خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٥٦
-الروم

خواطر محمد متولي الشعراوي

قال هنا {ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ ..} [الروم: 56] فهل العِلم ينافي الإيمان؟ لا، لكن هناك فَرْق بينهما، فالعلم كسب، والإيمان أنت تؤمن بالله وإنْ لم تَرَه. إذن: شيء أنت تراه وتعلمه، وشيء يخبرك به غيرك بأنه رآه، فآمنتَ بصدقه فصدَّقْتَه، فهناك تصديق للعلم وتصديق للإيمان؛ لذلك دائما يُقَال: الإيمان للغيبية عنك، أما حين يَقْوى إيمانك، ويَقْوى يقينك يصير الغيب كالمشاهَد بالنسبة لك.
وقد أوضحنا هذه المسألة في الكلام عن قوله تعالى في خطابه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ } [الفيل: 1].
فقال: ألم تَرَ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وُلِد عام الفيل، ولم يتسَنّ له رؤية هذه الحادثة، قالوا: لأن إخبار الله له أصدق من رؤيته بعينه.
فقوله: {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ ..} [الروم: 56] لأن العلم تأخذه أنت بالاستنباط والأدلة ... الخ، أو تأخذه ممن يخبرك وتُصدِّقه فيما أخبر،
"لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل الصحابي: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً، قال: لكلِّ حقٍّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟
يعني: ما مدلول هذه الكلمة التي قلتها؟
فقال الصحابي: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها، ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون - يريد أن يقول لرسول الله: لقد أصبحتُ وكأني أرى ما أخبرتنا به - فقال له رسول الله: عرفتَ فالزم"
.
لكن، مَن هم الذين أوتوا العلم؟ هم الملائكة الذين عاصروا كل شيء، لأنهم لا يموتون، أو الأنبياء لأن الذي أرسلهم أخبره، أو المؤمنون لأنهم صدَّقوا الرسول فيما أخبر به.
وقال {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [الروم: 56] ولم يقل: علموا، كأن العلم ليس كَسْباً، إنما إيتاء من عَالِم أعلم منك يعطيك. فإنْ قُلتَ: أليس للعلماء دور في الاستدلال والنَظر في الأدلة؟ نقول: نعم، لكن مَنْ نصب لهم هذه الأدلة؟ إذن: فالعلم عطاء من الله.
ثم يقول سبحانه: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ ..} [الروم: 56] يعني: مسألة مرسومة ومنضبطة في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ ..} [الروم: 56] الذي كنتم تكذبون به، أما الآن فلا بُدَّ أنْ تُصدِّقوا فقد جاءكم شيء لا تقدرون على تكذيبه؛ لأنه أصبح واقعاً ومن مصلحتكم أنْ يقبل عذركم، لكن لن يقبل منكم، ولن نسمع لكم كلاماً لأننا قدمنا الإعذار سابقاً.
وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 56] في أول الآية قال: {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [الروم: 56] فنسب العلم إلى الله، أما هنا فنسبه إليهم؛ لأن الله تعالى نصب لهم الأدلة فلم يأخذوا منها شيئاً، ونصب لهم الحجج والبراهين والآيات فغفلوا عنها، إذن: لم يأخذوا من الدلائل والحجج ما يُوصِّلهم إلى العلم.
ثم يقول الحق سبحانه:
{فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ...}.