خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ
١١٩
مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٢٠
وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢١
-التوبة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمعنى: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر.. اتقوا الله حق تقاته، بأن تفعلوا ما كلفكم به. وتتركوا ما نهاكم عنه، {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} فى دين الله نية وقولا وعملا وإخلاصا؛ فإن الصدق ما وجد فى شئ إلا زانه، وما وجد الكذب فى شئ إلا شأنه.
قال القرطبى: حق من فهم عن الله وعقل منه: أن يلازم الصدق فى الأقوال والإِخلاص فى الأعمال، والصفاء فى الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى ربنا الغفار.
قال - صلى الله عليه وسلم -
"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا" .
والكذب على الضد من ذلك. قال - صلى الله عليه وسلم - "إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" .
فالكذب عار، وأهله مسلوبو الشهادة، وقد رد - صلى الله عليه وسلم - شهادة رجل فى كذبة كذبها. وسئل شريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدا، أصلى خلفه؟ قال: لا.
ثم أوجب - سبحانه - على المؤمنين مصاحبة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فى غزواته فقال: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ..}.
والمراد بالنفى هنا النهى. أى: ليس لأهل المدينة أو لغيرهم من الأعراب سكان البادية الذين يسكنون فى ضواحى المدينة، كقبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار.
ليس لهؤلاء جميعا أن يتخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ما خرج للجهاد، كما فعل بعضهم فى غزوة تبوك، لأن هذا التخلف يتنافى مع الإِيمان بالله ورسوله.
وليس لهم كذلك {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أى ليس لهم أن يؤثروا أنفسهم بالراحة على نفسه، بأن يتركوه يتعرض للآلام والأخطار. دون أن يشاركوه فى ذلك، بل من الواجب عليهم أن يكونوا من حوله فى البأساء والضراء، والعسر واليسر؛ والمنشط والمكره.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة: أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعز نفس على الله وأكرمها، فإذا تعرضت - مع كرامتها وعزتها - للخوض فى شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت - أى تتساقط - فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها، ولا يقيمون له وزنا، وتكون أخف شئ عليهم وأهونه، فضلا عن أن يربأوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمع بنفسه عليه. وهذا نهى بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.
واسم الإِشارة فى قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ..} يعود على ما دل عليه الكلام من وجوب مصاحبته وعدم التخلف عنه.
أى: ذلك الذى كلفناهم به من وجوب مصاحبته - صلى الله عليه وسلم - والنهى عن التخلف عنه، سببه أنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أى عطش {وَلاَ نَصَبٌ} أى: تعب ومشقة {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أى: مجاعة شديدة تجعل البطون خامصة ضامرة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أى: فى جهاد أعدائه وإعلاء كلمة الحق {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} أى: ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأرجلهم أو بحوافر خيولهم من أجل إغاظتهم وإزعاجهم.. {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} أى: ولا يصيبون من عدو من أعدائهم إصابة كقتل أو أسر أو غنيمة.
إنهم لا يفعلون شيئا {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} أى: إلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح، ينالون بسببه الثواب الجزيل من الله، لأنه - سبحانه - {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} وإنما يكافئهم إلى إحسانهم بالأجر العظيم.
وقوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً..} معطوف على ما قبله.
أى: وكذلك ولا يتصدقون بصدقة صغيرة، كالتمرة ونحوها، ولا كبيرة كما فعل عثمان - رضى الله عنه - فى هذه الغزوة، فقد تصدق بالكثير.
{وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} من الوديان فى مسيرهم إلى عدوهم، أو فى رجوعهم عنه.
لا يفعلون شيئا من ذلك أيضا {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} أى: إلا كتب لهم ثوابه فى سجل حسناتهم.
{لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أى: أمرهم بمصاحبة نبيهم فى كل غزواته، وكلفهم بتحمل مشاق الجهاد ومتاعبه ليجزيهم على ذلك أحسن الجزاء وأعظمه، فأنت ترى أن الله - تعالى - قد حرض المؤمنين على الجهاد فى هاتين الآيتين، وبين لهم أن كل ما يلاقونه فى جهادهم من متاعب له ثوابه العظيم، وما دام الأمر كذلك فعليهم أن يصاحبوا رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فى جميع غزواته، لأن التخلف عنه لا يليق بالمؤمنين الصادقين، فضلا عن أن هذا التخلف - بدون عذر شرعى - سيؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة.
وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على الجهاد فى سبيله، وحذرهم من التخلف عن الخروج مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم إذا لم تكن المصلحة تقتضى النفير العام، فقال - تعالى -: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...}.