خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ
٤
-محمد

خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [محمد: 4] أي: في ساحة القتال، ودارتْ بينكما رحَى الحرب {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ..} [محمد: 4] المصدر ضرب بمعنى: اضربوا رقابهم.
والمراد: القتل سواء بضرب الرقاب أو غيره، لكن ذكر ضرب الرقاب لأنه الآكد في القتل {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ ..} [محمد: 4] يعني: أذهبتم حركتهم وأضعفتموهم عن المقاومة، ومادة ثخن هي نفسها تخن، أي: تماسك وصار ثقيلاً لا يتحرك.
نفهم هذا المعنى حينما نتأمل مثلاً ربة البيت وهي تطبح أرزاً باللبن أو بصارة أو تغلي العسل لتصنع منه المربى، فمع الغليان يتبخر الماء وتبقى مادة تخينة ثقيلة، لذلك لا تتحرك مع الغليان، وتكون حرارتها شديدة، نقول: ثخن الشيء أو تخن.
{فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ..} [محمد: 4] يعني: قيّدوهم واربطوهم بالسلاسل والحبال، وأحكموا قيدهم ليكونوا أسرى في أيديكم ولا يفروا. وهذا يعني أنك إذا تمكنتَ منه لا تتركه {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ..} [محمد: 4].
إما أنْ تُطلقوهم وتُسرحوهم (مناً) بلا مقابل أو (فداءً) أي: تأخذون منهم الفدية. لكن متى؟ تطلقون سراحهم بلا مقابل في حالة ما إذا تركوا أسرانا عندهم بلا مقابل، وتأخذون الفدية إذا طلبوا هم أخْذ فدية لأسرانا عندهم.
وهذه يسمونها المعاملة بالمثل، وهي ما انتهتْ إليه الأمم المتحدة الآن في مثل هذا الموقف.
وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ..} [محمد: 4] الحرب هنا مجاز عن أصحابها وأهلها المشتركين فيها، فالمعنى: افعلوا ذلك حتى تقف رَحَى الحرب، ومعنى {أَوْزَارَهَا ..} [محمد: 4] أي: يضعوا أثقال الحرب، فالحرب ثِقَل على أهلها ومشقة.
لذلك قال الله فيها:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ .. } [البقرة: 216] نعم فأنت في الحرب مُعرَّض لأنْ تفقد مالك، ولأنْ تفقد أهلك، ولأن تفقد حياتك كلها إلى جانب ما فيها من متاعب ومشاق الكَرِّ والفَرِّ والضَّرْب والجَرْح .. إلخ.
{وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ..} [محمد: 4] غلبهم وانتقم منهم بقدرته ودون قتال منكم، فهذا أمر هيِّن على الله، كما وقع للأمم السابقة أهلكهم الله بعذاب من عنده وببأسه الذي لا يُردُّ عن القوم الكافرين، فهذه ليستْ عجيبة، بل واقع يشهد به التاريخ.
واقرأ:
{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا .. } [العنكبوت: 40].
إذن: لماذا شُرع القتال وهو مكروه وفيه مشقة؟ قال تعالى:
{ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } [التوبة: 14].
فشرع القتال لإظهار قوة المؤمنين، ثم لاختبار إيمانهم وثباتهم على الحق، وتمييز المؤمنين من المنافقين {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ..} [محمد: 4].
أي: يبلو المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، ليمحص إيمان المؤمن لأنه صاحبُ رسالة وصاحبُ منهج، وسيحمل مسئولية الدعوة يسيح بها في كل أنحاء الأرض، فكان لابُدَّ من تمحيصه ليظهر الغَثَّ والثمين.
مَنْ سيصبر على آلام الحرب ويصمد ولا يفر، مَنْ سيضحي بماله ونفسه، والله حين يختبر يختبر، لا ليعرف هو سبحانه، فهو يعلم بكل شيء لكن لنعرف نحن، لتظهر ميْزة هذه الأمة وميْزة هذه الرسالة، وعظمة هذا النبي الخاتم الذي بُعِثَ للناس كافّة في كل زمان وفي كل مكان.
ولا بد أنْ يكون أتباعه على مستوى هذه المسئولية وأهلاً لتحمُّل أعباء الرسالة بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه سلم.

ولذلك رُوي أن سيدنا مصعب بن عمير كان فتى قريش المدلل، وكان يغدو ويروح عدة مرات، كلَّ مرة بثوب جديد تفوح منه رائحة العطر ألواناً، فلما أسلم تغيَّر حاله، وأرسله رسول الله إلى المدينة ليعلم الناس، فارتدى الثياب الخشنة، وزهد فيما كان فيه من نعيم الدنيا.
فلما علمتْ أمه بحاله حزنتْ عليه وأضربتْ عن الطعام وجلست في حَرِّ الشمس لتثني ابنها عما هو فيه وتعيده إلى دين الآباء والأجداد، فلما عَلِمَ مصعبٌ بصنيع أمه قال لهم قولوا لأمي: والله لو كان لها مائة نفس خرجتْ نفساً نفساً على أنْ أترك هذا الدين ما تركته، ودعوها فإنْ عضَّها الجوع أكلتْ، وإن أحرقتها حرارة الشمس استظلت.
وأقام مصعب بالمدينة حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه يلبس جلد كبش، فقال:
"انظروا ما فعل الإيمان بصاحبكم" .
إذن: الحرب في الإسلام لحكمة، فهي مثل النار التي تنفي خبث الذهب والحديد فيصير صلباً، لذلك أعدَّ الله هذه الأمة لتكون أمة قتال وشجاعة حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم.
فلما اضطر سيدنا رسول الله للحرب لم يدرب جنوداً، ولم يفتح كلية حربية، إنما وجد رجالاً متمرسين في فنون القتال، لأن الحروب التي كانت تنشب بين القبائل وتستمر زمناً يصل إلى أربعين سنة جعلتْ من هذه الأمة جيشاً على أُهْبة الاستعداد، فكانوا كلما سمعوا هيعة طاروا إليها.
ثم إنها كانت أمة بدوية تعيش على الترحال، بيوتهم على ظهور الجمال يتبعون مساقط الأمطار ومنابت العُشْب، وكأن الله تعالى كان يُعدهم لحمل هذه الرسالة.
{وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] الذين قُتِلوا في سبيل الله هم الشهداء {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] لن يبطلها بل يُوفيهم أجورهم ويُثيبهم عليها، لأن الشهيد وهب حياته لله وضحى بأغلى ما يملك فى سبيل الله، لذلك يجازيه بما لا يخطر على باله من الإكرام والتفضيل.
يجازيه بقاعدة
{ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ .. } [النساء: 86] فلأنه جاد بنفسه في سبيل الله يُبرئه الله من الموت مرة أخرى إذن: حياته موصولة بحياة الآخرة، فالشهيد بعد أنْ يقتل في الدنيا يصير حياً عند الله إلى أنْ يُبعث بهذه الحياة في الآخرة.
وهذا المعنى تنبه إليه الشاعر العربي وهو يمدح حمزة سيد الشهداء فقال:

أحْمَزَةَ عَمّ المصْطَفى وسَيّد الشُّهَداء أَجمعهِم طُرّا
وَحَسْبُكَ مِنْ تِلكَ الشَّهادةِ عصْمةٌ مِنَ الموت في وَصْل الحياتيْنِ بالأُخْرى

لذلك الذين يعترضون على حياة الشهيد ويقولون: هل لو فتحنا القبر على شهيد سنجده حياً؟ لا ستجده ميتاً، لكن هذه نظرة ضيقة لمسألة الحياة والموت، ولتريح نفسك اقرأ: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169].
وتأمل كلمة
{ عِندَ رَبِّهِمْ .. } [آل عمران: 169] ولم يقل عندكم: إنما عند ربهم أحياء بحياة لا يعلمها إلا هو سبحانه، فهذه من الغيبيات التي يجب التسليم بها، فهو حَيٌّ عند ربه وإنْ كان ميتاً عندكم.
ثم في قوله:
{ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169] دليل آخر على حياته، لأن الرزق من أسباب استبقاء الحياة.