خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ
٥١
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٥٢
يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ
٥٣
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ
٥٤
-الدخان

خواطر محمد متولي الشعراوي

الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يُزيد الصورة وضوحاً.
وقد فَطِن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:

فَالوَجْهُ مثْلُ الصُّبْح مُبْيضٌ وَالشَّعْر مثْل الليْل مُسْودّ
ضِدّانِ لمَّا استجْمعَا حَسُنَا وَالضُّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضدّ

ومن ذلك قوله تعالى: { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [الانفطار: 13-14] وعليك أنت أنْ تعقد مقارنة وأنْ تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أنْ حدثنا عن مصير المجرمين وما أعدَّه لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعدَّه لهم من النعيم.
{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقايةَ صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقايةً، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله.
لذلك قال تعالى
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ .. } [البقرة: 278] وقال: { فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ .. } [البقرة: 24] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يُؤدِّيان نفس المعنى.
وقوله {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مُقوِّمات المسكن أنْ يكون آمناً تأمن فيه على نفسك ومالك.
لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بدَّ أنْ نوفر لها أولاً مقوِّمات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقوِّمات أنْ تكونَ بعيدةً عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمناً من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائماً أو قاعداً قمتَ ووقفتَ له.
فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المَقام، فوق الأمن في المُقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه
{ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً .. } [البقرة: 126] يعني: أمناً عاماً كما يشترط في أيِّ بلد.
فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال:
{ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً .. } [إبراهيم: 35] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً .. } [آل عمران: 97] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت.
لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى:
{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } [آل عمران: 97] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية.
وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى:
{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } [آل عمران: 97] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله.
إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب.
ومن ذلك قوله تعالى:
{ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ .. } [النور: 26] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية.
لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين.
والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ.
إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام.
وقوله تعالى: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 52] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة.
وقال {وَعُيُونٍ} [الدخان: 52] لأن الجنات لابدَّ لها من عيون تروي زرعها، وتُغذِّي ثمارها، وبعد أنْ ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53].
السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضاً على الرفاهية والرِّياش الدَّال على الفخفخة؛ لأن اللباسَ منه الضروريّ الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يُزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن (فلان متريش) يعني: عنده رفاهية في عيشه.
قال تعالى:
{ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ .. } [الأعراف: 26].
إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يُواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قُصارى ما تأخذه من اللباس هو ستْر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أنْ ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تُستر.
أما لباس التقوى فهو زينةٌ لك في الدنيا ونجاةٌ لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود؛ لذلك قال سبحانه:
{ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ .. } [الأعراف: 26].
نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أنْ ذكر ما أعدَّه للكافرين من عقاب ذكر ما أعدَّه للمؤمنين به المُصدِّقين برسله، وجعل يوم القيامة يوماً للفصل بينهما
{ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ } [الدخان: 40].
والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتُّع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مُقوِّمات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام.
فهم فيه سواء لأنه ربُّهم جميعاً وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابدَّ أنْ يضمَنَ لهم مُقوِّمات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلَّم عن اللباس قال:
{ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ .. } [الأعراف: 26] ولم يخُصَّ المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. { { قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ .. } [الأعراف: 26] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يُواري العورة، وفي الرياش الدال على الأُبَّهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من مُتع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصَله عن سابقيه، لأنه لباسٌ خاصّ بأهل الإيمان.
إذن: بعد أنْ سوَّى الله بيننا جميعاً في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفَصْل، حيث يأخذ كلٌّ منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغَلْي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين.
كلمة (سُنْدس) و (إستبرق) من أصل فارسي دخلتْ العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارتْ على ألسنة العرب؛ لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضةَ أنْ تستخدم اللغةُ ألفاظ لغة أخرى.
وما دامتْ هذه الكلمات دخلتْ على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءاً من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلاً نستخدم كلمة (بنك) وهي غير عربية، وربما نجدها أخفَّ وأرقّ من كلمة مصرف العربية.
وقوله تعالى: {مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53] في وَصْف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدلُّ على الأُنْس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة {مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53] تدل على أُنْس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم.
ثم يقول سبحانه: {كَذَلِكَ ..} [الدخان: 54] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، تقول: زوَّجته فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى.
أما زوَّجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] تعدَّتْ بالباء.
فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط.
وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن.
وقوله {بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحَوَر صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين (وعِين) جمع عَيْناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما.
إنك إذا نظرتَ إلى فمها لوجدتَ أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أنْ تتخيَّل هذا المنظر.
ولما كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا.
أرأيتم مثلاً ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها، فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر طعمه، وجعل الماء غير آسن.
كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة يجد الزوجُ زوجته في الدنيا على هيئة أخرى؛ لأن الله تعالى طهَّرها له ونقَّاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا.
فلو كانتْ مثلاً غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سيُنشئهنَّ نشأةً جديدة:
{ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ } [الواقعة: 35-38] وقال { وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ .. } [آل عمران: 15].
إذن: قوله سبحانه: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] هذه الباء نفهم منها أنه زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا.
وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ الأعين.