بالفعل، وهذا أدنى مراتب الحياة عند العرب، ولها مراتب أخرى كالإِحساس والقدرة والإِرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام، وهذا أعلى مراتب الحياة فى المخلوق".
ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس أن معنى الجملتين: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ومثله إخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل وعكسه، وذلك بحمله الحياة والموت على المعنوى منها كما فى قوله - تعالى -
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } ويبدو لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوى لا يناسبه سياق الآيات التى معنا، لأنها تتحدث عن آثار قدرة الله المحسوسة ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويتأمل كل ذى عقل فى مظاهر قدرة الله فى كونه يهتدى إلى طريق الحق والصواب.
وقوله {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} معطوف على ما قبله وهو قوله {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} لأنه إخبار بضد مضمونه وهو وضع آخر عجيب دال على كمال القدرة.
وجىء بجملة {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} فعلية لإِرادة تصوير إخراج الحى من الميت واستحضاره فى ذهن السامع. وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن فى أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضى.
ويرى صاحب الكشاف أن قوله: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} معطوف على {فَالِقُ} لا على {يُخْرِجُ} لأنه بيان لفالق الحب والنوى.
قال -رحمه الله : فإن قلت: كيف قال {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} بلفظ اسم الفاعل بعد قوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ}؟ قلت: عطفه على فالق الحب والنوى لا على الفعل، ويخرج الحى من الميت: موقعه موقع الجملة المبينة لقوله {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} لأن فالق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحى من الميت، لأن النامى فى حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله - تعالى -
{ وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} الأفك - بفتح الهمزة - مصدر أفكه يأفكه من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل، ويقال أفكت الأرض أفكا: أى صرف عنها المطر.
والإِشارة بذلكم لزيادة التمييز، وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة.
والمعنى: ذلكم المتصف بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذة هو الله خالق كل شىء فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق، وتشركون معه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضراً؟.
قال الإِمام الرازى: والمقصود منه أن الحى والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية بل لا بد أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدبر العليم".
ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً}.
الإِصباح: مصدر سمى به الصبح، أى: شاق ظلمة الصبح - وهى الغبش فى آخر الليل الذى يلى الفجر المستطيل الكاذب - عن بياض النهار فيضىء الوجود، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده، ويجىء النهار بضيائه.
وجملة "فالق الإِصباح" خبر لمبتدأ محذوف أى: هو فالق، أو خبر آخر لإنّ {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} أى وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه، وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم.
قال صاحب الكشاف: السكن: ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به واسترواحا إليه، من زوج أو حبيب. ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة، والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه، ويجوز أن يراد: وجعل الليل مسكونا فيه من قوله:
{ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} الحسبان فى الأصل مصدر حسب - بفتح السين - كالغفران والشكران تقول حسبت المال حسبانا: أى أحصيته عددا. والمعنى: وجعل الشمس والقمر يجريان فى الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ولا يضطرب حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث تتم الشمس دورتها فى سنة ويتم القمر دورته فى شهر، وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها، قال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } وقوله {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أى: ذلك الجعل والتسيير البديع الشأن تقدير العزيز، أى: الغالب القاهر الذى لا يتعاصاه شىء من الأشياء التى من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص، العليم بكل شىء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء.
قال الإِمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ما ملخصه:
"اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته فالنوع المتقدم - أى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ }... إلخ - كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان، والنوع المذكور فى هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم فى كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم فى القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية".
وبعد أن ساق -رحمه الله - الأدلة على ذلك قال: والعزيز إشارة إلى كمال قدرته، والعليم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه: أن تقدير الأفلاك بصفاتها المخصوصة، وهيآتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة فى البطء والسرعة، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نافذ فى جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار والله أعلم.
ثم ساق - سبحانه - نوعا ثالثا من الدلائل على كمال قدرته ورحمته وحكمته فقال - تعالى - {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أى: وهو - سبحانه - وحده الذى أنشأ لكم هذه الكواكب النيرة لتهتدوا بها إلى الطرق والمسالك خلال سيركم فى ظلمات الليل بالبر والبحر حيث لا ترون شمسا ولا قمرا.
وجملة {لِتَهْتَدُواْ بِهَا} بدل اشتمال من ضمير {لَكُمُ} بإعادة العامل، فكأنه قيل: جعل النجوم لاهتدائكم.
{قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أى: قد وضحنا وبينا الآيات الدالة على قدرته - تعالى - ورحمته بعباده، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعلمون بموجب علمهم، ويزدادون إيمانا على إيمانهم.
فالجملة الكريمة مستأنفة للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا.
والتعريف فى الآيات للاستغراق فيشمل آية خلق النجوم وغيرها.
ثم ساق - سبحانه - لونا رابعا من دلائل كمال قدرته ورحمته. فقال - تعالى -: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}.
أى: وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم - عليه السلام - قال - تعالى -
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } وفى هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه، لأن رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف، وفيها - أيضاً - دليل على عظيم قدرته - عز وجل -. والفاء فى قوله - تعالى - {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} للتفريع عن أنشأكم.
أى: أنشأكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار فى الأرحام أو فى الأرض وموضع استيداع فى الأصلاب أو فى القبور.
وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس، وقد زكاه الإِمام الرازى فقال: ومما يدل على قوة هذا القول أن النطقة الواحدة لا تبقى فى صلب الأب زمانا طويلا فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع".
وقيل المستقر حالة الإِنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة، وكذلك إن كان شقيا، والمستودع حالة قبل الموت لأن الكافر قد ينقلب مؤمنا.
وقيل: المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذى لم يخلق بعد وسيخلق.
والذى نراه أن الرأى الأول هو الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين، ولأن شواهد القرآن تؤيده كما فى قوله - تعالى -
{ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } وكما فى قوله - تعالى - { وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وقرىء {فَمُسْتَقِرٌّ} - بكسر القاف - أى: فمنكم مستقر فى الأرحام ومنكم مستودع.
وقوله {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} أى: قد فصلنا الآيات الدالة على قدرتنا ووضحناها لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قيل "يعلمون" مع ذكر النجوم و {يَفْقَهُونَ} مع ذكر إنشاء بنى آدم؟ قلت: كان إنشاء الإِنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذى هو استعمال فطنته وتدقيق نظره مطابقا له.
وقد علق صاحب الانتصاف على كلام الزمخشرى بما ملخصه: "جواب الزمخشرى صناعى، والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين فى اللفظ، لما فى ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحسيناً للنظم واتساقا فى البلاغة، ويحتمل وجهاً آخر فى تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإِلـٰهية فى تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر، ولا كذلك النظر فى إنشائهم من نفس واحدة، وتقلباتهم فى أطوار مختلفة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، فإذا تمهد ذلك فجهل الإِنسان بنفسه وبأحواله أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أبشع القبيلين جهلا وهم الذين لا يتبصرون فى أنفسهم، ونفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة فخص به أسوأ الفريقين حالا .. وإذا قيل: فلان "لا يفقه شيئاً" كان أذم فى العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئاً وكأن معنى قولك لا يفقه شيئاً ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك "لا يعلم شيئاً" فغايته نفى حصول العلم له، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم.
ثم ساق - سبحانه - حجة خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه إلى خلقه فقال - تعالى -:
{وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}.
أى: وهو - سبحانه - الذى أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم والكيف والطعوم والألوان، قال - تعالى -
{ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وسمى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ما علا سماء، و نزول الماء من السحاب قد جاء صريحاً فى مثل قوله - تعالى - { أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } و {مِنَ} فى قوله {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} ابتدائية، لأن ماء المطر يتكون فى طبقات الجو العليا البادرة عند تصاعد البخار الأرضى إليها فيصير البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء، والباء فى {بِهِ} للسببية. حيث جعل الله - تعالى - الماء سبباً فى خروج النبات، والفاء فى قوله {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} للتفريع و {أَخْرَجْنَا} عطف على {أَنزَلَ} والالتفات إلى التكلم إظهار لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله.
ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل ما أجمل من الإِخراج فقال: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} أى: فأخرجنا من النبات الذى لا ساق له نباتا غضا أخر، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، وخضر بمعنى أخضر اسم فاعل. يقال: خضر الزرع - من باب فرح - وأخضر، فهو خضر وأخضر.
وقوله {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً}. أى: نخرج من هذا النبات الخضر {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أى: متراكما بعضه فوق بعض كما فى الحنطة والشعير وسائر الحبوب، يقال: ركبه - كسمعه - ركوباً ومراكباً. أى: علاه.
وجملة {نُّخْرِجُ مِنْهُ} صفة لقوله "خضرا". وعبر عنها بصيغة المضارع لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المتراكب من هذا الخضر الغض يدعو إلى التأمل والإِعجاب بمظاهر قدرة الله.
وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}.
الطلع: أول ما يبدو ويخرج من تمر النخل كالكيزان. وقشره يسمى الكفرى؛ وما فى داخله يسمى الإِغريق لبياضه.
والقنوان: جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ، وهو ومثناه سواه لا يفرق بينهما إلا فى الإِعراب. أى: ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دانية القطوف، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها.
قال صاحب الكشاف: و {قِنْوَانٌ} رفع بالابتداء، و {مِنَ ٱلنَّخْلِ} خبره و {مِن طَلْعِهَا} بدل منه. كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان دانية. وذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأن النعمة فيها أظهر وأدل، واكتفى بذكر القريبة على ذكر البعيدة كقوله:
{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } وقوله: { وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} معطوف على {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أى: فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شىء وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب. وجعله: بعضهم عطفاً على {خَضِراً}. وقيل هو معطوف على {حَبّاً}.
وقوله: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} منصوب على الاختصاص أى: وأخص من نبات كل شىء الزيتون والرمان، وقيل معطوف على {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}.
قال الآلوسى: وقوله: {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} إما حال من الزيتون لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه وهو الرمان والتقدير: والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك، وإما حال من الرمان لقربه ويقدر مثله فى الأول.
وأياما كان ففى الكلام مضاف مقدر وهو بعض. أى بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابه فى الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها، وحكمة منشئها ومبدعها كما قال - تعالى -
{ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ } ثم أمر الله عباده أن يتأملوا فى بديع صنعه فقال: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} أى: انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمار كل واحد مما ذكرنا حال ابتدائه حين يكون ضئيلا ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، وحال ينعه أى: نضجه كيف يصير كبيراً أو جامعاً لألوان من المنافع والملاذ.
يقال: أينعت الثمرة إذا نضجت.
وقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أى: إن فى ذلكم الذى ذكرناه من أنواع النبات والثمار، وذلكم الذى أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم يصدقون بأن الذى أخرج هذا النبات وهذه الثمار لهو المستحق للعبادة دون ما سواه أو هو القادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم.
قال الشيخ القاسمى: قال بعضهم: القوم كانوا ينكرون البعث فاحتج عليهم بتعريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعاً ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها، وإخراج أنواع النبات والثمار منها. وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلى الله - تعالى - فبين أنه - سبحانه - كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء، ثم إنبات الأجساد كالنبات، ثم جعلها خضرة بالحياة ثم تصوير الأعمال بصور كثيرة، وإفادة أمور زائدة وتفريعها، وإعطاء أطعمة مشتبهة فى الصورة غير متشابهة فى اللذة جزاء عليها".
هذا وقد أفاض الإِمام الرازى -رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية فى بيان مظاهر قدرة الله وكمال رحمته وحكمته فقال ما ملخصه:
"اعلم أنه - تعالى - ذكره هنا أربعة أنواع من الأشجار: النخل والعنب والزيتون والرمان. وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجرى مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب. وإنما ذكر العنب عقيب النخيل، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال. وأما الزيتون فهو - أيضاً - كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو وينفصل - أيضاً - عنه دهن كثير عظيم النفع. وأما الرمان فحاله عجيب جداً. واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفى بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر - سبحانه - هذه الأقسام الأربعة التى هى أشرف أنواع النبات، واكتفى بذكرها تنبيهاً على البواقى.
ثم قال: وقد أمر - سبحانه - بالنظر فى حال ابتداء الثمر ونضجه لأن هذا هو موضوع الاستدلال، والحجة التى هى تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد فى أول حدوثها عن صفات مخصوصة وعند تمامها لا تبقى على حالاتها الأولى بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة، وربما كانت فى أول الأمر باردة بحسب الطبيعة فتصير فى آخر أمرها حارة بحسب الطبيعة - أيضاً - فحصول هذه المتبدلات والمتغيرات لا بد له من سبب، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة. ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسناده إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة، والمصلحة الحكيمة".
وبعد أن ذكر - سبحانه - تلك الدلائل الدالة على عظيم قدرته، وباهر حكمته ووافر نعمته. واستحقاقه الألوهية، أتبعها بتوبيخ المشركين والرد عليهم بما يرشدهم إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال - تعالى -: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ...}.