خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ
٤
-الشعراء

خواطر محمد متولي الشعراوي

والآية هنا ليست آيةَ إقناع للعقول، إنما آية تُرْغمهم وتُخضع رقابهم، وتُخضع البنية والقالب، وهذا ليس كلاماً نظرياً يُقال للمكذبين، إنما حقائق وقعتْ بالفعل في بني إسرائيل. واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: { وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ .. } [الأعراف: 171].
فأخذوا ما آتيناهم بقوة، لماذا؟ بالآية التي أرغمتهم وأخضعتْ قوالبهم، لكن الحق - تبارك وتعالى - كما قلنا - لا يريد بالإيمان أنْ يُخضع القوالب، إنما يريد أن يُخضع القلوب باليقين والاتباع.
فلو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً، لا يتخلف منهم أحد، بدليل أنه سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبدليل أنه سبحانه بعث رسلاً وعصمهم، ولم يجعل للشيطان سبيلاً عليهم، وبدليل أن الشيطان بعد أن تعهّد أن يُغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال له:
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ .. } [الحجر: 42].
والشيطان نفسه يقول:
{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } [ص: 82-83].
إذن لو أراد سبحانه لجعلَ الناس جميعاً مؤمنين وما عَزَّ عليه ذلك، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن، فيأتي ربه طواعية مختاراً.
حتى في أمور الدنيا وأهلها، قد ترى جباراً يضرب الناس، ويُخضعِهم لأمره ونهيه، فيطيعونه طاعةَ قوالب، إنما أيستطيع أنْ يُخضِع بجبروته قلوبهم؟!
وقال: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] خَصَّ الأعناق؛ لأنها مظهر الخضوع، فأول الخضوع أنْ تلوى الأعناق، أو الأعناق تُطلَق عند العرب على وجوه القوم وأعيانهم؛ لذلك يقولون في التهديد: هذه مسألة تضيع فيها رقاب.
والمراد: الرقاب الكبيرة ذات الشأن، لا رقاب لمامة القوم، والضعفاء، أو العاجزين. ومثلها كلمة صدور القوم يعني: أعيانهم والمقدَّمين منهم الذين يملأون العيون.
والمعنى: فأنت لا تُخضِع الناس؛ لأني لو أردتُ أنْ أُخضعهم لأخضعتُهم؛ لذلك يقول تعالى في آية آخرى:
{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [يونس: 99].
فإذا كان ربك لا يُكرِه الناسَ على الإيمان، أفتُكرههم أنت؟ ولماذا الإكراه في دين الله؟ إن الحق - تبارك وتعالى - يوالي تنزيل القرآن عليهم - آية بعد آية - فلعل نجماً من نجومه يصادف فراغاً، وقلباً صافياً من الموجدة على رسول الله فيؤمن.
لكن هيهات لمثل هؤلاء الذين طُبِعوا على اللدد والعناد والجحود أن يؤمنوا؛ لذلك يقول الله عنهم:
{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً .. } [النمل: 14].
وقال عنهم:
{وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ ...}.