خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٣
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٤
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٦
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٧
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ
١٨
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
١٩
أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ
٢٠
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢١
لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ
٢٢
-هود

النهر الماد

{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الآية، الظاهر أن أم منقطعة فتقدر ببل، والهمزة أي بل أيقولون افتراه، والضمير في افتراه عائد على قوله: يوحى إليك وهو القرآن.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لا تتعلق أطماعهم بأن يترك بعض ما أوحي إليه إلا لدعواهم أنه ليس من عند الله وأنه هو الذي افتراه وإنما تحداهم أولاً بعشر سور مفتريات قبل تحديهم بسورة إذ كانت هذه السورة مكية، والبقرة مدنية، وسورة يونس أيضاً مكية، ومقتضى التحدي بعشر سور أن يكون قبل طلب المعارضة بسورة فلما نسبوه إلى الافتراء طلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات إرخاء لعنانهم وكأنه يقول: هبوا اني اختلقته ولم يوح إلي فأتوا أنتم بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام. وإنما عنى بقوله: مثله من حسن النظم والبيان وإن كان مفترى. وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو ثم إذا تبين له عجزه قال له: إفعل مثالاً واحداً.
{فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} الذي يظهر أن الضمير في فإِن لم يستجيبوا عائد على من استطعتم. ومن لكم عائد على الكفار لعود الضمير على أقرب مذكور، ولكون الخطاب يكون لواحد ولترتب الجواب على الشرط ترتباً حقيقياً من الأمر بالعلم. ولا يتجوز بأنه أريد به فدوموا على العلم بأن لا إله إلا هو ولا أن يكون قوله: فهل أنتم مسلمون تحريضاً على تحصيل الإِسلام لا انه يراد به الإِخلاص ولما طولبوا بالمعارضة وأمروا بأن يدعوا من يساعدهم، فلم تمكن المعارضة ولا استجاب أصنامهم وآلهتهم لهم أمروا بأن يعلموا أنه من عند الله وليس مفترى، فيُمكن معارضته وأنه تعالى هو المختص بالألوهية لا يشركه في شىء منها آلهتهم وأصنامهم فلا يمكن أن يجيبوا لظهور عجزهم، وانها لا تنفع ولا تضر في شىء من المطالب.
{مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} الآية، مناسبتها مما قبلها أنه تعالى لما ذكر أشياء من أحوال الكفار المنافقين في القرآن، ذكر شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة. وظاهر من العموم في كل من يريد زينة الحياة الدنيا والجزاء مقرون بمشيئة الله تعالى. وجاء فعل الشرط ماضياً في قوله: من كان، وفعل الجزاء مضارعاً مجزوماً وهو نوّف والجزم أفصح من الرفع إذ لو جاء نوفى مرفوعاً لكان جائزاً كما قال الشاعر:

وان أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم

فرفع يقول ولو جزمه لكان أفصح كالآية وأفرد الضمير في كان يريد على لفظ من وجمعه في قوله إليهم مراعاة للمعنى. والضمير في قوله: ما صنعوا فيها الظاهر أنه عائد على الآخرة والمجرور متعلق بحبط. والمعنى وظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة ويجوز أن يتعلق بقوله: صنعوا، فيكون عائداً على الحياة الدنيا كما عاد عليها في فيها قبل وما في ما صنعوا بمعنى الذي أو مصدرية وباطل وما بعده توكيد لقوله: وحبط ما صنعوا. وباطل خبر مقدم إن كان من عطف الجمل وما كانوا هو المبتدأ وان كان خبراً بعد خبر ارتفع ما بباطل على الفاعلية.
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} الآية لما ذكر حال من يريد الحياة الدنيا ذكر حال من يريد وجه الله بأعماله الصالحة. وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة والتقدير كمن يريد الحياة الدنيا، وكثيراً ما حذف في القرآن كقوله تعالى:
{ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً } [فاطر: 8]، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان على بينة أي على برهان من الله وبيان أنّ دين الإِسلام حق، وهو دليل العقل.
{وَيَتْلُوهُ} ويتبع ذلك البرهان.
{شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي شاهد بصحته وهو القرآن منه أي من الله تعالى أو شاهد من القرآن.
{وَمِن قَبْلِهِ} أي ومن قبل القرآن.
{كِتَابُ مُوسَىٰ} وهو التوراة أي ويتلو ذلك أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى. والإِشارة بأولئك إلى من كان على بينة راعى معنى من فجمع.
{فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي مكان وعده الذي يصير إليه وقال حسان:

أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لاقيها

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تقدم تفسير نظير هذه الجملة والإِشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب أو جمع شهيد كشريف وأشراف. والاشهاد: الملائكة الذي يحفظون عليهم أعمالهم في الدنيا. وفي قوله: هؤلاء، إشارة إلى تحقيرهم وإصغارهم بسوء مرتكبهم. وفي قوله: على ربهم أي على من يحسن إليهم ويملك نواصيهم، وكانوا جديرين بأن لا يكذبوا عليه.
{مِنْ أَوْلِيَآءَ} إسم لكان. ومن: زائدة. والضمير في ما كانوا عائد على أولياء ومعنى أنه من لا يستطيع أن يسمع ولا يبصر فكيف يصلح للولاية، ويكون يضاعف لهم العذاب اعتراضاً. وقيل: ما مصدرية، أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم وإبصارهم، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد.
و{خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} خسران أنفسهم كونهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فخسروا في تجارتهم خسراناً لا أعظم منه. وهو على حذف مضاف أي راحة وسعادة أنفسهم.
{لاَ جَرَمَ} مذهب الخليل وسيبويه أنهما رُكّبا مِن لا وجرم وبنيا والمعنى حق وما بعده رفع به على الفاعلية. وقال الكسائي: معناها لا صد ولا منع فيكون اسم لا وهي مبنية على الفتح. وقال قوم: انّ جرم مبنية مع لا على الفتح نحو قولك: لا رجل ومعناها لا بد ولا محالة، وهو شبيه بقول الكسائي فيكون ان لهم على إسقاط حرف الجر إذ صار التقدير لا بد من أن لهم النار أي من كينونة النار لهم ولما كان خسران النفس أعظم الخسران حكم عليهم بأنهم هم الزائدون في الخسران على كل خاسر من سواهم.