خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً
٢٤
وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً
٢٥
فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً
٢٦
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً
٢٧
يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً
٢٨
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً
٢٩
قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً
٣٠
وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً
٣١
وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً
٣٢
وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
٣٣
ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ
٣٤
مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٣٥
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٣٦
فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٣٧
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٨
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٣٩
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
٤٠
وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً
٤١
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً
٤٢
يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً
٤٣
يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً
٤٤
يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً
٤٥
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً
٤٦
قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً
٤٧
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً
٤٨
فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً
٤٩
وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً
٥٠
وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً
٥١
وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً
٥٢
وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً
٥٣
وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً
٥٤
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً
٥٥
-مريم

النهر الماد

{أَلاَّ تَحْزَنِي} نهي * سريا السرى الرجل العظيم من الرجال له شأن عظيم والسري في اللغة الجدول وفي قوله: ربك تأنيس لها إذ هو مالكها والناظر في إصلاحها ثم أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع * قال ابن عباس: كان الجذع نخراً يابساً فلما هزته إذا السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف ثم اخضر فصار بلحاً ثم احمر فصار زهواً ثم رطباً كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع بين يديها لا يتسرح منها شىء وإلى حرف جر وفي قوله: هزي ضمير الفاعل وهو الياء وقد تعدى الفعل إلى ضمير الجر ونظيره قوله تعالى: { وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } [القصص: 32] وقوله تعالى: { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } [الأحزاب: 37] وفي النحو أن الفعل إذا رفع ضميراً متصلاً أو مستكناً لا يتعدى إلى ضمير النصب ولا إلى ضمير الجر فلا تقول ضربتك ولا تضربيني ولا زيد ضربه يعني ضرب نفسه بل المعروف أنه يؤتى بدل الضمير المنصوب بالنفس فتقول ضربت نفسك وضربت نفسي وزيد ضرب نفسه إلا في باب ظن وفقد وعدم فيجوز ذلك فتقول ظننتك قائماً وظننتني قائماً وفي هزي إليك جاء فصيحاً تعدى ذلك إلى ضمير الجر والباء زائدة في قوله بجذع لأن هز متعد بنفسه تقول هززت الغصن وقرىء:
{تُسَاقِطْ} بتشديد السين وأصله تتساقط فأدغمت التاء في السين، وقرىء: تساقط بحذف التاء وقرىء: تساقط مضارع ساقطت تساقط فعلى هذه القراءة يكون رطباً مفعولاً به وعلى القراءتين قبل ذلك يكون رطباً تمييزاً منقولاً من الفاعل إذ الأصل تساقط أو تساقط رطبه وفي قوله: وهزي دليل على السبب لتحصيل الرزق.
{فَكُلِي وَٱشْرَبِي} لما كانت العادة تقديم الأكل على الشرب تقدم في الآية ولمجاورة قوله تساقط عليك رطباً جنيا * ولما كان المحزون قد يأكل ويشرب قال:
{وَقَرِّي عَيْناً} أي لا تحزني ثم ألقى إليها ما تقول إن رأت أحداً.
{فَإِمَّا تَرَيِنَّ} إن شرطية وما زائدة وأصل ترين ترأييني نقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة وحذفت نون الرفع لدخول الجازم الذي هوان ثم أدخلت النون الشديدة فانحذفت تاء الضمير فبقيت ترين والياء المكسورة هي لام الفعل.
{فَقُولِيۤ} جواب الشرط والجملة بعده معمول لقولي في موضع نصب وفي قولها:
{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} لطيفة وهو قولها: للرحمن أي الذي رحمني أولاً وآخراً وفي هذه الحال وغيرها ولا تناقض لأن المعنى:
{فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} بعد قولي هذا وبين الشرط وجزائه جملة محذوفة يدل عليها المعنى أي فاما ترين من البشر أحداً وسألك أو حاورك الكلام فقولي * وصوما قال السدي وابن زيد: كانت سنة الصيام عندهم الإِمساك عن الأكل والكلام.
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} الآية تحمله جملة حالية أي حاملة له * والفري العظيم الشنيع.
{يٰأُخْتَ هَارُونَ} الآية الظاهر أنه أخوها الأقرب وكانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم نعوا عليها ما جاءت به وأن أبويها كانا صالحين فكيف صدرت منك هذه الفعلة القبيحة وفي هذا دليل على أن الفروع غالباً تكون زاكية إذا زكت الأصول وينكر عليها إذا جاءت بضد ذلك.
{مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} لما اتهموها بما اتهموها نفوا عن أبويها السوء ونفوا عن أمها البغاء وهو الزنا روي أنها لما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك وقيل هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام فتركوها.
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} ألف أشارت منقلبة عن ياء وقال يزيد بن حاتم المهلبي هي منقلبة عن واو من الشورى ونازعه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان الرعيني قاضي افريقية وتحاكما إلى قتيبة الميال وكان يزيد قد جلبه من الكوفة إلى المغرب فقال له ابن غانم: كيف تبني من الإِشارة تفاعلنا فقال: تشايرنا فقال له يزيد: ما الدليل على هذا؟ فقال: قول كثير وقلت وفي الأحشاء داء مخامر إلا حبذا يا عز ذاك التشاير وقوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وقيل كان المستنطق لعيسى زكريا ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها ثم قالوا لها على جهة الإِنكار والتهكم بها.
{كَيْفَ نُكَلِّمُ} أي:
{مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ} يربى لا يكلم وإنما أشارت إليه لما تقدم لها من وعده أنه يجيبهم عنها ويغنيها عن الكلام وقيل بوحي من الله إليها وكان قيل انها تامة وقيل زائدة وينتصب.
{صَبِيّاً} على الحال في هذين القولين والظاهر أنها ناقصة فتكون بمعنى صار أو تبقى على مدلولها من اقتران مدلول الجملة بالزمان الماضي ولا يدل ذلك على الانقطاع كما لم يدل في قوله وكان الله غفوراً رحيماً.
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} أنطقه الله أولاً بقوله: إني عبد الله رداً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى وفي قوله: عبد الله والجمل التي بعده تنبيه على براءة أمّه مما اتهمت به لأنه تعالى لم يخص بولد موصوف بالنبوة والخلال الحميدة إلا مبراة مصطفاة * والكتاب الإِنجيل أو التوراة أو مجموعهما.
{وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} أنه تعالى نبأه حال طفولته أكمل الله تعالى عقله واستنبأه طفلاً وقيل ان ذلك سبق في قضائه وسابق حكمته.
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} أي نفاعاً.
و{أَيْنَ مَا كُنتُ} شرط وجزاؤه محذوف تقديره جعلني مباركاً وحذف لدلالة ما تقدم عليه * وما في أينما زائدة وفي ما دمت مصدرية ظرفية أي مدة دوام حياتي والظاهر حمل الصلاة والزكاة على ما شرع في شريعتهم في البدن والمال * والجبار المتعاظم وكان صلى الله عليه وسلم في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب وينام حيث جنه الليل لا مسكن له وكان يقول سلوني فإِني لين القلب صغير في نفسي والألف واللام في والسلام للجنس.
{ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} الآية الإِشارة بذلك إلى المولود الذي ولدته مريم المتصف بتلك الأوصاف الجميلة وذلك مبتدأ وعيسى خبره وابن مريم صفة لعيسى أو خبر بعد خبر أو بدل والمقصود ثبوت بنوته من مريم خاصة من غير أب وليس بابن الله كما تزعم النصارى ولا لغير رشدة كما تزعم اليهود وانتصاب قول على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي هذا الاخبار عن عيسى بن مريم ثابت صدق ليس منسوباً لغيرها أي أنها ولدته من غير مس بشر كما تقول هذا عبد الله الحق لا الباطل أي أقول الحق وأقول قول الحق فيكون الحق هنا الصدق، وقرىء: قول برفع اللام وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي نسبته إلى أمه خاصة فقط الحق، قال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو بدل "انتهى" هذا الذي ذكره لا يكون إلا على المجاز في قول وهو أن يراد به كلمة الله لأن اللفظ لا يكون الذات وقرىء: يمترون بياء الغيبة وبتاء الخطاب وامترى افتعل اما من المرية وهي الشك أو من المراء وهو المجادلة والملاحاة وكلاهما مقبول هنا قالت اليهود ساحر كذاب وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة وهو الله.
{مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} من زائدة في سياق النفي والنفي لم يتسلط على كان وإذ انتفى الكون انتفى متعلقة وهو الاتخاذ فكان حرف النفي باشر يتخذ ومن ولد في موضع المفعول والنفي هنا دل على التنزيه ولذلك أعقب هذا النفي بقوله سبحانه: أي تنزه عن الولد إذ هو فما لا يتأتى ولا يتصور في المعقول ولا يتعلق به القدرة لاستحالته إذ هو تعالى متى تعلقت إرادته بإِيجاد شىء أوجده فهو منزه عن التوالد وقال بعض شعراء العرب:

ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان

عني بالأول عيسى وبالثاني آدم وتقدم الكلام على الجملة من قوله إذا قضى أمراً وقرىء وإن بكسر الهمزة وقرىء: بفتحها التقدير وكان الله ربي وربكم فاعبدوه والإِشارة بقوله هذا أي القول بالتوحيد وفني الولد والصاحبة والصراط هو الطريق المستقيم الذي يفضي بقائله ومعتقده إل يالنجاة.
{فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} هذا إخبار من الله تعالى لرسوله بتفرق بني إسرائيل فرقاً ومعنى من بينهم أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين لم يقع الاختلاف بسببه من غيرهم * والأحزاب قال الكلبي: اليهود والنصارى، وقال قتادة: ان بني إسرائيل جمعوا أربعة من أحبارهم فقال أحدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض وأحيا من أحيا وأمات من أمات فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية ثم قال أحد الثلاثة عيسى هو ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه النسطورية وقال أحد الاثنين عيسى أحد ثلاثة الله إله ومريم إله وعيسى إله فكذبه الرابع واتبعه الإِسرائيلية وقال الرابع عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فاتبعه فريق من بني إسرائيل ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهر اليعقوبية على الجميع والأربعة يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل ومشهد مفعل من الشهود وهو الحضور أو من الشهادة ويكون مصدراً ومكاناً وزماناً فمن الشهود يجوز أن يكون المعنى من شهود هول الحساب والجزاء في يوم القيامة وأن يكون من مكان الشهود فيه وهو الموقف وأن يكون من وقت الشهود ومن الشهادة ويجوز أن يكون المعنى من شهادة ذلك اليوم وأن يشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وأن يكون من مكان الشهادة أو أن يكون من وقت الشهادة واليوم العظيم على هذه الاحتمالات هو يوم القيامة.
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} صيغة تعجب وحذف من الثاني بهم لدلالة الأول عليه وتقديره ما أسمعهم وما أبصرهم وتقدم الكلام في التعجب من الله تعالى وفي قوله: فما أصبرهم على النار.
{يَوْمَ يَأْتُونَنَا} هو يوم القيامة.
{لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ} عموم يندرج فيه هؤلاء الأحزاب الكفار وغيرهم من الظالمين واليوم أي في دار الدنيا ويوم الحسرة اسم جنس لأن بعده حسرات كثيرة في مواطن عدة منها يوم الموت ومنها أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك.
و{قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي أمر يوم القيامة.
{وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} جملة حالية والعامل فيها قوله: وأنذرهم لعلهم ينتفعون بالإِنذار ويفكرون في يوم الحسرة.
{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} هو عبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق وكأنها وارثة.
{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} الآية واذكر خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد أتل عليهم نبأ إبراهيم وذاكره ومورده في التنزيل هو الله تعالى * ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قصة مريم وابنها عيسى واختلاف الأحزاب فيها وعبادتهما من دون الله وكانا من قبيل من قامت بهما الحياة ذكر الفريق الضال الذي عبد الجماد والفريقان وإن اشتركا في الضلال فالفريق العابد الجماد أضل ثم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه تذكيراً للعرب بما كان أبوهم عليه من توحيد الله وتبيين أنهم سلكوا غير طريقه وفيه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به وأن ذلك متلقى بالوحي والصديق من أبنية المبالغة وهو مبني من الثلاثي للمبالغة أي كثير الصدق والصدق عرفه في اللسان ويقابله الكذب وقد يستعمل في الأفعال والخلق وفيما لا يعقل * قال الزمخشري: هذه الجملة يعني قوله: انه كان صديقاً نبياً وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله أعني إبراهيم وإذا قال نحو قولك رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقاً نبياً أي كان جامعاً لمقام الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات "انتهى" التخريج الأول يقتضي تصرف إذ وقد تقدم لنا أنها لا تتصرف والتخريج الثاني مبني على أن كان الناقصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلاف والتخريج الثالث لا يصح لأن العمل لا تنسب إلا إلى لفظ واحد اما أن ينسب إلى مركب من مجموع لفظين فلا ولا جائز أن يكون إذ معمولاً لصديقاً لأنه قد نعت إلا على رأي الكوفيين ويحتمل أن يكون معمولاً لنبيا أي منبأ في وقت قوله: لأبيه ما قال وان التنبئة كانت في ذلك الوقت وهو بعيد وتقدم الكلام على يا أبت في سورة يوسف واستفهم إبراهيم عن السبب الحامل لأبيه على عبادة الأصنام وهو منتف عنه السمع والبصر والإِغناء عنه شيئاً تنبيهاً على شنعة الرأي وقبحه وفساده في عبادة من انتفت عنه هذه الأوصاف رتب إبراهيم عليه السلام الكلام مع أبيه في أحسن اتساق وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحاً في ذلك نصيحة ربه عز وجل ولما سأله عن العلة في عبادة الصنم ولا يمكن أن يجد جواباً انتقل معه إلى اخباره بأنه قد جاءه من العلم ما لم يأته ولم يصف أباه بالجهل إذ يغني عنه السؤال السابق وقال من العلم على سبيل التبعيض أي شىء من العلم ليس معك وهذه المحاورة تدل على أن ذلك كان بعد ما نبىء إذ في لفظ جاءني تجدد العلم والذي جاءه الوحي الذي يأتي به الملك أو العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها وتوحيد الله وإفراده بالعبادة والألوهية فاتبعني على توحيد الله بالعبادة وارفض الأصنام.
{أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} وهو الإِيمان وإفراده بالعبادة.
{يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} انتقل من أمره باتباعه إلى نهيه عن عبادة الشيطان وعبادته كونه يطيعه في عبادة الأصنام ثم نفره عن عبادة الشيطان بأنه كان عصياً للرحمن استعصى حين أمره بالسجود لآدم صلى الله عليه وسلم فأبى فهو عدو لك ولأبيك آدم من قبل وكان لفظ الرحمن هنا تنبيهاً على سعة رحمته وأن من هذا وصفه هو الذي ينبغي أن يعبد ولا يعصى وإعلاماً بشقاوة الشيطان حيث عصى من هذه صفته وارتكب من ذلك ما طرده عن هذه الرحمة.
{يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ} الآية الأولى حمل أخاف على موضوعه الأصلي لأنه لم يكن آيساً من إيمانه بل كان راجياً له وخائفاً أن لا يؤمن وأن يتمادى على الكفر فيمسه العذاب وخوّفه إبراهيم سوء العاقبة وتأدب معه إذ لم يصرح بلحوق العذاب به بل أخرج ذلك فخرج الخائف وأتى بلفظ هو ألطف من المعاقبة ونكر العذاب ورتب على مس العذاب بقوله: إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ما هو أكبر منه وهو ولاية الشيطان.
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي} قال أي أبوه استفهم استفهام إنكار والرغبة عن الشىء تركه عمداً وآلهته أصنامه وأغلط له في الإِنكار وناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني * قال الزمخشري: وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: أراغب أنت عن آلهتي لأنه كان أهم عنده أعني وفيه ضرب من التعجب والإِنكار لرغبته عن آلهته وأن آلهته ما ينبغي أن يرغب عنها أحد وفي هذا سلوان وثلج لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه "انتهى" والمختار في إعراب أراغب أنت أن يكون راغب مبتدأ لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام وأنت فاعل سدت مسد الخبر ويترجح هذا الاعراب على ما أعربه به الزمخشري من كون أراغب خبر وأنت مبتدأ بوجهين أحدهما أن لا يكون فيه تقديم ولا تأخير إذ رتبة الخبر أن يتأخر عن المبتدأ والثاني أن لا يكون فصل بين العامل الذي هو أراغب وبين معموله الذي هو عن آلهتي بما ليس بمعمول للعامل لأن الخبر ليس هو عاملاً في المبتدأ بخلاف كون أنت فاعلاً فإِنه معمول لراغب فلم يفصل بين أراغب وبين عن آلهتي بأجنبي إنما فصل بمعمول له ولما أنكر عليه رغبته عن آلهته توعده مقسماً على إنفاد ما توعده به إن لم ينته ومتعلق تنته محذوف واحتمل أن يكون عن مخاطبتي بما خاطبتني به ودعوتني إليه وأن تكون لئن لم تنته عن الرغبة عن آلهتي.
{لأَرْجُمَنَّكَ} جواب القسم محذوف وظاهر الرجم بالحجارة * قال الزمخشري: فإِن قلت علام عطف واهجرني قلت على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك أي فاحذرني واهجرني لأن لأرجمنك تهديد وتقريع "انتهى" وإنما احتاج إلى حذف ليناسب بين جملتي العطف والمعطوف عليه وليس ذلك بلازم عند سيبويه بل يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإِنشائية فقوله: واهجرني معطوف على قوله: لئن لم تنته لأرجمنك وكلاهما معمول للقول وانتصب ملياً على الظرف أي دهراً طويلاً ومنه الملوان وهما الليل والنهار.
{قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} قرأ أبو البرهشم سلاماً بالنصب ورفع سلام على الابتداء ونصبه على المصدر أي سلمت سلاماً دعاء له بالسلامة على سبيل الاستمالة ثم وعده بالاستغفار وذلك يكون بشرط حصول ما يمكن معه الاستغفار وهو الإِيمان بالله وإفراده بالعبادة.
{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي معتنياً وبي متعلق به ولما كان في قوله لأرجمنك فظاظة وقساوة قلب قابله بالدعاء له بالسلامة والأمن ووعده بالاستغفار قضاء لحق الأبوة ولما أمره بهجره الزمان الطويل أخبره بأنه يمتثل أمره ويعتزله وقومه ومعبوداتهم فهاجر إلى الشام وقيل الى حران وكانوا بأرض كوثا ولسان الصدق الثناء الحسن الباقي عليهم آخر الأبد قاله ابن عباس:
{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ} الآية وقرىء: مخلصاً بفتح اللام أي أخلصه الله للعبادة والنبوة وقرىء: بكسر اللام أي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وحسن مجيء قوله: نبياً بعد قوله: رسولاً كونه فاصلة واطلاق رسول على الملائكة ولا يقال لهم في العرف أنبياء ونداؤه إياه هو تكليمه تعالى إياه * والطور الجبل المشهور بالشام والظاهر أن الأيمن صفة للجانب لقوله في آية أخرى جانب الطور الأيمن بنصب الأيمن نعتاً لجانب الطور والأيمن مشتق من اليمن وهي البركة.
{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} هو تقريب مكانة وتشريف لا مكان ونجيا فعيلاً من المناجاة وهو حال من المفعول في قربناه والمناجاة المسارة ومن في من رحمتنا للسبب أي من أجل رحمتنا له أو للتبعيض وأخا مفعول بوهبنا وهارون بدل أو عطف بيان * قال الزمخشري: وأخاه على هذا الوجه يعني كون من في من رحمتنا للتبعيض بدل وهارون عطف بيان كقولك رأيت رجلاً أخاك زيداً "انتهى" والذي يظهر ما قلناه ولا ترادف من بعضنا فتبدل منها وإسماعيل هو ابن ابراهيم عليهما السلام وصدق وعده أنه كان منه مواعيد لله وللناس فوفي بالجميع ولذلك خص بصدق الوعد.
{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ} أي كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم ولأنهم أولى من سائر الناس كقوله تعالى:
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214].
{مَرْضِيّاً} مفعول من رضى ويقال: مرضو بإِدغام واو مفعول في اللام التي هي واو يقال مرضى لأنه اجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون وقلبت ياء فأدغمت الياء في الياء مرضياً وحسن مجيء مرضى دون مرضو كونه فاصلة.