خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
٢٨
يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ
٢٩
وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ
٣٠
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ
٣١
وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ
٣٢
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٣٣
وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ
٣٤
ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
٣٥
وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ
٣٦
أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ
٣٧
وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ
٣٨
يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ
٣٩
مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
٤٠
وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ
٤١
تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ
٤٢
لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ
٤٣
فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
٤٤
فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ
٤٥
ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ
٤٦
وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ
٤٧
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ
٤٨
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ
٤٩
قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ
٥٠
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ
٥١
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٥٢
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ
٥٣
هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
٥٤
فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ
٥٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٥٦
لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٥٧
وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ
٥٨
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
٥٩
وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
٦٠
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
٦١
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٦٢
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٦٣
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٦٤
هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٦٥
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٦٦
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ
٦٧
هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ
٦٨
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ
٦٩
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٧٠
إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ
٧١
فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ
٧٢
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ
٧٣
مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ
٧٤
ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ
٧٥
-غافر

النهر الماد

{ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ } قيل كان قبطياً وهو ابن عم فرعون وقيل كان إسرائيلياً واسمه سمعان وقيل غير ذلك.
{ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ } في موضع الصفة ورد قول من علق من آل فرعون بيكتم فإِنه لا يقال كتمت من فلان كذا إنما يقال كتمت فلاناً قال تعالى ولا يكتمون الله حديثاً وقال الشاعر:

كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً

{ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } هذا إنكار منه عظيم وتبكيت لهم كأنه قال أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله ربي الله مع أنه قد جاءكم بالبينات من ربكم أي من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده وهذا استدراج إلى استدراج إلى الاعتراف بالبينات بالدلائل على التوحيد وهي التي ذكرها في طه والشعراء حالة محاورة له في سؤاله عن ربه تعالى ولما صرح بالإِنكار عليهم غالطهم بعد في أن قسم أمره إلى كذب وصدق وأبدى ذلك في صورة احتمال ونصيحة وبدأ في التقسيم بقوله:
{ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } مداراة منه وسلوكاً لطريق الإِنصاف في القول وخوفاً إذا أنكر عليهم قتله أنه ممن يعاضده وينصره فأوهمهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من شره ويكون ذلك أدنى إلى تسليمهم ومعنى فعليه كذبه أنه لا يتخطاه ضرره.
{ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ } هو يعتقد أنه نبي قطعاً لكنه أتى بلفظ بعض لإِلزام الحجة بأيسر ما في الأمر وليس فيه نفي أن يصيبهم كل ما يعدهم.
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي } فيه إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام وان من اصطفاه الله تعالى للنبوة لا يمكن أن يقع منه إسراف ولا كذب وفيه تعريض بفرعون إذ هو في غاية الإِسراف على نفسه بقتل أبناء المؤمنين وفي غاية الكذب إذا دعى الإِلٰهية والربوبية ومن هذا شأنه لا يهديه الله أبداً وفي الحديث
"الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم" وفي الحديث "أنه عليه السلام طاف بالبيت فحين فرغ أخذوا بمجامع ردائه فقالوا له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا فقال أنا ذلك فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم رافعاً صوته بذلك وعيناه تسفحان بالدموع حتى أرسلوه" ثم قال:
{ يٰقَومِ } نداء متلطف في موعظتهم.
{ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ } أي غالبين عالين.
{ فِي ٱلأَرْضِ } أرض مصر قد غلبتم بني إسرائيل فيها وقهرتموهم واستعبدتموهم وبدأهم بالملك الذي هو أعظم مراتب الدنيا وأجلها وهو من جملة شهواتهم وانتصب ظاهرين على الحال والعامل فيها هو العامل في الجار والمجرور وذو الحال هو ضمير لكم ثم حذرهم أن يفسدوا على أنفسهم بأنه إن جاءهم بأس الله لم يجدوا لهم دافعاً ولا ناصراً وأدرج نفسه في ينصرنا وجاءنا لأنه منهم في القرابة وليعلمهم أن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه وأقوال هذا المؤمن هذه تدل على زوال هيبة فرعون من قلبه ولذلك استكان فرعون وقال:
{ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ } أي ما أشير عليكم إلا بقتله ولا أستصوب إلا ذلك وهذا قول من لا تحكم له وأتى بما وإلا للحصر والتأكيد.
{ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } لا ما تقولونه من ترك قتله وقد كذب بل كان خائفاً وجلاً وقد علم أن ما جاء به موسى عليه السلام حق ولكنه كان يتجلد ويرى ظاهره خلاف ما أبطن.
{ وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ } الآية الجمهور ان على هذا المؤمن هو الرجل القائل أتقتلون رجلاً قص الله تعالى أقاويله إلى آخر الآيات لما رأى ما لحق فرعون من الخور والخوف التي بنوع آخر من التهديد وخوفهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السالف من استصال الهلاك حين كذبوا رسلهم وقويت نفسه متى سرد عليهم ما سرد ولم يهب فرعون ويوم التناد هو يوم الحشر والتنادي مصدر تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً قال الشاعر:

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً فقلت أعند الله ذلكم الردى

وسمي يوم التناد أما النداء بعضهم بالويل والثبور وأما لتنادي أهل الجنة وأهل النار على ما ذكر في الأعراف وفي الحديث "ان للناس جولة يوم القيامة يندون يظنون أنهم يجدون مهرباً ثم تلا يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم في فراركم حتى تطفى في النار ولما يئس المؤمن من قبولهم قوله قال: ومن يضلل الله فما له من هاد" .
قال الزمخشري: ويحتمل أن يكون ان الذين يجادلون مبتدأ وبغير سلطان أتاهم خبراً وفاعل كبر قوله: كذلك أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال ويطبع الله كلام مستأنف ومن قال كبر مقتاً عند الله جدالهم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه "انتهى". وهذا الذي أجازه لا يجوز أن يكون مثله في كلام فصيح في كلام الله تعالى لأن فيه تفكيك الكلام بعضه من بعض وارتكاب مذهب الصحيح خلافه أما تفكيك الكلام فالظاهر أن بغير سلطان. متعلق بيجادلون ولا يتعقل جعله خبراً للذين لأنه جار ومجرور فيصير التقدير الذين يجادلون في آيات الله كائنون أو مستقرون بغير سلطان أي في غير سلطان لأن الباء إذ ذاك ظرفية خبر عن الجثة وكذلك في قوله: يطبع انه مستأنف فيه تفكيك الكلام لأن ما جاء في القرآن من كذلك يطبع أو نطبع إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض فكذلك هنا وأما ارتكاب مذهب الصحيح خلافه فجعل الكاف اسماً فاعلاً بكبر وذلك لا يجوز على مذهب البصريين إلا الأخفش ولم يثبت في كلام العرب أعني نثرها جاءني كزيد تريد مثل زيد فلم تثبت إسميتها فتكون فاعلة وأما قوله ومن قال: إلخ فإِن قائل ذلك هو الحوفي والظن به أنه فسر ولم يرد الإِعراب وإنما تفسير الإِعراب أن الفاعل بكبر ضمير يعود على الجدال المفهوم من يجادلون كما قالوا من كذب كان شراً له أي كان هو أي الكذب المفهوم من كذب والأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون الذين مبتدأ وخبره كبر والفاعل ضمير المصدر المفهوم من يجادلون وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه ويكون الواعظ لهم قد عدل عن مخاطبتهم إلى الإِسم الغائب لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم وإبراز ذلك في صورة تذكيرهم ولا يفاجأهم بالخطاب وفي قوله: كبر مقتاً ضرب من التعجب والاستعظام بجدالهم والشهادة على خروجه عن احد أشكاله من الكبائر.
{ كَذَلِكَ } أي مثل ذلك الطبع على قلوب المجادلين.
{ يَطْبَعُ ٱللَّهُ } أي يختم بالضلال ويحجب عن الهدى وقرىء: قلب كل بالإِضافة وبالتنوين فمتكبر صفة له.
{ وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ } أقول فرعون ذروني اقتل موسى ما أريكم إلا ما أرى يا هامان ابن لي صرحاً حيدة عن محاجة موسى عليه السلام ورجوع إلى أشياء لا تصح وذلك كله لما خامره من الجزع والخوف وعدم المقاومة والتعرف بأن هلاكه وهلاك قومه على يدي موسى وأن قدرته عجزت عن التأثير في موسى هذا على كثرة سفكه الدماء وتقدم الكلام على الصرح وقرىء: فأطلع بالرفع عطفاً على أبلغ وقرىء بالنصب.
قال الزمخشري: على جواب الترجي تشبيهاً للترجي بالتمني "انتهى".
فالترجي لا يكون إلا في الممكن وبلوغ أسباب السماوات غير ممكن لأن فرعون أبرز ما لا يمكن في صورة الممكن تمويهاً على سامعيه وأما النصب بعد الفاء في جواب الترجي فشىء أجازه الكوفيون ومنعه البصريون واحتج الكوفيون بهذه القراءة وقرىء: وصد مبنياً للفاعل وصد مبنياً للمفعول.
{ وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ } بدأ المؤمن بذكر المتسبب عن دعوته وأبدى التفاضل بينهما ولما ذكر المسببين ذكر سببهما وهو دعاؤهم إياه إلى الكفر والشرك ودعاؤه إياهم إلى الإِيمان والتوحيد وأتى بصفة العزيز وهو الذي لا نظير له الغفار لذنوب من رجع إليه وآمن به وأوصل سبب دعائهم بمسببه وهو الكفر والنار وآخر سبب مسببه ليكون افتتاح كلامه واختتامه بما يدعو إلى الخير وبدأ أولاً بجملة إسمية وهو الاستفهام المتضمن التعجب من حالتهم وختم أيضاً بجملة إسمية ليكون أبلغ في توكيد الأخبار وجاء في حقهم وتدعونني بالجملة الفعلية التي لا تقتضي التوكيد إذ دعوتهم باطلة لا ثبوت لها فتؤكد وما ليس لي به علم هي الأوثان أي لم يتعلق علمي بها إذ ليس لها مدخل في الألوهية ولا لفرعون وتقدّم الكلام على لا جرم ولما ذكر انتفاء دعوة ما عبد من دون الله ذكر أن مرد الجميع إلى الله أي إلى جزائه.
{ فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } قال مقاتل لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه فوقاه الله سيئات ما مكروا أي شدائد مكرهم التي تسوؤه وما هموا به من أنواع العذاب لمن خالفهم.
{ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ } قال ابن عباس هو ما حاق بالألف بعثهم فرعون في طلب المؤمن من أكل السباع والموت بالعطش والقتل والصلب كما تقدم والظاهر أن العرض خلاف الإِحراق وقرىء كل بالرفع مبتدأ خبره فيها والجملة في موضع خبر انا وقرىء بالنصب وخرجه الزمخشري وابن عطية على التوكيد قال الزمخشري لاسم ان وهو معرفة والتنوين عوض من المضاف إليه يريد انا كلنا فيها انتهى. وخبر ان هو فيها ومن رفع كلا فعلى الابتداء وخبره فيها والجملة خبر ان وقال ابن مالك في تصنيفه وقد تكلم على كل ولا يستغنى بنية إضافته خلافاً للفراء والزمخشري انتهى وهذا المذهب منقول عن الكوفيين وقال الزمخشري وأيضاً (فإِن قلت) هل يجوز أن يكون كلا حالاً قد عمل فيها (قلت) لا لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدماً تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول قائماً في الدار زيد انتهى هذا الذي منعه أجازه الأخفش إذا توسطت الحال نحو زيد قائماً في الدار أو زيد قائماً عندك والتمثيل الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو إسم وإن توسطت الحال إذا قلنا أنها حال وتأخر العامل فيها وأما تمثيله بقوله ولا نقول قائماً في الدار زيد فتأخر فيه المسند والمسند إليه وقد ذكر بعضهم أن المنع في ذلك إجماع من النحاة والذي اختاره في تخريج هذه القراءة أن كلاً بدل من إسم أن لأن كلا يتصرف فيها بالابتداء ونواسخه وغير ذلك فكأنه قال ان كلاً فيها وإذا كانوا قد تأولوا حولاً أكتعاً ويوماً أجمعاً على البدل مع أنهما لا يليان العوامل فإِن يدعي في كل البدل أولى وأيضاً فتنكير كل ونصبه حالاً في غاية الشذوذ والمشهور أن كلا معرفة إذا قطعت عن الإِضافة حكى مررت بكل قائماً وببعض جالساً في الفصيح الكثير في كلامهم وقد شذ نصب كل على الحال في قولهم مررت بهم كلا أي جميعاً. (فإِن قلت) كيف تجعله بدلاً وهو بدل كل من كل من ضمير المتكلم وهو لا يجوز على مذهب جمهور البصريين (قلت) مذهب الأخفش والكوفيين هو الفصيح على أن هذا ليس مما وقع فيه الخلاف بل إذا كان البدل يفيد الإِحاطة جاز أن يبدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا نعلم خلافاً في ذلك كقوله تعالى
{ { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } [المائدة: 114] وكذلك مررت بكم صغيركم وكبيركم معناه مررت بكم كلكم وتكون لنا عيداً كلنا فإِذا جاز ذلك فيما هو بمعنى الإِحاطة فجوازه فيما دلّ على الإِحاطة وهو كل أولى ولا التفات لمنع المبرد البدل فيه لأنه بدل من ضمير المتكلم لأنه لم يتحقق مناط الخلاف ولما أجاب الضعفاء الم تكبرون قالوا جميعاً لخزنة جهنم وأبرز ما أضيف إليه الخزنة ولم يأت ضميراً فكان يكون التركيب لخزنتها لما في ذكر جهنم من التهويل فراجعتهم الخزنة على سبيل التوبيخ والتقريع.
{ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ } فأجابوهم بأنهم أتتهم قالوا لهم فادعوا أنتم على سبيل الهزء بهم فإِنا لا نجترىء على ذلك.
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ } أي الدلائل التي أوردها على فرعون وقومه والكتاب التوراة توارثوها خلف عن سلف ثم أمره تعالى بتنزيهه في هذين الوقتين اللذين الناس مشغولون فيهما بمصالحهم المهمة ثم نبه تعالى على أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات الله ولا يتكبر الإِنسان بقوله تعالى:
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } أي مخلوقاته أكبر وأجل من خلق البشر فما لأحدهم يجادل ويتكبر على خالقه.
{ ٱدْعُونِيۤ } أي اعبدوني.
{ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أي أثبكم على العبادة وكثيراً جاء الدعاء في القرآن بمعنى العبادة ويقوي هذا التأويل قوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } وما روى النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
"الدعاء هو العبادة وقرأ هذه الآية { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي }" أي يتعاظمون عن توحيدي وقرىء:
{ سَيَدْخُلُونَ } مبنياً للفاعل والمفعول.
{ كَذَلِكَ } أي مثل ذلك الصرف صرف الله قلوب الجاحدين بآيات الله من الأمم عن طريق الهدى والطيبات المستلذات طعماً ولبساً ومعنى يسجرون يطرحون في النار فيكونون وقوداً لها وقيل يحرثون ثم أخبروا تعالى أنهم يوقفون يوم القيامة على جهة التوبيخ والتقريع فيقال لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا فيقولون ضلوا عنا أي تلفوا منا وغابوا واضمحلوا ثم تضطرب أقوالهم ويفزعون إلى الكذب فيقولون بل لم نكن نعبد شيئاً وهذا ومن أشد الاختلاط في الذهن والنظر.
{ ذَلِكُمُ } أي الإِضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان وفي الحديث
"ان الله يبغض المرحين الفرحين ويحب كل قلب حزين" . وتفرحون وتمرحون من باب تجنيس التحريف المذكور في علم البديع وهو أن يكون الحرف فرقاً بين الكلمتين.