خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٢٢
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
٢٣
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٤
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ
٢٥
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ
٢٦
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
٢٧
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
٢٨
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ
٣٠
وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
٣١
وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ
٣٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٣٣
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ
٣٤
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
٣٥
وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ
٣٦
خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ
٣٧
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٨
لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٣٩
بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٤٠
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٤١
قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ
٤٢
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ
٤٣
بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ
٤٤
قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ
٤٥
وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
٤٦
وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ
٤٧
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ
٤٨
ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
٤٩
وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٠
وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ
٥١
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ
٥٢
قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ
٥٣
قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٥٤
قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ
٥٥
قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٥٦
-الأنبياء

النهر الماد

{فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} نزه نفسه عما وصفه به أهل الجهل ثم وصف نفسه بأنه مالك هذا المخلوق العظيم الذي جميع العالم هو متضمنهم ثم وصف نفسه بكمال القدرة ونهاية الحكمة فقال: لا يسأل عما يفعل إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء وفعله على أقصى درجات الحكمة فلا اعتراض ولا تعقب عليه والظاهر في قوله: لا يسأل العموم في الأزمان.
{وَهُمْ يُسْأَلُونَ} عن أعمالهم ثم كرر تعالى عليهم الإِنكار والتوبيخ فقال: أم اتخذوا من دونه آلهة استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم وزاد في هذا التوبيخ قوله: من دونه فكأنه وبخهم على قصد الكفر بالله عز وجل ثم دعاهم إلى الإِتيان بالحجة على ما اتخذوا ولا حجة تقوم على أن لله شريكاً لا من جهة العقل ولا النقل بل كتب الله السابقة شاهدة بتنزيهه تعالى عن الشركاء والانداد كما في الوحي الذي جئتكم به.
{هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} أي عظة للذين معي وهم أمته.
{وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} وهم أمم الأنبياء والذكر هنا مراد به الكتب الإِلهية ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى القرآن والمعنى في ذكر الأولين والآخرين بالدعوة وبيان الشرع وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم والمعنى على هذا عرض القرآن في معرض البرهان أي:
{هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} فهذا برهاني في ذلك ظاهر.
{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} الآية أخبر تعالى أنه ما أرسل من رسول إلا جاء مقرراً لتوحيد الله وإفراده بالإِلهية والأمر بالعبادة ولما كان من رسول عاماً وكان له لفظ ومعنى أفرد على اللفظ في قوله:
{إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ} ثم جمع على المعنى في قوله:
{فَٱعْبُدُونِ} ولم يأت التركيب فاعبدني ويحتمل أن يكون الأمر له ولأمته ثم نزه تعالى نفسه عما نسبوا إليه من الولد قيل ونزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله وقالت النصارى نحو هذا في عيسى واليهود في عزير ثم أضرب تعالى عن نسبة الولد إليه فقال.
{بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تقديره بل هم عباد مكرمون ويشمل هذا اللفظ الملائكة وعزيراً والمسيح.
{لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} المعنى أنهم يتبعون قوله: ولا يقولون شيئاً حتى يقوله: فلا يسبق قولهم قوله:
{وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} فكما أن قولهم تابع لقوله: كذلك فعلهم مبني على أمره لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به وهذه عبارة عن توغلهم في طاعته والامتثال لأمره.
{وَلاَ يَشْفَعُونَ} لما كانوا مقهورين تحت أمره وملكوته وهو محيط بهم لم يجسروا على أن يشفعوا.
{إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} الله تعالى وأهله للشفاعة في زيادة الثواب والتعظيم ثم هم مع ذلك.
{مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} متوقعون حذرون لا يأمنون مكر الله وقال ابن عباس: لمن ارتضى هو من قال: لا إله إلا الله وشفاعتهم الاستغفار.
{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ} بعد أن وصف كرامتهم عليه وأثنى عليهم وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية فاجأ بالوعيد الشديد وأنذر بعذاب جهنم من ادعى منهم أنه إله وذلك على سبيل الفرض والتمثيل مع علمه بأنه لا يكون كقوله تعالى:
{ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 88] قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد.
{كَذَلِكَ} مثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين وهم الكافرون الواضعون الشىء في غير موضعه وأداة الشرط تدخل على الممكن والممتنع نحو قوله تعالى:
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65].
{أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية هذا استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة ودلالة على تنزيهه عن الشريك وتوكيد لما تقدّم من أدلة التوحيد وقوله:
{كَانَتَا رَتْقاً} قال الزجاج: السماوات جمع أريد به الواحد ولهذا قال: كانتا رتقاً لأنه أراد السماء والأرض قال ابن عباس: وجماعة كانتا شيئاً واحداً ففضل الله بينهما بالهواء وقيل في الرتق والفتق غير ذلك يقال رتق الشىء سده فارتقق ومنه الرتقاء للمنضنمة الفرج وفتق فصل ما بين المتصلين.
{وَجَعَلْنَا} ان تعدت الواحد كانت بمعنى خلقنا.
{مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ} حيوان أي مادته النطفة وإن تعدت إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل.
{شَيْءٍ حَيٍّ} متسبباً من الماء لا بد له منه.
{أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} استفهام إنكار وفيه معنى التعجب من ضعف عقولهم والمعنى أفلا يتدبرون هذه الأدلة ويعملوا بمقتضاها.
{وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} تقدم نظيره في النحل والظاهر أن الضمير فيها عائد على الأرض وقيل على الرواسي وجاء هنا تقديم فجاجاً على قوله سبلاً وفي سورة نوح لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً لأجل الفواصل.
{وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} وما رفع وسمك على شىء فهو سقف وعن بن عباس
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى السماء فقال: إن السماء سقف مرفوع وموج مكفوف يجري كما يجري السهم محفوظاً من الشياطين" .
{وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا} أي عما وضع الله تعالى فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات ومسايرها وطلوعها وغروبها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة.
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} قدم الليل لأن الظلمة تسبق النور والشمس على القمر لأن القمر يستمد النور منها.
{كُلٌّ فِي فَلَكٍ} الفلك الجسم الدائر دورة اليوم والليلة وعن ابن عباس الفلك السماء وقال أكثر المفسرين: الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر كل في فلك الذي حذف مضافة يجوز أن يعود الضمير عليه مفرداً كقوله تعالى:
{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } [الإسراء: 84] ويجوز أن يعود عليه جمعاً كقوله تعالى: { وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ } [الأنفال: 54] وجاء هنا بمضير الجمع في قوله: يسبحون رعيا للفواصل وكني بالسبح عن الجريان وجاء الضمير مجموعاً وإن كان عائداً على الشمس والقمر باعتبار أوقات مطالعهما لكثرة المطالع.
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} قيل ان بعض المسلمين قال: ان محمداً لا يموت وإنما هو مخلد فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والفاء في أفان مت للعطف وقدمت عليها همزة الاستفهام له صدر الكلام وهمزة الاستفهام دخلت على أن الشرطية والجملة بعدها جواب الشرط وليست مصب الاستفهام فتكون الهمزة داخلة عليها واعترض الشرط بينهما فحذف جوابه هذا مذهب سيبويه وزعم يونس أن تلك الجملة هي مصب الاستفهام والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه وللمذهبين تقرير في علم النحو:
{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تقدّم الكلام عليه.
{وَنَبْلُوكُم} نختبركم وقدم الشر لأن الابتلاء به أكثر ولأن العرب تقدم الأقل والأرد أو عن ابن عباس الخير والشر هنا عام في الغنى والفقر والصحة والمرض والطاعة والمعصية.
{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فنجازيكم على ما صدر منكم في حالة الابتلاء من الصبر والشكر وفي غير الابتلاء.
{وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية، قال السدي: ومقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي جهل وأبي سفيان فقال أبو جهل: هذا نبي بني عبد مناف فقال أبو سفيان وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف فسمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي جهل ما تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة وأما أنت يا أبا سفيان فإِنما قلت ما قتله حمية فنزلت وان نافية بمعنى ما والظاهر أن جواب إذا هو أن يتخذونك وجوب إذا بان النافية لم يرد منه في القرآن إلا هذا وقوله في الفرقان وإذا رأوك. أن يتخذونك الا هزأ ولم يحتج إلى الفاء في الجواب كما لم تحتج إليه ما إذا وقت جواباً كقوله تعالى:
{ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } [الجاثية: 25] بخلاف أدوات الشرط فإِنها إذا كان الجواب مصدراً بما النافية فلا بد من الفاء نحو أن تزرنا فما نسيء إليك.
{أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أهذا استفهام فيه إنكار وتعجيب والذكر يكون بالخير والشر فإِذا لم يذكر متعلقة فالقرينة تدل عليه فإِن كان من صديق فالذكر ثناء أو من غيره فذم ومنه قالوا سمعنا فتى يذكرهم أي بسوء وكذلك هنا أي أهذا الذي يذكر آلهتكم ثم نعي عليهم إنكارهم عليه ذكر آلهتهم بهذه الجملة الحالية وهي وهم بذكر الرحمن هم كافرون أي منكرون وهذه حالهم يكفرون بذكر الرحمن وهو ما أنزل من القرآن فمن هذه حالة لا ينبغي أن ينكر على من يعيب آلهتهم والظاهر أن هذه الجملة حال من الضمير في يقولون المحذوف ولما كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى الإِقرار والعلم نهاهم تعالى عن الاستعجال وقدم أولاً ذم الإِنسان على فراط العجلة وأنه مطبوع عليها والظاهر أنه يراد بالإِنسان هنا إسم الجنس وكونه خلق من عجل هو على سبيل المبالغة لما كان يصدر منهم كثيراً كما تقول لمكثر اللعب أنت من لعب.
{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} فمتى استفهام على جهة الهزؤ وكان المسلمون يتوعدونهم على لسان الشرع * ومتى في موضع الخبر لهذا فموضعه رفع وهو على حذف مضاف تقديره حتى انجاز هذا الوعد.
{لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية الظاهر أن مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطؤه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء ويجوز أن يكون من باب الأعمال على حذف مضاف وأعمل الثاني والمعنى لو يعلمون مباشرة النار حين لا يكفونها عن وجوههم وذكر الوجه لأنه أشرف ما في الإِنسان ومحل حواسه والإِنسان أحرص على الدفاع عنه من غيره من أعضائه ثم عطف عليها الظهور والمراد عموم النار لجميع أبدانهم ولا أحد يمنعهم من العذاب وجواب لو محذوف تفسيره لسعوا فيما يخلصهم من عذاب الله والظاهر أن الضمير في تأتيهم عائد على النار بغتة أي فجأة.
{وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون عما حل بهم من العذاب ولما تقدم قوله: إن يتخذونك إلا هزؤا سلاه تعالى بأن من تقدمه من الرسل وقع من أحمهم الاستهزاء بهم وأن ثمرة استهزائهم جنوها هلاكاً وعقاباً في الدنيا والآخرة فكذلك حال هؤلاء المستهزئين وتقدم تفسير مثل هذه الآية في الانعام ثم أمره تعالى أن يسألهم من الذي يحفظكم في أوقاتكم من يأس الله أي: لا أحد يحفظكم منه وهو استفهام توبيخ وتقريع وفي الكلام تقدير محذوف كأنه قال ليس لهم ما نع ولا كالىء وعلى هذا النفي تركبت بل في قوله تعالى: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ}.
{تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا} أي: من جهة غير جهتنا ويجوز أن يكون في موضع الصفة لقوله: آلهة أي كائنة من جهتنا تمنعهم لما ذكر تعالى نفي منع آلهتهم وذكر أيضاً عنهم أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منقادون منا أي يؤخذون منا يقال أصحب فلان فلاناً إذا أقاده ومنه قول الشاعر: ولست بذي رثيه امر إذا قيد مستكرهاً أصحبا يريد إنقاد والرثية البطؤ في الشىء والأمر الرجل الذي يطيع كل ما أمر.
{بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ} قال أكثر المفسرين: انها نزلت في كفار مكة وهؤلاء إشارة إلى المخاطبين من كفار مكة ومن اتخذ آلهة من دون الله أخبر تعالى أنه متع هؤلاء الكفار وآباءهم من قبلهم بما رزقهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة وتدعوا في الضلالة بإِمهاله إياهم وتأخيرهم إلى الوقت الذي يأخذهم فيه.
{أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} تقدم تفسير هذه الجملة في آخر الرعد وفي قوله: {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} دليل على أنهم هم المغلوبون فهو استفهام فيه تقريع لهم وتوبيخ حيث لم يعتبروا بما يجري عليهم ثم أمره تعالى أن يقول لهم إنما أنذركم بالوحي أي أعلمكم بما تخافون منه بوحي من الله لا من تلقاء نفسي وما كان من جهة الله فهو الصدق الواقع لا محالة كما رأيتم بالعيان من نقصان الأرض من أطرافها * ثم أخبر أنهم مع إنذارهم معرضون عما أنذروا به والإِنذار لا يجدي فيهم إذ هم صم عن سماعه ولما كان الوحي من المسموعات كان ذكر الصم مناسباً والصم هم المنذرون فأل فيه للعهد وناب الظاهر مناب المضمر لأن فيه التصريح بتصامهم وسد أسماعهم إذ أنذروا ونفي السماع هنا هو نفي جدواه ثم أخبر تعالى أن هؤلاء الذين صموا عن سماع ما أنذروا به إذ نالهم شىء مما أنذروا به ولو كان يسيراً نادوا بالهلاك وأقروا بأنهم كانوا ظالمين نبهوا على العلة التي أوجبت لهم العذاب وهو ظلم الكفر وذلوا وأذعنوا قال ابن عباس: نفحة طرف وعنه هو الجوع الذي نزل بمكة ولما ذكر حالهم في الدنيا إذا أصيبوا بشيء استطرد لما يكون في الآخرة التي هي مقر الثواب والعقاب فأخبر تعالى عن عدله وأسند ذلك إلى نفسه بنون العظمة فقال:
{وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ} وتقدم الكلام على الموازين في أول الاعراف والقسط مصدر قسط وصفت به الموازين مبالغة فكأنها جعلت في أنفسها القسط أو على حذف مضاف أي ذوات القسط ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي لأجل القسط وقرىء:
{مِثْقَالَ} بالرفع فاعل لكان وهي تامة ومثقال بالنصب على خبر كان واسمها مضمرمة تقديره وإن كان هو أي العمل أو الشىء والجملة دالة على جميع ما يفعل الإِنسان من صغير وكبير وتفسيره بـ
{حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} مبالغة في التقليل وأنث الضمير في بها وهو عائد على مذكر وهو مثقال لإِضافته إلى مؤنث.
{وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} فيه توعد وبنا فاعل والباء زائدة نحو كفى بالله وهو إشارة إلى ضبط أعمالهم من الحساب وهو العد والإِحصاء والظاهر أن حاسبين تمييز لقبوله من ويجوز أن يكون حالاً.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} لما ذكر ما آتى رسوله وحال مشركي العرب حال ذكر ما أوتي موسى وهارون بإِشارة إلى قصتها مع قومهما مع ما أوتوا من الفرقان والضياء والذكر ثم نبه على ما آتى رسوله من الذكر المبارك ثم استفهم على سبيل الإِنكار على إنكارهم ما آتى رسله والفرقان التوراة وهو الضياء والذكر أي كتاباً هو فرقان وضياء وذكر ويدل على هذا المعنى قراءة ابن عباس ضياء بغير واو.
{وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} استئناف اخبار عنهم وأن يكون معطوفاً على صلة الذين وتكون الصلة الأولى مشعرة بالتجدد دائماً كأنها حالتهم فيما يتعلق بالدنيا والصلة الثانية من مبتدأ وخبر عنه بالاسم المشعر بثبوت الوصف كأنها حالتهم فيما يتعلق بالآخرة ولما ذكر ما آتى بموسى وهارون عليهما السلام أشار إلى ما آتى محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: وهذا ذكر أي وهذا القرآن ذكر مبارك أي كثير منافعه غزير خيره وجاءنا هنا الوصف بالاسم بالجملة جرياً على الأشهر.
{وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تقدم الكلام عليه في الانعام.
{أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ وهو خطاب للمشركين والضمير في له عائد على ذكر وهو القرآن وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإذ أنكر ذلك المشركون كما أنكر أسلاف اليهود ما أنزل الله على موسى عليه السلام.
{وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ} الآية لما تقدم الكلام في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد اتبع ذلك بذكر أنبياء وما جرى لهم كل ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليتأسى بهم فيما جرى عليه من قومه وقرىء:
{رُشْدَهُ} ورشده والرشد الظاهر أنها النبوة والمضاف إليه من قبل محذوف وهو معرفة ولذلك بني قبل أي من قبل موسى وهارون والضمير في به الظاهر أنه عائد على إبراهيم وعلمه تعالى به أنه علم منه أحوالاً عجيبة وأسراراً بديعة فأهله لخلته كقوله تعالى:
{ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124] * وهذا من أعظم المدح وأبلغه إذ أخبر تعالى أنه آتاه الرشد وأنه عالم بما آتاه ربه صلى الله عليه وسلم ثم استطرد من ذلك إلى تفسير الرشد وهو الدعاء إلى توحيد الله تعالى ورفض ما عبد من دونه وإذ معمولة لآتينا وبدأ أولاً بذكر أبيه لأنه الأهم عنده في النصيحة وإنقاذه من الضلالة ثم عطف عليه قومه كقوله تعالى: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214] وفي قوله:
{مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} تحقير لها وتصغير لشأنها وتجاهل بها مع علمه بها وبتعظيمهم لما وفي خطابه لهم بقوله: أنتم استهانة بهم وتوقيف على سوء صنيعهم والتمثال الصورة المصنوعة مشبهة لمخلوق من مخلوقات الله ومنه مثلث الشىء بالشىء إذا شبهته به * وقال امرؤ القيس:

ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال

وعكف يتعدى بعلى كقوله تعالى: { يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } [الأعراف: 138] فقيل لها بمعنى عليها كما قيل في قوله: وإن أسأتم فلها والظاهر أن اللام في لها لام التعليل أي لتعظيمها وصلة عاكفون محذوفة أي على عبادتها وقيل ضمن عاكفون معنى عابدين فعداه باللام ولما سألهم أجابوه بالتقليد البحت وأنه فعل آبائهم اقتدوا به من غير برهان فلما أجابوه بما لا شبهة لهم فيه.
{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ} أي حيرة واضحة لا التباس فيها وحكم بالضلال على المقلدين والمقلدين وجعل الضلال مستقراً لهم وأنتم توكيد للضمير الذي هو اسم كان * أم أنت من اللاعبين جملة معادلة للجملة التي قبلها والمعنى أجئتنا بالحق أم بغير الحق وهو اللعب.
{بَل رَّبُّكُمْ} قبلها جملة محذوفة تقديرها ليست تلك التماثيل أرباباً بل ربكم.
{رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} الظاهر أنه عائد على السماوات والأرض وتخيل ابن عطية وغيره أن الضمير في فطرهن يخص من يعقل وليس بصحيح بل هو لفظ مشترك بين من يعقل وما لا يعقل من المؤنث المجموع ومن ذلك قوله تعالى:
{ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } [التوبة: 36] والضمير عائد على الأشهر الأربعة الحرم والإِشارة بقوله: ذلكم إلى ربوبيته تعالى ووصفه بالاختراع لهذا العالم ومن للتبعيض أي الذين يشهدون الربوبية كثيرون وأنا بعض منهم.