خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٤
-الجاثية

خواطر محمد متولي الشعراوي

السياق القرآني هنا ينقلنا من النظر في آيات السماوات والأرض إلى النظر في ذات أنفسنا، كما قال سبحانه: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21] فالدليل على الوجود الأعلى لا يقتصر على آيات السماوات والأرض، فالإعجاز في الذرَّة كما هو في المجرَّة، وفي جسم الإنسان وأعضائه آيات وعجائب.
وقد عبَّر الشاعر عن ذلك حين قال:

وتَحسَبُ أنَّكَ جرْمٌ صَغيرٌ وَفيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأكبر

وكلمة {خَلْقِكُمْ ..} [الجاثية: 4] ساعة تسمع كلمة الخَلْق تفهم منها الإيجادَ من العدم، كان الشيء معدوماً فأوجده الله، والخَلْق لا يُطلق على الحدث إنما يُطلق على المخلوق؛ لذلك قال تعالى: { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ .. } [لقمان: 11] فمعنى خَلْق هنا يعني مخلوق. وبمعنى الحدث في { مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ .. } [لقمان: 11].
فقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ ..} [الجاثية: 4] أي: من الآيات الكونية خلقكم أي البشر. عملية الخَلْق لها مراحل هي التي مَرَّ بها سيدنا آدم حيث لم يكُنْ موجوداً فأوجده الله من العدم، فكان طيناً فسوَّاه ونفخ فيه الروح فدبَّتْ فيه الحياة وصار إنساناً، ثم جعل نسله من بعده بالتزاوج بين الذكر والأنثى.
إذن: في خَلْقنا مرحلتان مرحلة الخَلْق الأول لأبينا آدم، ومرحلة البَثِّ والنشْر عن طريق التكاثر، لذلك قال سبحانه في آية أخرى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً .. } [النساء: 1].
إذن: لنا خَلْق من عدم وبَثٌّ أي نشر، وانتشار من التناسل، أما الدواب فلم يذكر فيها إلا مرحلة البث {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ..} [الجاثية: 4] أي: ينشر، فأين مرحلة خَلْقها؟
أولاً: الدابة هي كلُّ ما يدبّ على الأرض غير الإنسان، وفي اللغة لوْنٌ من الأسلوب يُسمُّونه (الاحتباك) وهو باب من أبواب البلاغة يعرفه المتخصصون فيها.
والاحتباك أن يكون في الكلام شيئان يُوضح أحدهما الآخرَ، ويغني عنه، وأوضح مثال على ذلك في القرآن قوله تعالى:
{ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ .. } [آل عمران: 13].
فقوله
{ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ .. } [آل عمران: 13] دلَّ على أن الأولى مؤمنة، أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فدلَّ المذكور على المحذوف بالمقابلة.
فالمعنى في قوله تعالى: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} [الجاثية: 4] أتى بالخَلْق في الأولى وترك البث، وأتى بالبثِّ في الثانية وترك الخَلْق، وعليه يكون المعنى: وفي خلقكم وما بثَّ منكم، وفي خلق الدواب وما بثَّ منها.
{ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] فالحق سبحانه عرَّفنا كيفية الخَلْق الأول من العدم بخلقه لآدم، وأخبرنا بمراحل هذا الخَلْق حتى استوى آدمُ إنساناً كاملاً يتحرَّك ويسعى في الأرض ولم يذكر تفاصيل خَلْق غيره لنقيسَ نحن على ما عرفناه.
فلما تكلَّم عن حواء قال:
{ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. } [النساء: 1] يعني: على طريقتها، كذلك لم يتكلم في خَلْق الدواب لأنها تُقاس على خَلْق آدم.
ولا شكَّ أن المتأمل في خَلْق الإنسان والدوابّ يجد الكثير من الآيات والمعجزات الدالَّة على طلاقة القدرة للخالق سبحانه، ففي الخَلْق الأول طلاقَةُ قدرة حيث خلق من العدم وعلى غير مثال سابق، فأوجد آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق منه حواء فكانت من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وخلق عامة الخَلْق من أب وأم.
إذن: طلاقة القدرة استوعبتْ كُلَّ احتمالات المسألة عقلياً، حتى ولو مرة واحدة ليحدثَ بها الدليلُ والإعجاز وليثبت الحقّ لنفسه سبحانه:
{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [يس: 82].
والذي يملك العطاء يملك المنع، فقد تتوافر دواعي الخَلْق والإنجاب لكن لا يحدث
{ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً .. } [الشورى: 49-50].
وتعرفون من قصة سيدنا زكريا عليه السلام كيف أنه لم يُنجب حتى بلغ من الكِبر عِتياً، وكانت امرأته عاقراً حتى إنه يئس من هذه المسألة، فلما أراد الله أنْ ينجب طَوَّع له الأسباب وبشَّره بولد وأيضاً سمَّاه له.
هذه كلها آياتٌ من آياتِ الخَلْق، وهي كثيرة وممتدة، ففي كل مرحلة من مراحلها إعجازٌ وقدرة، بدايةً من اللقاء بين الزوج والزوجة والتقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، فإنْ تمَّ تخصيب البويضة حدث الحمل وتحوَّل الدم في غذاء للجنين فهو رزقه حتى يُولد، وإن لم يحدث الحمل نزل هذا الدم في فترة الحيْض.
وهذا يعني أن الخالق سبحانه حين يخلق الإنسانَ يخلق معه رزقه، فالجنينُ لا يتغذَّى بغذاء أمه إنما بغذائه الخاص، بدليل أن الأم لا تستفيد بهذا الدم إنْ لم يحدث حمل.
وقوله سبحانه: {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] من اليقين وهو الإيمان والعقيدة الراسخة التي استقرتْ في القلب، بحيث لا يتطرق إليها شك، وبحيث لا تطفو إلى العقل ليناقشها مرة أخرى، فهي عقيدة يعني القلب معقود عليها.
وسبق أنْ بيَّنا هذه المسألة بأن الحواسَّ تنقل المحسَّات والقضايا إلى العقل الذي يُفاضل بينها ويُغربلها، فما اقتنع به استقرَّ في القلب عقيدةً ومبدأ يسير عليه ويؤمن به بحيث لا يطفو للعقل مرة أخرى.
هذا اليقين درجاتٌ أولها علم اليقين، وعين اليقين، ثم حَقُّ اليقين، فعلم اليقين حين يُخبرك بالخبر صادقٌ لا تشكّ في صِدْقه، وعين اليقين حين تراه بعينك، وحَقُّ اليقين هو أنْ تباشره بنفسك.
وقلتُ: أننا ذهبنا مرة إلى إندونيسيا، ورأينا هناك أصبع الموز قرابة نصف المتر، فلما عُدْتُ أخبرتُ أولادي بذلك، فصار عندهم علم بذلك لأنهم يثقون بي ويعرفون أنِّي لا أكذب.
فلما رأيتُهم مندهشين من الخبر فتحت (الشنطة) وأخرجتُ منها أصابع الموز، فلما رأوْها صار عندهم عَيْنُ اليقين بهذه القضية، لكن لعله شيء آخر غير الموز أو نموذج من مادة أخرى، فأخذنا الموز وقطَّعناه وأكلنا منه فتحوَّلت المسألة إلى حق اليقين.
وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في القرآن الكريم في سورة التكاثر:
{ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } [التكاثر: 5-7] وفي سورة الواقعة: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 95-96].