خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
١٧١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
١٧٢
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٧٣
-البقرة

النهر الماد

{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وداعيهم إلى الهدى.
{كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ} والمنعوق به. شبه داعي الكفار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه وشبّه الكفار بالغنم في كونهم لا ينتفعون بما دعوا إليه غير أصوات. حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني وهو الذي ينعق ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
وتقدم {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ}، وهنا أقبل على المؤمنين بندائهم وأباح لهم أكل ما رزقهم من الطيبات وأمرهم بالشكر على ذلك وكانت وجوه الطيبات كثيرة استطرد إلى ذكر المحرمات. وقرىء حَرّم وحُرّم وحزم والميتة بالتخفيف والتشديد، والظاهر أن المحذوف هو الأكل أي أكل الميتة لقوله: كلوا من طيبات. والميتة عام خص منه الحوت والجراد. قال ابن عطية: الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم "انتهى".
فإِن عني لم يدخل في دلالة اللفظ فلا نسلم له ذلك وإن عني لم يدخل في الارادة فهو كما قال، لأن المخصص يدل على أنه لم يرد به الدخول في اللفظ العام الذي خصص به.
وقال الزمخشري: فإِن قلت في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد، قلت: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه على العادة ألا ترى أن القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الفهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دماً لم يسبق إلى الكبد والطحال، ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث وإن أكل لحماً في الحقيقة. وقال تعالى:
{ { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً } [النحل: 14]. وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن سماه الله دابة في قوله: { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الأنفال: 55]. "انتهى". وملخص ما يقول ان السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة وليس كما قال وكيف يكون ذلك وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "احلت لنا ميتتان ودمان" فلو لم يندرج في الدلالة لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله إذ كان يبقى مدلولاً على حله بقوله: { كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ } [البقرة: 168] {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة كما قال الزمخشري: بل لو لم يكن للمخاطب شعور البتة ولا علم ببعض أفراد العام وعلق الحكم على العام لا يدرج فيه ذلك الفرد الذي لا شعور للمخاطب به. مثال ذلك: ما جاء في الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع فهذا علق الحكم فيه بكل ذي ناب والمخاطب الذين هم العرب لا علم لهم ببعض أفراد ذي الناب، وذلك الفرد مندرج في العموم يقضي عليه بالنهي كما في بلادنا بلاد الأندلس أنه ليس حيوان مفترس يسمى عندهم باللب وبالسبع. وفي جواز أكل السمك الطافي والجراد الذي مات بغير سبب خلاف، والدم عام فإِذا كان مسفوحاً فلا خلاف في نجاسته وتحريمه. وفي دم السمك المزايل له خلاف ويجوز أكل الدم المتخلل بالعروق واللحم الشاق إخراجه والكبد والطحال ولحم الخنزير ظاهره أن المحرم منه هو لحمه فقط. وبه قال داود وقال سائر العلماء: لحمه وسائر أجزائه حرام. وفي جواز أكل الخنزير البحري خلاف. وقال الزمخشري: فإِن قلت فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه. قلت لأن الشحم داخل في ذكر اللحم بدليل قولهم لحم سمين يريدون أنه شحيم. "انتهى".
وقولهم هذا ليس بدليل على أن الشحم داخل في ذكر اللحم لأن وصف الشيء بأنه يمازجه شيء آخر لا يدل على أنه مندرج تحت مدلول ذلك الشيء ألا ترى أنك تقول مثلاً: رجل لابن ورجل عالم، لا يدل ذلك على أن اللبن أو العلم داخل في ذكر الرجل ولا أن ذكر الرجل مجرداً عن الوصفين يدل عليهما. وقال ابن عطية: وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذكّ وليعم الشحوم وما هناك من الغضاريف وغيرها. وأجمعت الأمة على تحريم شحمه. "انتهى".
وليس كما ذكر لأن ذكر اللحم لا يعم الشحم وما هنالك من الغضاريف لأن كلاً من الشحم واللحم وما هناك من غضروف وغيره له اسم يخصه. إذ أطلق ذلك الاسم لم يدخل فيه الآخر، ولا يدل عليه لا بمطابقة ولا تضمن فإِذن تخصيصه بالذكر يدل على تخصيصه بالحكم إذ لو أريد المجموع لدل بلفظ يدل على المجموع.
وقوله: أجمعت الأمة على تحريم شحمه ليس كما ذكر ألا ترى أن داود لا يحرم إلا ما ذكره الله تعالى وهو اللحم دون الشحم إلا أن يذهب ابن عطية إلى ما يذكر عن أبي المعالي عبد الملك الجويني من أنه لا يعتد في الاجماع بخلاف داود. وقد اعتد أهل العلم الذين لهم ألفهم التام والاجتهاد قبل أن يخلق الجويني بازمان بخلاف داود ونقلوا أقاويله في كتبهم كما نقلوا أقاويل الأئمة كالأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد ودان بمذهبه. وقوله: وطريقته ناس وبلاد وقضاة وملوك الأزمان الطويلة ولكنه في عصرنا هذا قد حمل هذا المذهب كغيره.
{وَمَآ أُهِلَّ بِهِ} الاهلال رفع الصوت أي ذبح لغير الله من الأصنام والطواغيت ومعبود غير الله ومقصود به التباهي والتفاخر.
{فَمَنِ ٱضْطُرَّ} أي في مخمصة.
{غَيْرَ بَاغٍ} أي على المسلمين.
{وَلاَ عَادٍ} عليهم كقطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم.
{فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} في تناول شيء من هذه المحرمات ولا يرتفع الاثم إلا إذا كان المضطر غير باغ ولا عاد. وجاء في الآية الأخرى: غير متجانف لاثم، فيقيد به مطلق قوله: إلا ما اضطررتم إليه. وقرىء بكسر نون فمن وضمها وبكسر الطاء وبإِدغام الضاد في الطاء.