خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٢٣
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
٢٤
لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
٢٥
ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٧
-التوبة

النهر الماد

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ} الآية، نهى عن اتخاذ الآباء والإِخوان أولياء إذ كانوا قد آثروا الكفر على الإِيمان، وحكم بأن من تولاهم كان منهم وأنه ظالم.
{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ} الآية، هذه الآية تقتضي الحض على الهجرة، وذكر الأبناء لأنهم أعلق بالنفس، وقدم الآباء لأنهم هم الذين يجب برهم وإكرامهم وحبّهم، وثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ولما ذكر الأصل والفرع، ذكر الحاشية وهي الاخوان، ثم ذكر الأزواج وهن في المحبة والإِيثار كالأبناء، ثم الأبعد بعد الأقرب في القرابة فقال: {وَعَشِيرَتُكُمْ}. ثم ذكر {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي اكتسبتموها لأن الأموال يعادل حبها حب القرابة بل حبها أشد، وكانت الأموال في ذلك الوقت عزيزة وأكثر الناس كانوا فقراء.
ثم ذكر {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} والتجارة لا تتهيأ إلا بالأموال. وجعل تعالى التجارة سبباً لزيادة الأموال ونمائها.
ثم ذكر {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} وهي القصور والدور. ومعنى ترضونها تختارون الإِقامة بها.
وانتصب أحب على أنه خبر كان، واسمها آباؤكم فما بعده.
وقرأ الحجاج بن يوسف أحب بالرفع فخطأه يحيى بن يعمر من حيث الرواية لأنه لم يرو إلا النصب وإن كان الرفع جائزاً من جهة العربية لأنه كان يكون في كان ضمير الأمر والشأن وهو اسمها. وآباؤكم وما عطف عليه مبتدأ. وأحب خبر. والجملة في موضع نصب على أنها خبر كان.
{أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي من الإِيمان بالله واتباع رسوله عليه السلام.
{وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} أي انتظروا. وهو أمر يتضمن التهديد.
{حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} قال ابن عباس: هو فتح مكة.
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} الآية، المواطن مقامات الحرب ومواقفها. وهذه المواطن وقعات بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة، ووصفت بالكثرة. قال أئمة التاريخ: كانت ثمانين موطناً.
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} حنين هو واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز، وصرف مذهوباً به مذهب المكان ولو ذهب به مذهب البقعة لم يصرف، كما قال الشاعر:

نصروا نبيّهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال

وإذ بدل من يوم، وأضاف الإِعجاب إلى جميعهم وإن كان صادراً من واحد منهم لما رأى الجمع الكثير أعجبه ذلك وقال: لن نغلب اليوم من قلة وهذه الكثرة. قال ابن عباس: كانوا ستة عشر ألفاً.
والباء في {بِمَا رَحُبَتْ} للحال، وما: مصدرية، أي ضاقت بكم الأرض مع كونها رحبة واسعة لشدة الحال عليهم. والرحب: السعة، وبفتح الراء الواسع. يقال: فلان رحب الصدر، وبلد رحب، وأرض رحبة، وقد رحبت رحباً ورحابة.
{ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} أي وليتم فارين على إدباركم منهزمين تاركين رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأسند التولي إلى جميعهم وهو واقع من أكثرهم إذ ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من الأبطال على ما يأتي ذكره. فنقول: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليه ألفان من الطلقاء فصاروا في اثني عشر ألفاً إلى ما انضاف إليهم من الأعراب من سليم وبني كلاب وعبس وذبْيان، وسمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له هوازن وألفافها، وعليهم مالك بن عوف النضري، وثقيف عليهم عبد يا ليل بن عمرو، وانضاف إليهم اخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفاً فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استعماله عتّاب بن أسيد على مكة حتى اجتمعوا بحنين، فلما تضافّ الناس حمل المشركون على مجابي الوادي وكانوا قد كمنوا بها فانهزم المسلمون. قال قتادة: ويقال ان الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين وبلغ فلهم مكة، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مركزه على بغلة شهباء تسمى دلدل لا يتخلخل، والعباس قد اكتنفه آخذاً بلجامها وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر وعلي بن أبي طالب وربيعة بن الحارث والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد ـ وهو أيمن ابن أمّ أيمن وقتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه ـ وهؤلاء من أهل بيته وثبت معه أبو بكر وعمر فكانوا عشرة رجال رضي الله عنهم. ولهذا قال العباس:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر منهم وأقشعوا
وعاشرنا لاقي الحمام بنفسه بما مسه في الله لا يتوجع

وثبتت أم سليم رضي الله عنها في جملة من ثبت ممسكة بعيراً لأبي طلحة وفي يدها خنجر. "ونزل صلى الله عليه وسلم عن بغلته إلى الأرض واستنصر الله تعالى وأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها في وجوه الكفار، وقال: شاهت الوجوه" . قال يعلى بن عطاء: فحدثني ابناؤهم عن آبائهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا ودخل عينيْه من ذلك التراب. "وقال عليه السلام للعباس وكان صيّتاً: نادِ أصحاب السَمُرة، فنادى الأنصار: فخذا فخذا، ثم نادي: يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب البقرة! فكروا عنقاً واحداً وهم يقولون: لبيك لبيك. وانهزم المشركون. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال: هذا حين حمي الوطيس، وركض رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفهم على بغلته" . وفي صحيح مسلم من حديث البراء "ان هوازن كانوا رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان يقود بغلته فنزل ودعا واستنصر الله تعالى وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك" . قال البراء: كنا والله إذا حمي الوطيس نتقي به صلى الله عليه وسلم وان الشجاع منا الذي يتحاذى به ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ . وفي أول هذا الحديث: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة فقال: أشهد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما ولى.
{ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} السكينة: النصر والوقار والثبات بعد الاضطراب والفلق. ويخرج من هذا القول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِنه لم يزل ثابت الجأش ساكنه.
{وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} ظاهره شمول من فر ومن ثبت. وقيل: هم الأنصار إذ هم الذين كفروا وردوا الهزيمة.
{وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} هم الملائكة بلا خلاف، ولم تتعرض الآية لعددهم.
{وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالقتل الذي استقر فيهم، والأسر لذراريهم ونسائهم، والنهب لأموالهم. وكان السبي أربعة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف. ومن الإِبل اثنا عشر ألفاً سوى ما لا يعلم من الغنم وقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وفيها قصة عباس بن مرداس وشعره، وكان مالك بن عوف قد أخرج الناس للقتال والذراري ليقاتلوا عنها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة وقال: وهل يرد المنهزم شىء. وفي ذلك قتل دريد القتلة المشهورة قتله ربيعة بن رفيع بن اهبان السُلمي. ويقال له: ابن الدغنّة.
{ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} الآية، إخبار بأن الله تعالى يتوب على من يشاء ويهدي من يشاء ممن بقي من الكفار للإِسلام ووعد بالمغفرة والرحمة كمالك بن عوف النضري رئيس هوازن، ومن أسلم معه من قومه. وروي
"أن ناساً منهم جاءوا فبايعوا على الإِسلام وقالوا: يا رسول أنت خير الناس وأبر الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. وكان سبي يومئذٍ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإِبل والغنم ما لا يحصى، فقال عليه السلام: ان خير القول أصدقه، اختاروا اما ذراريكم وإما أموالكم. فقالوا: ما نعدل بالاحساب شيئاً" . وتمام الحديث أنهم أخذوا نساءهم وذراريهم إلا امرأة وقع عليها صفوان بن أمية فحبلت منه فلم يردها.