خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٦٤
وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٦٥
وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ
٦٦
وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٦٧
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
٦٨
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٦٩
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
٧٠
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٧١
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
٧٢
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
٧٣
-النحل

النهر الماد

{وَهُدًى وَرَحْمَةً} في موضع نصب على أنهما مفعول من أجله وانتصبا لاتحاد الفاعل في الفعل وفيهما لأن المنزل هو الله تعالى وهو الهادي والراحم ودخلت اللام في لتبين لاختلاف الفاعل لأن المنزل هو الله تعالى والتبيين مسند للمخاطب وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الزمخشري: معطوفان على محل لتبين "انتهى".
ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً فيعطف منصوب عليه ألا ترى أنه لو نصبه لم يجز لاختلاف الفاعل.
{وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} الآية، لما ذكر تعالى إنزال الكتاب المبين كان القرآن حياة الأرواح وشفاء لما في الصدور من علل العقائد ولذلك ختم بقوله: يؤمنون أي يصدقون والتصديق محله القلب ذكر إنزال المطر الذي هو حياة الأجسام وسبب لبقائها ثم أشار بإِحياء الأرض بعد موتها إلى إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى:
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ } [الأنعام: 122] فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها كذلك القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتاً بالجهل ولذلك ختم بقوله: يسمعون، أي هذا التشبيه المشار إليه والمعنى سماع أنصاف وتدبر ولملاحظة هذا المعنى والله أعلم لم يختم بقوله: يبصرون، وان كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد.
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} الآية، لما ذكر تعالى إحياء الأرض بعد موتها ذكر ما ينشأ عن المطر وهو حياة الانعام التي هي مألوف العرب بما تتناوله من النبات الناشىء عن المطر ونبه على العبرة العظيمة وهو خروج اللبن من بين فرث ودم والفرث كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش أو الأمعاء وذكر في قوله: مما في بطونه ولا ضعف في ذلك من هذه الجهة لأن التأنيث والتذكير باعتبار وجهين وأعاد الضمير مذكراً مراعاة للجنس لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده عليه مذكراً كقولهم هو أحسن الفتيان وأنبله لأنه يصح هو أحسن فتى وإن كان هذا لا ينقاس عند سيبويه إنما يقتصر فيه على ما قالته العرب.
قال الزمخشري: ذكر سيبويه الانعام في باب ما لا ينصرف من الأسماء المفردة على أفعال كقولهم: ثوب أكياش ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً "انتهى".
قال سيبويه: وأما أفعال فقد يقع للواحد فقول سبيويه فقد يقع للواحد دليل على أنه ليس ذلك بالوضع وقول الزمخشري أنه ذكره في الأسماء المفردة على أفعال تحريف في اللفظ وفهم عن سيبويه ما لم يرده ويدل على ما قلناه أن سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أن أفعالاً ليس من أبنيتها.
قال سيبويه في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعيل ولا أفعال إلا أن يكسر عليه أسماء للجميع "انتهى". فهذا نص منه على أن أفعالاً لا يكون في الأبنية المفردة ولما ذكر تعالى ما من به من بعض منافع الحيوان ذكر ما مّن من بعض منافع النبات.
{وَمِن ثَمَرَاتِ} متعلق بتتخذون ومنه بدل من قوله: من ثمرات لأنه جمع يقع مكانه المفرد كأنه قيل ومن ثمر النخيل كما ذكرنا في إفراد الضمير في قوله: مما في بطونه لوقوع لنعم مكان الانعام والسكر في اللغة الخمر.
قال الشاعر:

بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى منهم المراء والسكر

وان لكم في الانعام لعبرة ناسب الختم بقوله: يعقلون لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول كما قال تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } [الزمر: 21] وانظر إلى الاخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة من الناس أخبر عن نفسه بقوله: نسقيكم ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج إلى معالجة قال: تتخذون، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق الحسن ولأمر ما عجزت العرب العرباء عن معارضته ولما ذكر تعالى المنة باللبن المشروب وغيره أتم النعم بذكر العسل ولما كانت المشروبات من اللبن وغيره هو الغالب في الناس أكثر من العسل قدم اللبن وغيره عليه وقدم اللبن على ما بعده لأنه المحتاج إليه كثيراً وهو الدليل على الفطرة ولذلك اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسرى به وعرض عليه اللبن والخمر والعسل وجاء ترتيبها في الجنة لهذه الآية ففي إخراج اللبن من النعم والسكر والرزق الحسن من ثمرات الخيل والأعناب والعسل من النحل دلائل باهرة على الألوهية والقدرة والاختبار والإِيحاء هنا الإِلهام والإِلقاء في روعها وتعليمها على وجه أعلم بكنهه لا سبيل إلى الوقوف عليه والنحل جنس واحد نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال: ان اتخذي، وان تفسيرية لأنه تقدم معنى القول وهو أوحى أو مصدرية أي باتخاذ ومن للتبعيض لأنها لا تبني في كل جبر وكل شجرة وكل ما يغرس ولا في كل مكان والظاهر أن البيوت هنا عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار وأما مما يعرش ابن آدم فالخلايا التي يصنعها للنحل ابن آدم والكوى التي تكون في الحيطان ولما كان النحل نوعين منها ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنها ما يكون في بيوت الناس ويتعهده في الخلايا ونحوها يشمل الأمر باتخاذ البيوت نوعين وظاهره العطف بالفاء في فاسلكي انه يعتقب الأكل أي فإِذا أكلت فاسلكي سبل ربك أي طرق ربك إلى بيوتك راجعة والسبل إذ ذاك مسالكها في الطيران وربما أجدب مكانها فانتجعت المكان البعيد ثم عادت إلى مكانها الأول وأضاف السبل إلى رب النحل من حيث أنه سبحانه وتعالى هو خالقها ومالكها والناظر في تهيئة مصالحها ومعاشها.
{ذُلُلاً} أي غير متوعرة عليها سبيل تسلكه فعلى هذا ذللاً حال من سبل ربك قوله تعالى:
{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } [الملك: 15] أو حال من الضمير في فاسلكي متذللة.
{يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} وهو العسل وسماه شراباً لأنه مما يشرب وقوله: من بطونها لا يدل على تعيين المكان الذي يخرج منه أمن الفم أو من المخرج.
{مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} بالخمرة والبياض والسمرة ونكر شفاء إما للتعظيم فيكون المعنى فيه شفاء أي شفاء واما لدلالته على مطلق الشفاء أي فيه بعض شفاء للناس ليس على عمومه لأن بعض الأمراض لا يصلح فيها العسل ولما كان أمر النحل عجيباً في بنائها تل كالبيوت المسدسة وفي أكلها من أنواع الأزهار والأوراق الحامض والمر والضار وفي طواعيتها لأميرها ولمن يملكها في نقلها معه وكان النظر في ذلك يحتاج إلى تأمل وزيادة تدبر ختم بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} نبه تعالى على قدرته التامة في إنشائنا من العدم وإماتتنا وتنقلنا في حال الحياة من حالة الجهل إلى حالة العلم وذلك كله دليل على القدرة التامة والعلم الواسع ولذلك ختم تعالى بقوله: {عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ويختل النطق والفكر وخص بالرذيلة لأنها حالة لا رجاء بعدها لإِصلاح ما فسد واللام في لكي لتعليل الردّ إلى أرذل العمر وهي حرف جر وكي هنا ناصبة بنفسها بمعنى أن ينسبك منها مع ما بعدها مصدر فالتقدير لا يبقى علمه شيئاً بعد أن كان علمه ولما ذكر تعالى خلقنا ثم أماتتنا وتفاوتنا في الرزق وان رزقنا أفضل من رزق المماليك وهم بشر مثلنا والتفاضل بالرزق يكون بالكثرة والقلة ثم نفى تعالى أن يكون من فضل في الرزق رادّاً رزقه على مملوكه إذ ذاك الرزق الذي يطعمه مملوكه هو رزق الله والكل مرزوقون لله تعالى بالرزق الذي قدّره للمالك والمملوك ولذلك قال تعالى:
{فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} أي الملاك والمملوكون في الرزق سواء ولذلك قال بعض الأدباء:

ولا تقولن لي فضل على أحد الفضل لله ما للناس أفضال

ثم استفهم عن جحودهم نعمه استفهام إنكار وأتى بالنعمة الشاملة للرزق وغيره من النعم التي لا تحصى أي أن من يفضل عليكم بالنشأة أولاً ثم بما فيه قوام حياتكم جدير بأن يشكر نعمه ولا يكفر ولما ذكر تعالى امتنانه بالإِيجاد ثم بالرزق المفضل فيه ذكر امتنانه بما يقوم بمصالح الإِنسان مما يأنس به ويستنصر به ويخدمه واحتمل من أنفسكم أن يكون المراد من جنسكم ونوعكم واحتمل أن يكون ذلك باعتبار خلق حوّاء من ضلع من أضلاع آدم صلى الله عليه وسلم فنسب ذلك إلى بني آدم وكلا الاحتمالين مجاز، والظاهر عطف حفدة على بنين كون الجميع من الأزواج وأنهم غير البنين.
فقال الحسن: الحفدة هم بنو الابن والحفدة والأعوان والخدم ومن يسارع في الطاعة يقال حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفدانا ومنه إليك نسعى ونحفد أي نسرع في الطاعة وقال الشاعر:

حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الاجمال

وقال الأزهري الحفدة أولاد الأولاد ولما ذكر تعالى ما امتن به من جعل الأزواج وما ينتفع به من جهتهن ذكر تعالى منته بالرزق والطيبات عام في النبات والثمار والحبوب والأشربة.
{وَيَعْبُدُونَ} استئناف اخبار عن حالهم في عبادة الأصنام وفي ذلك تبيين لقوله تعالى: {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} نعى عليهم فساد نظرهم في عبادة ما لا يمكن أن يقع منه ما يسع عابده في تحصيله منه وهو الرزق ولا هو في استطاعته ففي أولاً أن يكون شىء من الرزق في ملكهم ونفى ثانياً قدرتها على أن تحاول ذلك وما لا يملك عام في جميع من عبد من دون الله من ملك أو آدمي أو غير ذلك وأجازوا في شيئاً انتصابه بقوله: رزقاً.
قال ابن عطية: والمصدر يعمل مضافاً باتفاق لأنه في تقدير الانفصال ولا يعمل إذا دخله الألف واللام لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعد عن الفعلية وتقدير الانفصال في الاضافة حسن عمله وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قوله: ضعيف النكاية اعداءه البيت وقوله:

لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعاً

انتهى أما قوله يعمل مضافاً باتفاق ان عنى من البصريين فصحيح وان عنى من النحويين فغير صحيح لأن بعض النحويين ذهب إلى أنه وان أضيف لا يعمل وان نصب ما بعده أو رفعة إنما هو على إضمار الفعل المدلول عليه بالمصدر وأما قوله: لأنه في تقدير الانفصال فليس كذلك لأنه لو كان في تقدير الانفصال لكانت الاضافة غير محضة وقد قال بذلك أبو القاسم ابن برهان وأبو الحسين ابن الطراوة ومذهبهما فاسد لنعت هذا المصدر المضاف وتوكيده بالمعرفة.
وأما قوله: ولا يعمل إلى آخره فقد ناقض في قوله آخراً وقد جاء عاملاً مع الألف وأما كونه لا يعمل مع الألف واللام فهو مذهب منقول عن الكوفيين ومذهب سيبويه جواز اعماله.
قال سيبويه: وتقول عجبت الضرب زيداً كما تقول عجبت من الضارب زيداً تكون الألف واللام بمنزلة التنوين والظاهر عود الضمير في يستطيعون على ما على معناها لأنه يراد بها آلهتهم بعد ما أعاد على اللفظ في قوله: لا يملك فأفرد وجاز أن يكون داخلاً في صلة ما وجاز أن لا يكون داخلاً بل اخبار عنهم بانتفاء الاستطاعة أصل لأنهم أموات وأما قول الزمخشري أنه يراد بالجمع بين نفي الملك والاستطاعة التوكيد فليس كما ذكر لأن نفي الملك مغاير لنفي الاستطاعة.