خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ
٢
أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ
٣
-الزمر

خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق هو الأمر الثابت الذي لا تأتي أغيار الزمن فتنقضه، وما دام الحق ثابتاً لا يتغير فلا يغرنك عُلُوُّ الباطل إنْ علا يوماً من الأيام؛ لأن عُلُو الباطل من ثبات الحق، فالباطل حين يعلو يعضُّ الناسَ، ويشقى به الخَلْقُ، ويكتوون بناره، وعندها يتطلعون للحق ويتشوَّقون إليه.
فكأن الباطل جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان. فالله تعالى لا يسلم الحق أبداً، ولكن يتركه فترة حتى يعلوَ الباطلُ عليه ليبلوَ غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غار هو عليه.
{فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ} [الزمر: 2] يعني: ما دُمْنا قد أنزلنا إليك الكتاب بالحق فانظر ماذا في الكتاب، فيه منهج افعل كذا ولا تفعل كذا، فيه تكليفٌ للجوارح، ولابُدَّ أنْ يسبق العمل بالتكليف اقتناعُ القلب بالمكلف والإيمان به.
فأنت حين تقف أمام قضية صعبة تعجز عن التفكير فيها، أو أخذ قرار تذهب إلى مَنْ شُهِد له بالحكمة أو العلم والرأي ليفكر لك ويُعينك على أمرك، فمثل هذا الرجل تأتمنه وتسلم له زمام أمرك؛ لأن رأيه يصلحك.
إذن: لا بُدَّ قبل العمل بافعل ولا تفعل أنْ تثقَ وتتيقن بمن كلَّفك، وهذا هو الإيمان الذي ينبغي أنْ يسبق العملَ. لذلك نقول: لا ينفع إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، واقرأ قول الله تعالى:
{ { قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 14].
لذلك قال تعالى: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] فشرْطُ العبادة الإخلاص، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر معبوده ونَهيه، وهذا التحديد لمعنى العبادة يُبطل عبادةَ كلِّ ما سِوَى الله تعالى، فالذين عبدوا غير الله من شمس أو قمر أو نجوم أو أشجار أو أحجار عبدوا آلهة - كما يزعمون - بلا منهج وبلا تكاليف.
إذن: فكلمة العبادة هنا خطأ وهي باطلة، فماذا قالت لهم هذه الآلهة؟ بِمَ أمرتْهُمْ وعَمَّ نَهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن كفر بها؟ فأول ما يُبطل عبادة غير الله أنها آلهة بلا منهج وبلا تكاليف.
أما الذين قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} [الزمر: 3] فالله سبحانه نهى عن هذه الزُّلْفى، ونهى أنْ يكون بينه وبين عباده واسطة أو وسيلة.
ثم إن الحق سبحانه أراد أنْ ينبه الخَلْقَ إلى بديع صُنْعه، وإلى هذا الكون المكتمل، وهذه الهندسة الدقيقة في كل جزئياته، وأن هذا الكون فيه كل مُقوِّمات الحياة وكل الأنواع الواهبة للخير، فهل ادعاه أحد لنفسه؟
هل قال أحد: إني خلقتُ هذا الكون مع كثرة الملحدين والمنكرين لوجود الله؟ لم يحدث أبداً شيء من هذا. إذن: الدعوة تثبت لمدعيها طالما لم يقم لها معارض، فالله تعالى هو الخالق وحده، وهو المستحق للعبادة وحده، وما دونه ضلال وباطل.
لذلك قال سبحانه:
{ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } [الإسراء: 42] يعني: ذهبوا إليه ليناقشوه كيف أخذ الخَلْق منهم؟ وكيف ادعاه لنفسه؟
ومعنى {مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] يعني: اجعل الدينَ خالصاً لوجه الله، وامنع الرياء لأن الذي ترائيه لا يملك لك من ثواب العمل شيئاً، فالمرائي الذي يرائي مثلاً في صدقته ينفع المحتاج بالصدقة، وهو لا ينتفع بها؛ لأن الله تركه يأخذ أجره مِمَّن يرائيه، والعبد مثلك لا يملك لك شيئاً.
وفَرْق في المعنى بين مُخْلِص بالكسر، ومُخْلَص بالفتح: المخلَص هو مَنْ يسبق عطاء الله لَه بالإخلاص فيخلص، أما المخلص فيصل بعطاء إخلاصه إلى عطاء الله. قلنا زمان: من الناس مَنْ يَصل بطاعة الله إلى كرامة الله يعني: ألحَّ في الطاعة وداوم طَرْق الباب حتى فُتِح له.
وآخر يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، يعني: ربه يختاره للطاعة ويخطفه من الخلق أو من المعصية إلى الطاعة، مثل كثيرين من المتصوفة، ومثال ذلك القاضي عياضرحمه الله ، فقد كان في بداية أمره قاطعَ طريق، وفي يوم خرج كعادته يقطع الطريق على الناس، فسمعهم يقولون: لا تمروا من هنا فعياض على هذا الطريق، نزلت هذه الكلمات على عياض نزولَ الصاعقة، فكيف يهابه الناس ويخافونه لهذه الدرجة، فأخذ يُؤنِّب نفسه وعزم على التوبة، وقال: ياربّ تُبْ عليَّ حتى يأمنَ هؤلاء. فتاب الله عليه.
فلما استقام سأله الناس الذين يعرفون حقيقته: ما جرى لك يا عياض، يعني: كيف صِرْتَ من الأولياء، بعد أن كنتَ قاطع طريق؟.
قال: والله إني لأعرف سببها، لقد مررتُ يوماً بسوق البطيخ - أظن في بغداد - فوجدت ورقة من المصحف ملقاةً على الأرض يدوسها الناس فأخذتها ونظفتُ ما بها من الأذى، ثم طيَّبتها بدرهم لم يكُنْ معي غيره، ثم وضعتها في شق عال، قال: والذي نفسي بيده لقد سمعتُ بعدها منادياً ينادي: لأطيبنَّ اسمك كما طيبتَ اسمي وكانت هذه الحادثة أول عهد عياض بالولاية.
لذلك ورد أن النبي صلى الله قال:
"إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته فلا تحقرن طاعةً أبداً، واعلم أن الله غفر لرجل لأنه سقى كلباً يلهث من العطش، وهذا العمل يدل على محبة طاعة الله وإلا فماذا يأخذ الرجل من الكلب؟ أم تراه ينافقه؟ إذن: ليس إلا حب الطاعة.
وأخفى غضبه في معصيته فلا تحقِرنَّ معصية أبداً، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
وأخفى أسراره في خلقه كما أخفى أمر عياض وتاب عليه"
.
ثم يقول سبحانه: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3] بعد أنْ خاطب الحق سبحانه نبيه بقوله: {فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 2] أراد سبحانه أنْ ينبه الأذهان إلى أهمية الإخلاص لله تعالى، فجاء بهذا الحرف الدال على الاستفتاح (ألا).
وهذا الأسلوب يتبعه العربي في كلامه، لأن المتكلم أمير نفسه يتكلم في أيِّ وقت شاء، وهو يعي ما يقول وله خيار فيما يقول أمَّا السامع فليس له خيار فربما كان مشغولاً عن المتكلم فيفوته بعض الكلام؛ لذلك على المتكلم أنْ ينبهه من غفلته، وأنْ يُهيِّئه لأنْ يسمع، لا سيما إنْ كان الكلام مهماً أو نفيساً لا ينبغي أن يفوتك منه شيء؛ لذلك قال سبحانه: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3].
ونلحظ أيضاً هنا أسلوبَ القصر في تقديم الجار والمجرور {لِلَّهِ} [الزمر: 3] على المبتدأ الدين الخالص، فلم يَقُلْ سبحانه الدين الخالص لله، لأنها تحتمل أن نقول: ولغيره، أمَّا قوله {لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} [الزمر: 3] أي: له وحده، فقصرت إخلاص الدين على الله تعالى دون غيره، تقول: هذا المال لزيد. ولزيد هذا المال.
لكن، لماذا لله الدين الخالص؟ قالوا: لأن الدينَ شرعُ الله هو الذي شرعه، وهو سبحانه الذي يُجازي عليه، فاحذر إذن أنْ يكون عملك بمنهج الله مقصوداً به غير الله؛ لأن غير الله لم يشرع لك، ولا يستطيع أنْ يعطيك أجر العمل. فكأن الله تعالى يريد أنْ يُحَصِّن حركة الإنسان في كل شيء، بحيث تعود عليه كل حركاته بالخير؛ لذلك دَلَّهُ على الطريق الذي يؤدي به إلى الخير، وهو طريق إخلاص العبادة لله وحده.
ثم يذكر سبحانه مقابل إخلاص العبادة لله، فيقول: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} [الزمر: 3] قائلين ومبررين موقفهم حين تبيَّن لهم كذبهم في عبادة ما دون الله، وحين تقول لهم إن هذه الآلهة لا ترى ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وحين تضيق عليهم الخناق يقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} [الزمر: 3].
والذي يُقرِّبك إلى الله لا بُدَّ أنْ يكون مشهوداً بالتبعية لله تعالى، وهذه الآلهة التي تعبدونها ليست مشهودة بالتبعية لله تعالى، بل هي من صُنْعكم أنتم ومن نَحْت أيديكم، وإذا أطاحت به الريح أقمتموه في مكانه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه.
إذن: فعبادتكم لها باطلة، وأنتم كاذبون في هذه العبادة {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: 3] كلمة الحكم لله كلمة ترهب، لأن حكمَ الله هو الحق الذي لا يُحابي أحداً، فالمؤمن حين يسمع هذه الكلمة يطمئن، لأنه سيأتي يوم لا يكون الحكم فيه إلا لله كما قال سبحانه: (إن الحكم إلا لله) أي: لله وحده لا لغيره، لذلك أنت لا تقول لخصمك: أنا حكَّمت الله بيني وبينك إلا وأنت واثق أن الحق معك.
لذلك يغضب بعض الناس لو قلت لأحدهم: الله وكيل بيني وبينك. ولو كان على الحق لا يخاف شيئاً لقال وأنا رضيتُ هذه الوكالة وقبلتُ بها، لكن كونه يغضب حين نُحكِّم الله فيما بينكما، فهذا دليل على أنه يخاف هذا الحكم لأنه على باطل.
ثم إن حكم الله سيأتي في وقت لا حكمَ فيه إلا لله
{ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } [الأنعام: 57].
ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ} [الزمر: 3] نعم لا يهديه الله، لأن الكاذب الكفَّار ليس أهلاً لعطاء الهداية؛ لأن الله تعالى هدى الكل هدايةَ الدلالة والإرشاد، فمَنْ آمن منهم زاده هداية المعونة والتوفيق، قال سبحانه:
{ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } [محمد: 17].
وسبق أن ضربنا مثلاً لذلك قلنا: إن رجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق ينظم المرور ويرشد الناس، فحين تسأله أين الطريق إلى الأسكندرية مثلاً يقول لك من هنا، فتتوجه إلى حيث أرشدك، وقبل أنْ تفارقه قلت له: جزاك الله خيراً، لقد كدتُ أضلّ الطريق، وأذهب من هنا ومن هنا، لولا أن الله يسَّر لي أنْ أقابلك، فقال لك: والله أنت رجل طيب تستحق كل خير، لكن في هذا الطريق منطقة خطر سأركب معك حتى أساعدك في المرور منها.
إذن: لما أطعتَهُ في الإرشاد الأول زادكَ بالمعونة والمساعدة، كذلك الحق - سبحانه وتعالى - مَنْ يستجيب لهداية الدلالة والإرشاد فيؤمن يزيده هداية أخرى، هي هداية التوفيق والمعونة.
والكاذب الكفَّار هو الشديد الكفر الذي لا ينتفع بإرشاد، ولا هداية.