خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٦
ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٢٧
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ
٢٩
وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ
٣٠
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ
٣١
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٣٢
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٣٣
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٣٤
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ
٣٥
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
٣٦
إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٣٧
وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٨
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ
٣٩
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
٤٠
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٤١
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٤٢
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ
٤٣
بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
٤٤
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٤٥
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
٤٦
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
٤٧
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
٤٨
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
٤٩
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
٥٠
-النحل

النهر الماد

{فَأَتَى ٱللَّهُ} أي أتى أمره وعذابه والبنيان قيل حقيقة قال ابن عباس وغيره: الذين من قبلهم منهم نمرود بن صرحا ليصعد بزعمه إلى السماء وأفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين فخر عليهم السقف من فوقهم. قال ابن الأعرابي: العرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وان لم يكن وقع عليه نجاد قوله من فوقهم ليخرج هذا الذي من كلام العرب ممن فوقهم أي عليهم وقع كانوا تحته فهلكوا وأتاهم العذاب.
قال ابن عباس: في قصة النمرود ويخزيهم جميعهم المكاره التي تحل بهم ويقتضي ذلك إدخالهم النار لقوله تعالى:
{ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } [آل عمران: 192] أي أهنته كل الإِهانة وجمع بين الإِهانة بالفعل والإِهانة بالقول بالتقريع والتوبيخ في جملة يخزيهم ويقول أين شركائي أضاف تعالى الشركاء إليه والاضافة تكون بأدنى ملابسة والمعنى شركائي في زعمكم أو أضاف على جهة الاستهزاء بهم ومفعولاً تزعمون محذوفان التقدير تزعمونهم شركاء الذين تتوفاهم صفة للكافرين فيكون داخلاً تحت القول.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الذين مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله وخبره في قوله: فالقوا السلم فزيدت الفاء في الخبر وقد يجيء مثل هذا "انتهى".
هذا لا يجوز إلا على مذهب الأخفش فإِنه يجيز زيد فقام أي قام ولا يتوهم ان الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ أداة الشرط فلا يجوز فيما ضمن معناه ظالمي أنفسهم تقدّم الكلام عليه في سورة النساء والسلم هنا الاستسلام.
وما كنا نعمل من سوء هو على إضمار القول ويكون ذلك كذباً منهم ولذلك ردّ عليهم بقوله: جلني أي كنتم تعملون السوء.
{إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لما أكذبوهم في دعواهم أخبروا أنه هو العالم بأعمالهم فهو المجازي عليها ثم أمرهم بالدخول واللام في فلبئس لام التوكيد ولا يدخل على الماضي المتصرف ودخلت على الجامد لبعده عن الأفعال وقربه من الأسماء والمخصوص بالذم محذوف تقديره فلبئس مثوى المتكبرين هي، أي جهنم ووصف التكبر دليل على استحقاق صاحبه النار.
{وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} الآية، أي أنزل خيراً ودل هذا النصب على أن ماذا أنزل مفعول بأنزله وطابق الجواب السؤال في النصب والظاهر أن قوله: للذين، مندرج تحت القول وهو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي ان من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة والظاهر أن المخصوص بالمدح هو جنات عدن والكاف في موضع نصب نعتاً للمصدر محذوف أي جزاء مثل جزاء الذين أحسنوا نجزي المتقين وطيبين حال من مفعول تتوفاهم والمعنى أنهم صالحوا لأعمال مستعدون للموت والطيب الذي لا خبث فيه، يقولون: سلام عليكم الظاهر أن هذا القول في الآخرة ولذلك جاء بعده أدخلوا الجنة فهو من قول خزنة الجنة بما كنتم تعملون أي بالعمل الصالح.
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ} الآية، ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم: أساطير الأولين ثم أتبع ذلك وعيدهم وتهديدهم ثم توعد من وصف القرآن بالخيرية فبين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون عن حالهم إلى أن تأتيهم الملائكة بالتهديد ثم توعد من وصف القرآن بالخيرية فبين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون عن حالهم إلى أن تأتيهم الملائكة بالتهديد أوامر الله تعالى بعذاب الإِستئصال والكاف في موضع نصب أي مثل فعلهم في انتظار الملائكة أوامر الله فعل الكفار الذين تقدموهم.
{وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بكفرهم وتكذيبهم الذي أوجب لهم العذاب في الدنيا والآخرة وقوله: فأصابهم، معطوف على فعل وما ظلمهم إعتراض وستأتي عقوبات كفرهم.
{وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم جزاء إستهزائهم.
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} تقدم الكلام عليه في آخر سورة الانعام.
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} الآية، ذكر الله تعالى بعثه الرسل في الأمم السالفة فلا يستنكر بعثه محمداً صلى الله عليه سلم في هذه الأمة وأن يجوز أن تكون تفسيرية بمعنى أي وأن تكون مصدرية وتقدم مدلول الطاغوت في البقرة.
{مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} أي فمنهم من اعتبر فهداه الله، ومنهم من أعرض وكفر ثم أحالهم في معرفة ذلك على المسير في الأرض عاقبة المكذبين لرسلهم بما جاؤوا به عن الله تعالى ثم خاطب نبيه عليه السلام وأعلمه أن من ختم تعالى عليه بالضلالة لا يجدي فيه الحرص على هدايته. وقرىء: يهدي مبنياً للفاعل والظاهر أن في يهدي ضمير يعود على الله ومن مفعول وقرأت فرقة يهدي بضم الياء وكسر الدال وهي ضعيفة "انتهى".
حكى الفراء أن هدى بمعنى إهتدى لازماً وإذ أثبت أن هدى بمعنى إهتدى كما حكاه الفراء لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على اللازمة همزة التعدية والمعنى لا يحصل مهتدياً من أصله والضمير في لهم عائد على معنى من والضمير في وأقسموا عائد على كفار قريش.
{جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} تقدم الكلام عليه في الانعام وانتصب وعداً وحقاً على أنهما مصدر أن يؤكد لما دل عليه بلى من تقدير المحذوف الذي هو يبعثه ليبين لهم اللام في ليبين متعلقة بالفعل المقدر بعد بلى أي يبعثهم ليبين لهم كما تقول: الرجل ما ضربت أحداً فتقول بلى زيداً أي ضربت زيداً ويعود الضمير في يبعثهم المقدر وفي لهم على معنى من في قوله: من يموت وهو شاملٌ للمؤمنين والكفار والذين اختلفوا فيه هو الحق وأنهم كانوا كاذبين فيما اعتقدوا من جعل آلهة مع الله تعالى وإنكار النبوات وإنكار البعث وغير ذلك مما أمروا به وبيّن لهم أنه دين الله فكذبوا به وكذبوا في نسبة أشياء إليه تعالى.
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ} الآية، لما تقدم إنكارهم البعث وأكدوا ذلك بالحلف بالله الذي أوجدهم ورد عليهم بقوله: بلى وذكر حقيقة وعده بذلك أوضح أنه تعالى متى تعلقت إرادته بوجود شىءٍ أوجده وقد أقروا بأنه تعالى خالق هذا العالم سمائه وأرضه وأن إجاده لذلك لم يتوقف على سبق مادة ولا آلة فكما قدر على الإِيجاد إبتداء وجب أن يكون قادراً على الإِعادة وتقدم الكلام في قوله: كن في البقرة والظاهر أن اللام في لشىءٍ وفي له هي للتبليغ كقولك قلت لزيد قم.
قال ابن عطية: إذا أردناه تنزل منزلة مراد ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أن الموجودات تجيء وتظهر شيئاً بعد شىء فكأنه قال: إذا ظهر المراد فيه وعلى هذا الوجه يخرج قوله: فيرى الله عملكم ورسوله وقوله: ليعلم الله الذين آمنوا منكم. ونحو هذا معناه يقع منكم بإِرادة الله تعالى في الأزل وعلمه وقوله: أن نقول له كن فيكون تنزل منزل المصدر كأنه قال: قولنا ولكن أن مع الفعل تعطي استئنافاً ليس في المصدر في أغلب أمرها وقد يجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن في هذه الآية وكقوله تعالى:
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } [الروم: 25] وغير ذلك "إنتهى" قوله.
ولكن أن مع الفعل يعني الفعل المضارع وقوله في أغلب أمرها ليس بجيد بل يدل على المستقبل في جميع أمورها وأما قوله: فقد يجيء إلى آخره فلم يفهم ذلك من دلالة أن وإنما ذلك من نسبة قيام السماء والأرض بأمر الله لأن هذا لا يختص بالمستقبل دون الماضي في حقه تعالى ونظيره أن الله كان على كل شىءٍ قديراً وكان تدل على إقتران الجملة بالزمن الماضي وهو تعالى متصف بهذا الوصف ماضياً وحالاً ومستقبلاً وتقييد الفعل بالزمن لا يدل على نفيه بغير ذلك الزمن.
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ} عام في المهاجرين كائناً ما كانوا فيشمل أولهم وآخرهم.
{مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} كخباب بن الأرت والمخرجين إلى أرض الحبشة والظاهر انتصاب حسنة على أنه نعت لمصدر محذوف يدل عليه الفعل أي تبوئة حسنة وقيل إنتصاب حسنة على المصدر على غير الصدر لأن معنى لنبونئهم في الدنيا أي لنحسنن إليهم فحسنة بمعنى إحساناً. والضمير في يعلمون عائد على المؤمنين أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في إجتهادهم وصبرهم والذين صبروا على تقديرهم الذين أو أعني الذين صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن لا سيما حرّم الله تعالى المحبوب لكل قلب مؤمن فكيف لمن كان مسقط رأسه على بذل الروح في ذات الله تعالى واحتمال الغربة في دار لم ينشأ بها وناس لم يألفهم أجانب في النسب.
{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} الآية، نزلت إلى ما يؤمرون في مشركي مكة أنكروا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم أن يكون رسوله بشراً فهلا بعث إلينا ملكاً وتقدّم تفسير هذه الجملة في أواخر سورة يوسف والمعنى يوحى إليهم على ألسنة الملائكة والأجود أن يتعلق قوله بالبينات بمضمر يدل عليه ما قبله كأنه قيل بم أرسلوا قال: أرسلناهم بالبينات والزبر فتكون على كلامين.
قال الزمخشري: يتعلق بما أرسلنا قوله: بالبينات داخلاً تحت حكم الاستثناء مع رجالاً أي وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك ما ضربت إلا زيداً بالسوط لأن أصله ضربت زيداً بالسوط إنتهى. هذا قاله الحوفي وقال أبو البقاء وفيه ضعف لأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إذ أتم الكلام على إلا وما يليها إلا أنه قد جاء في الشعر قول الشاعر:

ليتهم عذبوا بالنار جارهم ولا يعذب إلا الله بالنار

إنتهى وهذا الذي أجازه الحوفي والزمخشري لا يجوز على مذهب جمهور البصريين لأنهم لا يجيزون أن يقع بعد إلا إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابع وما ظن من غير الثلاثة معمولاً لما قبل إلا قدر له عامل.
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} هو القرآن وقيل له ذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك المجمل وشرحك ما أشكل فيدخل في هذا ما بينته السُنة من أمر الشريعة.
{وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي إرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فينتبهوا ويتأملوا والسيئات نعت لمصدر محذوف أي المكرات السيئات والذين مكروا في قول الأكثرين هم أهل مكة مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم والخسف بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل.
وذكر النقاش أنه وقع الخسف في هذه الأمة بهم الأرض كما فعل بقارون وذكر لنا أن إخلاطاً من بلاد الروم خسف بها وحين أحس أهلها بذلك فر أكثرهم وأن بعض التجار ممن كان يرد إليها رأى ذلك من بعيد فرجع بتجارته.
{مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من الجهة التي لا شعور لهم بمجيء العذاب منها كما فعل بقوم لوط.
{فِي تَقَلُّبِهِمْ} في أسفارهم والأخذ هنا إلا هلاك كقوله تعالى:
{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } [العنكبوت: 40] وعلى تخوف على نقص قاله إبن عباس، وقال ابن بحر: ضد البغتة أي على حدوث حالات يخاف منها كالرياح والزلزال والصواعق ولهذا ختم بقوله تعالى: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. لأن في ذلك مهلة وامتداد وقت فيمكن في التلافي.
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} الآية، بما ذكر تعالى قدرته على تعذيب الماكرين وإهلاكهم بأنواع من الأخذ ذكر تعالى طواعية ما خلق من غيرها وخضوعهم ضد حال الماكرين لينبهم على أنه ينبغي بل يجب عليهم أن يكونوا طائعين منقادين لأمره تعالى. والإِستفهام هنا معناه التوبيخ والجملة من قوله: يتفيأ في موضع الصفة لشىء وما موصولة والعائد محذوف تقديره خلقه ومن شىء تبين لما أنبهم في لفظ ما ويتفيؤ يتفعل من الفيء وهو الرجوع يقال فاء الظل يفيء فيرجع وعاد بعدما نسخه ضياء الشمس وفاء إذا عدي فبالهمزة كقوله تعالى:
{ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } [الحشر: 7] أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ أو تفيأ من باب المطاوعة فهو لازم وقد إستعمله أبو تمام متعدياً قال:

طلبت ربيع ربيعة الممهي لها وتفيأت ظلالها ممدوداً

ويحتاج ذلك إلى نقله من كلام العرب متعدياً وعين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب وخص هذان الإِسمان بهذين الجانبين. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي المعروف بابن الصائغ: أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين لأن الظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة وهو بالعشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان في الآية هذا من جهة المعنى وفيه من جهة اللفظ المطابقة لأن سجداً جمع فطابقه جمع الشمائل لاتصاله به فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى ولحظهما معاً وتلك الغاية في الإِعجاز "انتهى".
والظاهر حمل الظلال على حقيقتها وعلى ذلك وقع كلام أكثر المفسرين وقالوا: إذا طلعت الشمس وأتت متوجهة إلى القبلة كان الظل قدامك فإِذا ارتفعت كان على يمينك فإِذا كان بعد ذلك كان خلفك فإِذا أردت الغروب كان عن يسارك.
قال الزمخشري: سجداً حال من الظلال.
{وَهُمْ دَاخِرُونَ} حال من الضمير في ظلاله وما أجازه الزمخشري من أن وهم داخرون حال من الضمير في ظلاله فعلى مذهب جمهور البصريين لا يجوز وهي مسألة جاءني غلام هند ضاحكة فلا يجوز جاءني ضاحكة غلام هند ولما كان سجود الظلال في غاية الظهور بدىء به ثم إنتقل إلى سجود ما في السماوات والأرض.
قال الزمخشري: فإِن قلت فهلا جيء بمن دون ما تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرها. قلت لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولاً للعقلاء. فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم "إنتهى" ظاهرة تسليم أن من قد يشمل العقلاء وغيرهم على جهة التغليب وظاهر الجواب تخصيص من العقلاء وأن الصالح للعقلاء وغيرهم ما دون من وهذا ليس بجواب لأنه أورد السؤال على التسليم ثم ذكر الجواب على غير التسليم فصار المعنى أن من يغلب بها والجواب لا يغلب بها وهذا في الحقيقة ليس بجواب ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في الظرفين ويكون في السماوات خلق يدبون ويجوز أن يكون بياناً لما في الأرض ولهذا قال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض وعطفوا الملائكة على ما في السماوات وما في الأرض وهم مندرجون في عموم ما تشريفاً لهم وتكريماً والظاهر أن الضمير في قوله: يخافون، عائد على المنسوب إليهم السجود في ولله يسجد والفوقية المكانية مستحيلة بالنسبة إليه تعالى فإن علقته بيخافون كان على حذف مضاف أي يخافون عذابه كائناً من فوقهم لأن العذاب إنما ينزل من فوق وإن علقته بربهم كان حالاً منه أي يخافون ربهم قاهراً غالباً كقوله تعالى:
{ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام: 18] والجملة من يخافون يجوز أن تكون حالاً من الضمير في لا يستكبرون ويفعلون ما يؤمرون واما المؤمنون بحسب الشرع والظاهر واما غيرهم من الحيوان فبالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى ما نفذ من أمر الله.