خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ
٨٨
فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٨٩
-الزخرف

خواطر محمد متولي الشعراوي

كلمة (قِيلِه) مصدر لقال، نقول: قال قولاً ومقالاً وقيلاً، فمعنى (قيله) يعني قوله، قول مَنْ؟ قول سيدنا رسول الله يخاطب ربه {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} [الزخرف: 88] كفار مكة {قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88].
لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أُوذِي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءاً وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرَّيْن، ومع ذلك لم يذكر شيئاً عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقُلْ: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88].
هذا الذي حَزَّ في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قطّ ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غَيْرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه.
هذا المعنى الذي عبَّر عنه أحمد شوقي في قوله:

فَإذَا غَضبْتَ فَإنما هِيَ غَضْبَةٌ لِلحقِّ لاَ ضِغْنَ ولاَ شَحْنَاء

ومعنى الواو في أول الآية (وَقِيله) هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] يقول: وبحق هذا القول.
وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأُعذبنهم عذاباً يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكُلُّ ما عليك يا محمد أنْ تصفح عنهم.
{فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} [الزخرف: 89] لأن الصفح عنهم سيجذبهم إلى ساحة الإيمان بك، وسوف يكون من هؤلاء جند من جنود الإسلام، وبالفعل رأينا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص وغيرهم من صناديد الكفر يصيرون قادةً في صفوف المسلمين.
وفي آية أخرى قال سبحانه:
{ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } [الحجر: 85] لأنك قد تصفح عَمَّنْ أساء إليك، لكن يبقى عندك شيء من الغيظ والغضب أو الحقد عليه، أما الصفح الجميل فهو الصفح الذي يصاحبه تسامح يقتلع كلَّ جذور الغضب والغيظ والحقد.
وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصفح عنهم صَفْحاً جميلاً ولا تغضب، لأن غضبك يؤثر فيك ويؤثر في تكوينك ووراءك رَبٌّ يغضب لك فلا تغضب أنت، وهذا أدب عَالٍ يُعلِّمنا إياه الإسلام.
معلوم أن الشارع الحكيم لا يحاسبك على خواطر نفسك وخلجات صدرك طالما لم تُترجم إلى عمل ونزوع، وبعد ذلك يسمو بك فيدعوك إلى التخلّص من مجود هذه الخواطر إنْ كانت خواطر شَرٍّ تجاه الآخرين.
وهذه مراحل تعلّمناها من قوله تعالى:
{ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } [آل عمران: 134] فالمرحلة الأولى كظم الغيظ، والثانية العفو، وفي هذه المرحلة تتخلص من كلِّ خواطر الشر في نفسك، بحيث تراها صافية ليس فيها بقايا من غيظ أو كُرْه أو حقد.
ثم المرحلة الأخيرة وهي أنْ تُحسن لمَنْ أساء إليك، وهذه مرحلة الخواصّ الذين عرفوا سماحة الشرع ونظروا إلى ما عند الله. كثير من الناس يتعجَّبون من مسألة أنْ تُحسن إلى مَنْ أساء إليك، كيف يلزمنا بها الشرع.
نقول: هَبْ أن أحد أولادك ضرب الآخر، وجاء المضروب يبكي ويشتكي، فإلى مَنْ تَحِنُّ وعلى مَنْ تعطف؟ على الضارب أم على المضروب، كذلك الحق سبحانه يكون في جانب الضعيف المتسامح الذي يُحسن إلى مَنْ أساء إليه.
والحسن البصري رضي الله عنه بلغه أن رجلاً شتمه فأرسل إليه هدية طبقاً من الرُّطَب، فلما سُئِل عن ذلك قال: لأنه أهدى إليَّ حسناته.
وقوله: {وَقُلْ سَلاَمٌ} [الزخرف: 89] والتقدير: قُلْ لهم سلام عليكم. ونفهم من هذا أن كلمة (سلام) هكذا بدون (عليك) وحدها تُقال لمَنْ كان بينك وبينه خصومة وتريد أنْ تفارقه، ونجن نقولها في واقع حياتنا حينما تختلف مع شخص آخر ولا تصل معه إلى حَلٍّ تقول له سلام، لذلك سيدنا إبراهيم في جداله مع أبيه قال له:
{ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ } [مريم: 47] أي: سلام وَدَاع ومفارقة لا سلامَ تحية.
وقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] يعني: لما تفعل هذا سوف يعلمون عاقبةَ ما قُلته، وسوف يعلمون كيف أُعاقبهم على تكذيبهم لك.