خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
-البقرة

خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن أخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنه خلق جميع ما في الكون، أراد أن يخبرنا عمن خلقه لعمارة هذا الكون، فكأن القصة التي بدأ الله سبحانه وتعالى بها قصص القرآن كانت هي قصة آدم أول الخلق، ولقد وردت هذه القصة في القرآن الكريم كثيراً لتدلنا لماذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى بهذه القصة؟ وجاءت لتدلنا أيضاً على صدق البلاغ عن الله. واقرأ قوله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ .. } [الكهف: 13].
كلمة الحق التي جاءت هنا لتدلنا على أن هناك قصصاً، ولكن بغير حق، والله سبحانه وتعالى أراد أن يخرج قصصه عن دائرة القصص التي يتداولها الناس أو قصص التاريخ لإمكان مخالفتها الواقع وتأتي بغير حق، وهناك قصص تروى في الدنيا ولا واقع لها، بل هي من قبيل الخيال.
وكلمة: "قصة" مأخوذة من قَصّ الأثر، بمعنى: أن يتبع قصاص الأثر في الصحراء الآثار التي يشاهدها على الرمال حتى يصل إلى مراده عندما يصل إلى نهاية الأثر .. وما دمنا قد عرفنا أن الله يقص الحق، فلا بد - إذن - أن قصص القرآن الكريم كلها أحداث وقعت فعلا. ولكل قصة في القرآن عبرة. أو شيء مهم يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه. فمرة تكون القصة لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت المؤمنين: واقرأ قوله تعالى:
{ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ .. } [هود: 120].
فكل قصة تُثَبتُ فؤاد الرسول والمؤمنين في المواقف التي تزلزلهم فيها الأحداث. وقصص القرآن ليست لقتل الوقت، ولكن الهدف الأسمى للقصة هو تثبيت ونفع حركة الحياة الإيمانية، ولو نظرنا إلى قصص القرآن الكريم نجد أنها تتحدث عن أشياء مضت وأصبحت تاريخاً، والتاريخ يربط الأحداث بأزمانها، وقد يكون التاريخ لشخص لا لحدث، ولكن الشخص حدث من أحداث الدنيا. ولو قرأت تاريخ كل حدث لوجدت أنه يعبر عن وجهة نظر راويه، فكل قصص التاريخ كتبت من وجهات نظر مَنْ رَوَوْها؛ ولذلك، فالقصة الواحدة تختلف باختلاف الراوي.
ولكن قصص القرآن الكريم هو القصص الحق .. والعبرة في قصص القرآن الكريم أنها تنقل لنا أحداثا في التاريخ تتكرر على مر الزمن. ففرعون مثلاً هو كل حاكم يريد أن يُعْبَدَ في الأرض، وأهل الكهف مثلاً هي قصة كل فئة مؤمنة هربت من طغيان الكفر وانعزلت لتعبد الله، وقصة يوسف عليه السلام هي قصة كل إخوة نزغ الشيطان بينهم فجعلهم يحقدون على بعضهم، وقصة ذي القرنين هي قصة كل حاكم مصلح أعطاه الله سبحانه الأسباب في الدنيا ومكَّنه في الأرض، فعمل بمنهج الله وبما يرضي الله، وقصة صالح هي قصة كل قوم طلبوا معجزة من الله، فحققها لهم فكفروا بها، وقصة شعيب عليه السلام هي قصة كل قوم سرقوا في الميزان والمكيال.
وهكذا كل قصص القرآن، قصص تتكرر في كل زمان حتى في الوقت الذي نعيش فيه تجد فيه أكثر من فرعون، وأكثر من أهل كهف يَفرُّون بدينهم، وأكثر من قارون يعبد المال والذهب، ويحسب أنه استغنى عن الله. ولذلك جاءت شخصيات قصص القرآن مُجَهَّلة إلا قصة واحدة هي قصة عيسى بن مريم ومريم ابنة عمران، لماذا؟ لأنها معجزة لن تتكرر،. ولذلك عرَّفها الله لنا فقال "مريم ابنة عمران" وقال "عيسى بن مريم" حتى لا يلتبس الأمر، وتدَّعي أي امرأة أنها حملت بدون رجل .. مثل مريم. نقول: لا، معجزة مريم لن تتكرر. ولذلك حددها الله تعالى بالاسم. فقال: عيسى بن مريم، ومريم ابنة عمران .. أما باقي قصص القرآن الكريم فقد جاءت مُجَهَّلة. فلم يقل لنا الله تعالى: مَنْ هو فرعون موسى، ولا مَنْ هم أهل الكهف ولا مَنْ هو ذو القرنين ولا مَنْ هو صاحب الجنتين .. إلى آخر ما جاء في القرآن الكريم. لأنه ليس المقصود بهذه القصص شخصاً بعينه. لا تتكرر القصة مع غيره، وبعض الناس يشغلون أنفسهم بمَنْ هو فرعون موسى؟ ومَنْ هو ذو القرنين؟ .. إلخ. نقول لهم لن تصلوا إلى شيء لأن الله سبحانه وتعالى قد روى لنا القصة دون توضيح للأشخاص لنعرف أنه ليس المقصود شخصاً بعينه، ولكن المقصود هو الحكمة من القصة.
والقصص في القرآن لا ترد مكررة، وقد يأتي بعض منها في آيات، وبعض منها في آيات أخرى، ولكن اللقطة مختلفة، تعطينا في كل آية معلومة جديدة بحيث إنك إذا جمعت كل الآيات التي ذكرت في القرآن الكريم تجد أمامك قصة كاملة متكاملة كل آية تضيف شيئاً جديداً.
وأكبر القصص في القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام. ويذكِّرنا القرآن الكريم بها دائماً لأن أحداثها تعالج قصة أسوأ البشر في التاريخ، وفي كل مناسبة يذكرنا الله بلقطة من حياة هؤلاء. واقرأ قوله تعالى:
{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } [القصص: 7].
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى:
{ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ .. } [طه: 38-39].
والفهم السطحي يظن أن هذا تكرار ونقول لا. فقوله تعالى:
{ { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ .. } [القصص: 7].
هذه اللقطة تدل على أن الله سبحانه وتعالى يُعِدُّ أم موسى إعداداً إيمانياً للحدث، ولكن عند وقوع الحدث تتغير القصة على نمط سريع
{ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ .. } [طه: 39].
كلام يناسب لحظة وقوع الحدث .. فالآية الأولى .. بينت لنا أن أم موسى أرضعته قبل أن تضعه في التابوت، وأنها ستلقيه في اليم عندما يحدث خطر وتخاف عليه من القتل، وفيه تطمين لها. ألاَّ تخاف ولا تحزن. لأن الله منجيه، وفيها بشارتان: أن الله سيرده لأمه، وأن الله قد اختاره رسولاً.
نأتي إلى الآية الثانية التي تكمل لنا هذه اللقطة، فتقول
{ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ .. } [طه: 39].
هنا نعرف أن أم موسى ستلقيه في تابوت، وهو ما لم يذكر في الآية السابقة، ثم بعد ذلك نعلم أن الله سبحانه وتعالى أصدر أمره إلى الماء أن يلقى التابوت إلى الساحل، وهذا ما لم يرد في الآية السابقة، ونعرف أيضاً أن الذي سيأخذه وهو فرعون، ستكون بينهما عداوة متبادلة .. وهكذا نرى أن آيتي القصة يكمل بعضهما بعضاً، وليس هناك تكرار. والله سبحانه وتعالى في الآية الثانية يريد أن يثبت أنه ستكون هناك عداوة متبادلة بين موسى وفرعون .. كما أثبتت عداوة فرعون لله جل جلاله ولموسى، فقال:
{ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ .. } [طه: 39].
ولكن العداوة لا تستقر إلا إذا كانت متبادلة. فتأتي آية ثالثة لتكمل الصورة .. في قوله تعالى:
{ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً .. } [القصص: 8].
وهكذا بينت لنا الآية الكريمة كيف أن العداوة بين فرعون وموسى ستسقر حتى يقضى على فرعون. لأنه إذا كان إنسان عدواً لك، وأنت تقابل العداوة بالإحسان، تخمد العداوة بعد قليل. إذن: هذه الآيات ليست تكراراً ولكنها آيات تكمل القصة، وتعطينا الصورة الكاملة المتكاملة.
ولكن لماذا لم تأت قصة موسى متكاملة كقصة يوسف؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يُثبِّتَ بها نبينا عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فتأتي هنا لقطة وهنا لقطة لتؤدي ما هو مطلوب من التثبيت بما لا يُخِلُّ .. لأن الآيات تعطينا القصة متكاملة.
وهكذا قصة آدم، جاءت لنا في آيات متعددة، لتعطينا في مجموعها قصة كاملة. وفي الوقت نفسه كل آية لها حكمة يحتاجها التوقيت الذي نزلت فيه، فالله سبحانه وتعالى يروي لنا بداية الخلق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب" .
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُعرِّفنا كيف بدأ الخلق، وقصة عداوة إبليس لآدم وذريته .. فتكلم الله سبحانه وتعالى عن أول البشر. عرَّفنا اسمه، وهو آدم عليه السلام. وتكلم عن المادة التي خلق منها. وتكلم عن المنهج الذي وضعه لآدم، وحدَّثنا عن النقاش الذي دار مع الملائكة. كما أخبرنا بأن آدم سيكون خليفة في الأرض، وأنه علَّمه الأسماء كلها ليقود حركة حياته، وعلَّمنا منطق علم الأشياء، وعلم مسمياتها، وحدثنا عن الحوار الذي حدث بين إبليس أمام ربه حينما أبى السجود، وبين لنا حجة إبليس في الامتناع عن السجود، وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالإغواء والوسوسة وغير ذلك.
إذن: فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم، ولو أن بشراً يريد أن يؤرخ لآدم ما استطاع أن يأتي بكل هذه اللقطات، ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل لقطة تأتي للتثبيت.
والآية الكريمة التي نحن بصددها لم تأت في "سورة الأعراف" ولا في "الحجر" ولا في "الإسراء" ولا في "الكهف" ولا في "طه". وبهذا نعرف أنه ليس هناك تكرار .. فالله سبحانه وتعالى أخبر ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة. هنا لابد لنا من وقفة. أخلق آدم كفرد أم خلقه الله وكل ذريته مطمورة فيه إلى يوم القيامة، إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } [الأعراف: 11].
الخطاب هنا للجميع لآدم وذريته، فكأنه سبحانه وتعالى يشير إلى أن الأصل الأول للخلق آدم، وهو مطمور فيه صفات المخلوقين من ذريته إلى أن تقوم الساعة وراثة، أي: أنه ساعة خلق آدم .. كان فيه الذرات التي سيأخذ منها الخلق كله. هذا عن هذا .. حتى قيام الساعة.
ولقد قلتُ: إن كل واحد منا فيه ذرة أو جزئ من آدم، فأولاد آدم أخذوا منه والجيل الذي بعدهم أخذ من الميكروب الحي الذي أودعه آدم في أولاده، والذين بعدهم أخذوا أيضاً من الجزيء الحي الذي خُلِق في الأصل مع آدم، وكذلك الذين بعدهم والذين بعدهم. والحياة لابد أن تكون حلقة متصلة، كل منا يأخذ من الذي قبله ويعطي الذي بعده. ولو كان هناك حلقة مفقودة لتوقفت الحياة، كأن يموت الرجل قبل أن يتزوج، فلا تكون له ذرية من بعده. وتتوقف حلقة الحياة. فكون حلقة الحياة مستمرة دليل أنها حياة متصلة لم تتوقف. وما دامت الحياة من عهد آدم إلى يومنا هذا متصلة، فلابد أن يكون في كل منا ذرة من آدم الذي هو بداية الحياة وأصلها. وانتقلت بعده الحياة في حلقات متصلة إلى يومنا هذا وستظل إلى يوم القيامة.
فأنا الآن حي؛ لأنني نشأت من ميكروب حي من أبي، وأبي أخذ حياته من ميكروب حي من أبيه، وهكذا حتى تصل إلى آدم، إذن: فأنت مخلوق من جزيء حي فيه الحياة لم تتوقف منذ آدم إلى يومنا هذا، ولو توقفت لما كان لك وجود.
إذن: فحياة الذين يعيشون الآن موصولة بآدم .. لم يطرأ عليها موت والذين سيعيشون وقت قيام الساعة حياتهم أيضاً موصولة بآدم أول الخلق. والحق سبحانه وتعالى حين أمر الملائكة بالسجود لآدم فإنهم سجدوا لآدم ولذريته إلى أن تقوم الساعة، وذرية آدم كانت مطمورة في ظهره، وشهدت الخلق الأول. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى:
{ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ .. } [الأعراف: 11].
فيه جزئية جديدة لقصة الخلق.
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].
أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن يقول أنه عِنْد خَلْقِ آدم خَلَقَه خليفة في الأرض، والكلام هنا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى يستشير أحداً في الخلق، بدليل أنه قال "إني جاعل" إذن: فهو أمر مفروغ منه، ولكنه إعلام للملائكة .. والله سبحانه وتعالى، عندما يحدث الملائكة عن ذلك فلأن لهم مع آدم مهمة، فهناك المدبرات أمراً، والحفظة الكرام، وغيرهم من الملائكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا المخلوق الجديد. فكان الإعلام. لأن للملائكة عملاً مع هذا الخليفة.
قد يقول بعض الناس: إن حياة الإنسان على الأرض تخضع لقوانين ونواميس. نقول: ما يدريك أن وراء كل ناموس مَلَكاً؟
ولكن هذا الخليفة سَيَخْلُفُ مَنْ؟ قد يخلف بعضه بعضاً. في هذه الحالة يكون هنا إعلام من الله بأن كل إنسان سيموت ويخلفه غيره، فلو كانوا جميعاً سيعيشون ما خلف بعضهم بعضاً، وقد يكون الإنسان خليفة لجنس آخر، ولكن الله سبحانه وتعالى نفى أن يخلف الإنسان جنساً آخر. واقرأ قوله جل جلاله:
{ ... إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } [إبراهيم: 19-20].
والخلق الجديد هو من نوع الخلق نفسه الذي أهلكه الله. والله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن البشر سيخلفون بعضهم إلى يوم القيامة .. فيقول جل جلاله:
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } [مريم: 59].
ولكن هذا يطلق عليه خَلْفٌ. ولا يطلق عليه خليفة. والشاعر يقول:

ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْـنافِهِمْ وبَقـيتُ في خَلْفٍ كَجلْدٍ الأَجْرَبِ

ولكن الله جعل الملائكة يسجدون لآدم ساعة الخلق، وجعل الكون مسخراً له فكأنه خليفة الله في أرضه، أمده بعطاء الأسباب، فخضع الكون له بإرادة الله، وليس بإرادة الإنسان، والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غِنًى وأسُدُّ فقرك .. وإلاّ تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسُدّ فقرك"
إذن: كلمة خليفة تأخذ عدة معان.
ماذا قالت الملائكة: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..}.
كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها، أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض، ولكن كلمة "سفك" وكلمة "دم" كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة. والله سبحانه وتعالى يقول:
{ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } [الحجر: 27].
فكأن الجن قد خلق قبل الإنسان. وقوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].
معنى ذلك أن علمك أيها المخلوق مناسب لمخلوقيتك، أما علم الله سبحانه وتعالى .. فهو أزلي لا نهائي. ولكن هل قال الملائكة حين أخبرهم الله بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه في أنفسهم؟ سواء قالوه أم أسروه، فقد عَلِمَه الله لأنه يعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون. وأنه يعلم السر وأخفى. فما هو السر. وما هو الأخفى من السر؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك. فما أَسِرُّ به إلى غيري، فهو السر. وما أخفيه في صدري ولا يطلع عليه أحد هو أخفى من السر. فلا يقال: أسررت إلا إذا بُحْتُ به لغيري. أما ما أخفيه في صدري، فلا يعلمه أحد إلا الله فهذا هو الأخفى من السر.
وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] أراد أن يعطي القضية بُعْدَها الحقيقي. وقد حكى القرآن الكريم قول الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} [البقرة: 30].
والتسبيح هو التنزيه عمّا لا يليق بذات المُنَزَّه. والتقديس هو التطهير مأخوذ من الْقَدَس وهو الدلو الذي كانوا يتطهرون به. ولذلك نحن نقول سُبّوح قُدُّوس. سُبّوح أي مُنزَّه عن كل ما لا يليق بجلاله. وقدوس. أي مُطَهَّرْ .. التسبيح يحتاج إلى مُسبِّح. وإلى ما نسبحه. والملائكة قالوا:
{ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ .. } [البقرة: 32].
وهذا تسبيح وتنزيه لله سبحانه وتعالى .. والتسبيح والتنزيه لا يكونان إلا للكمال المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة، والكمال المطلق هو لله سبحانه وتعالى وحده. لذلك صرف الله ألسنة خلقه عن أن يقولوا كلمة سبحانك لغير الله تعالى. فلا تسمع في حياتك أن إنساناً قال لبشر سبحانك. وهكذا صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير الله سبحانه وتعالى. وقول الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} [البقرة: 30] كأن نقول سبحان الله وبحمده. ومعناها تنزيه لله سبحانه وتعالى في ذاته .. فلا تشبَّه بذات، وفي صفاته. فلا تُشَبَّه بصفات وفي أفعاله، فلا تُشَبَّه بأفعال .. ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟ معناها أننا نُنَزِّهك ونحمدك. أي يا رب تنزيهي لك نعمة. ولذلك فإني أحمدك على أنك أعطيتني القدرة لأنزهك، والتقديس هو تطهير الله سبحانه وتعالى من كل الأغيار. ولأنك يا ربي قُدُّوس طاهر. لا يليق أن يرفع إليك إلا طاهر. ولا يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إلا طاهر.
إنه عرّفنا معنى {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} [البقرة: 30]. ثم أراد الله بحكمته أن يرد على الملائكة فقال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ولم يطلقها هكذا. ولكنه سبحانه أتى بالقضية التي تؤكد صدق الواقع.