خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ
١٩
وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ
٢٠
وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ
٢١
وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ
٢٢
-فاطر

خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه حقائق يقررها الحق سبحانه، فالمتناقضان لا يستويان، لأن الأعمى لا يعرف مواقع الأشياء من حركته، والبصير يعرف مواقع الأشياء من حركته، البصير يرى مواقع الأشياء ويتفادى الأخطار، أما الأعمى فلا بُدَّ له من مرافق يتطوع بصداقة عينه السليمة للعين الغائبة، لذلك نقول: إنْ أعطى الأعمى للعمى حقه صار مبصراً، كيف؟ لأنه لا يتكبر أن يستعين بالمبصر، فحين ينادي على مَنْ يأخذ بيده تتسابق إليه كل العيون من حوله لتساعده، أما إنْ تعالى فسرعان ما (يندب) على وجهه.
والعمى والبصر حِسِّيات توضح المعنوي، فالمراد لا يستوي الجاهل والعالم؛ لأن حركة الحياة تنقسم إلى حركة مادية: تأتي وتذهب، تزرع وتقلع .. إلخ وحركة قيمية معنوية، وهي الروحانيات والأخلاقيات العالية، مثل معاني: الإيمان، الصدق، الوفاء، العدل، الرحمة .. إلخ.
وإذا كانت الحركة المادية الحسية تحتاج إلى نور حسيٍّ يهديك حتى لا تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك فتحطمه، فكذلك الحركة القيمية المعنوية الروحية تحتاج إلى نور معنوي يهدي خُطَاك كي لا تضلّ، هذا النور المعنوي هو المنهج الذي قال الله فيه:
{ { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [المائدة: 15-16].
فالشمس هي النور الحسي، والقرآن هو النور المعنوي؛ لذلك قلنا في قوله تعالى:
{ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [النور: 35] أي: مُنوِّرهما بالنُّوريْن.
الحق سبحانه سبق أنْ ذكر لنا التقابل بين الماءيْنِ العذب والمالح، فقال سبحانه:
{ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } [فاطر: 12] نعم، لا يستويان، لكن العلاقة بينهما علاقة تقابل كالليل والنهار، لا علاقة تضادٍّ كالأعمى والبصير، بدليل أن الله جمعهما معاً، فقال: { وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } [فاطر: 12] فإن اختلف المتقابلان، فلكل منهما مهمة يؤديها، فهما متساندان لا متعاندان.
وبعد أن ذكر الحق سبحانه عدم استواء الأعمى والبصير يقول: {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20]، لأن النور هو مصدر الإبصار فالمبصر لا يرى شيئاً في الظلمة.
هذا في العمى والبصر الحسي، أما القيم والمعنويات فلها مقياس آخر؛ لذلك يقول تعالى:
{ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ } [الحج: 46]، فقد يكون الرجل مبصراً وهو أعمى بصيرة. والأعمى في المعنويات هو الذي يجهل الحكم الذي يهديه إلى منطقة الحق في كل القيم، والبصير هو العالم بهذه الأحكام.
وحين تتأمل أسلوب هاتين الآيتين. تجد فيهما ملمحاً من ملامح الإعجاز في كلام الله، فالأولى {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} [فاطر: 19] قرنت بين الاثنين باستخدام واو العطف، أما الأخرى {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20] فذكرت (لا) النافية الدالة على توكيد عدم الاستواء، فلم يَقُل الحق سبحانه كما في الأولى: ولا الظلمات والنور، لماذا؟
قالوا: لأن العمى والبصر صفتان قد تجتمعان في الشخص الواحد، فقد يكون أعمى اليوم ويبصر غداً، قد يكون جاهلاً ويتعلم، أو كافراً ويؤمن، فيطرأ عليه الوصفان؛ لذلك لم يؤكد معنى عدم الاستواء، أما الظلمات والنور فهما متقابلان لا يجتمعان.
كما تلحظ في دقة الأداء القرآني؛ لأن الحق سبحانه هو المتكلم، فقال: {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20] فالظلمات جمع والنور مفرد؛ لأن مذاهب الضلال شتى، فهذا يعبد النجوم، وهذا يعبد الأصنام، وهذا يعبد الملائكة .. الخ. أما النور فواحد، هو منهج الله المنزل في كتابه.
لذلك لما أراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلِّم أصحابه هذا الدرس خَطَّ لهم خطاً مستقيماً، ومن حوله خطوط متعرجة، ثم تلا:
{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153].
ثم يقول سبحانه: {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} [فاطر: 21] وهما أيضاً متقابلان لا يجتمعان، كذلك {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} [فاطر: 22] وتلحظ هنا أن الحق سبحانه أعاد ذكر الفعل المنفي {وَمَا يَسْتَوِي} [فاطر: 22] لتأكيد عدم الاستواء بين الحي والميت.
وكذلك ذكر (لا) النافية الدالة على التوكيد؛ لأن كلمة الأحياء تعني المؤمنين الإيمانَ الحق، الذين يستحقون حياة أبدية باقية تتصل بحياتهم الدنيوية الفانية، أما الأموات فهم الكفار الذين تأبَّوْا على منهج الله. أو: أن الأحياء هم الذين عرفوا أن الحياة الحقة هي العيش بمنهج ربهم الذي يؤدي بهم إلى الحياة الحقيقية الباقية التي قال الله عنها:
{ { وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [العنكبوت: 64].
وهذه هي الحياة المرادة في قوله تعالى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال: 24] كيف وهو يخاطبهم وهم أحياء بالفعل؟ إذن: المعنى يُحييكم الحياة الحقيقية التي لا تنتهي بموت، ولا تُسلب منها نعمة.
ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه:
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا .. } [الأنعام: 122].
ومن المعاني التى نفهمها من عدم استواء الأحياء والأموات أن الحيَّ خلقه الله وأمدَّه بأجهزة نفسية: عقلاً، وأعصاباً، وعضلات، وسمعاً وبصراً.. الخ وهذه الأعضاء لها قيمة، ولها مهمة، وعليه أنْ يستخدم هذه النعم استخداماً يجعلها وسائل لِنِعَم أخرى، ثم ليعلم أنه في رحلة حياته لا بُدَّ أنه سيموت، لكن ربه عز وجل أبهم له أجله ليكون ذلك عَيْن البيان، وليظل على ذِكْر له طوال الوقت وينتظره في كل لحظة، فعمرك محسوب بعدٍّ تنازلي، وسهم الموت أُطلِق في اتجاهك بالفعل، وعمرك بقدر وصوله إليك.
بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الحال في التكليفات فقال: لا يستوي الأعمى الجاهل بأصول دينه والبصير العالم بها، ولا يستوي نور الإيمان والهداية مع ظلمات الضلال، يتكلم سبحانه عن المآل، فيقول: {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} [فاطر: 21] الظل كناية عن نعيم الجنة، وفي موضع آخر قال:
{ ظِـلاًّ ظَلِيلاً } [النساء: 57] والحَرُور كناية عن العذاب وشدة حَرِّه.
ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم ومُسلِّياً له: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} [فاطر: 22] النبي صلى الله عليه وسلم جاء على كفر وجهالة من قومه، فكانت دعوته أنْ يخرجهم من العمى والجهالة إلى ما ينير بصائرهم ويُخرِجهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان.
وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية قومه يكاد يُهلك نفسه في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } [الكهف: 6].
كذلك هنا يخاطبه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} [فاطر: 22] أي سماع هداية إقبال، وإلا فَهُمْ جميعاً يسمعون، لكن هناك سماعُ إعراضٍ وسماعُ إقبال، منهم مَنْ يقبل ويؤمن ويتأثر بكلام الله، ومنهم مَنْ يسمع ثم يُعرض وينصرف عما سمع؛ لذلك قال الله فيهم:
{ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } [الأنفال: 23].
إذن: يا محمد، لقد أديتَ ما عليك نحوهم، وخاطبتَهم خطابَ هداية، وخطابَ تهديد ووعيد، فلم يسمعوا {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} [فاطر: 22] فجعلهم الله لعدم سماعهم كالأموات، وإلا
"فرسول الله خاطب أهل قليب بدر من الكفار حين وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل أليس وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.
فقال عمر: أتكلمهم وقد جَيَّفوا؟ قال صلى الله عليه وسلم: والله، ما أنتم بأسمعَ منهم، ولكنهم لا يتكلمون"
.
فالمعنى: ما أنت بمسمع السماع المؤدي إلى الهداية، كما أنك لا تُسمع مَنْ في القبور؛ لأن زمن السماع وقبول الهداية انتهى بالموت.
لكن إذا كان رسول الله لا يُسمع مَنْ في القبور، فما مهمته؟ يقول سبحانه بعدها:
{إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ}.