خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
٤٢
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ
٤٣
-يوسف

تيسير التفسير

{وَقَالَ} فى اليوم الثالث عند الباب وقت خروج الساقى {لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنهُمْا} وهو الساقى، وهو أَحدهما، فمن للتبعيض، ومن الابتدائِية محذوفة أَى ناج من القتل، والظن بمعنى اليقين مثل: " { وظنوا أَن لا ملجأَ من الله إِلا إِليه } "[التوبة: 118] ونجاة الساقى وقتل الخباز علمهما بالوحى أَو بأَمر من الله له لا يتخلف كإِلهام، وعلى كل حال هو قطعى، وعبر بالظن إِرخاءً للعنان وتأَدباً مع الله تعالى، ولا بأْس بهذا التأْدب مع أَنه جازم لأَن السامع لا يعلم أَنه وحى من الله، فيقول له: كيف لا تجزم مع أَنه من الله - عز وجل - وأَما بحسب الاجتهاد فى التعبير فالظن على بابه وضمير ظن ليوسف، وكنت أَستدل به على عدم وجوب الأَمر أَو إِذا جرت الصلة أَو الصفة أَو الحال أَو الخبر على غير ما هو له، وحكم هؤُلاءِ واحد، وإِن رددنا الضمير إِلى أَحدهما وهو الساقى جرت الصلة على ما هى له، ووجهه ظن الساقى أَنه ناج وأَنه لم يخن وأَنه هو الساقى قبل مع قول يوسف فيسقى ربه خمرا {اذْكُرْنِى} اذكر حالى {عِنْدَ ربِّكَ} سيدك الريان الملك، وقل له إِن فى السجن رجلا مظلوماً اسمه يوسف {فَأَنْسَاهُ} أَى أَنسى الساقى الناجى {الشَّيْطَانُ} تسبب له فى النسيان أَو فى الترك بأَن زين له عدم ذكر يوسف للملك، والمنسى حقيقة هو الله - عز وجل - {ذِْكْرَ ربِّهِ} ذكر يوسف لربه أَى لسيده وهو الريان، والهاءُ للناجى، وأَضاف الذكر إِلى ربه للملابسة، فإِن المراد أَنساه الشيطان ذكر يوسف إِلى ربه الريان وهو رب الساقى أَى سيده، فالمعرفة عين الأُولى كما هو الغالب، أَو الهاءَان ليوسف وهو قول الجمهور، فالمعرفة غير الأولى، فالرب فى ذكر ربه هو الله، ومعنى إِنساء الشيطان يوسف ذكر الله تسببه فى ذهوله عن ذكر الله إِلى ذكر الوليد حتى ابتغى الفرج من مخلوق، ذهولا وغفلةً فى تلك الحال المهولة من السجن، وليس فى قلبه أَن يكون شىءٌ بغير الله، فنقول ركن إِلى الله وحده وتسبب بالمخلوق وذكره الله منه ذلك لعلو مقامه، وأَطال حبسه فى السجن لذلك، وذلك قضاء أزلى، ولكنه خالق الأَسباب والمسببات {فَلَبِثَ} الفاء للسببية، لأَن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره - سبحانه وتعالى - باعته لإنسائه قال الله - عز وجل - من استنقذك من قتل إِخوتك؟؟ قال: أَنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب؟ قال: أَنت يا رب، قال: فمن استنقذك من المرأَة إذ همت بك؟ قال: أَنت يا رب، قال: فما بالك نسيتنى وذكرت آدمياً؟ قال: يا رب كلمة تكلم بها لسانى، قال - عز وجل - وعزتى لأَدخلنك فى السجن بضع سنين {فِى السِّجْنِ بِضعَ سِنِين} قطعة من السنين، يقال: بضعت الشىءَ قطعته، قيل عن ابن عباس: لبث اثنتى عشرة سنةً، ويرده أَن البضع كالنيف ما لم يستكمل عقداً، وقد شهر أَنه من الثلاث إِلى التسع، وقيل إِلى السبع، ونسب إِلى مجاهد، وقيل إِلى العشر؛ إِلآَّ أَنه روى عبد الله بن راشد البصرى عن سعيد بن أَبى عروبة: أَن البضع ما بين الخمس إِلى الاثنى عشر، وقيل لبث سبع سنين، خمساً منها قبل قوله: " اذكرنى عند ربك" واثنتان بعد ذلك، وصحح، وتقدم أَنهما دخلا مع يوسف السجن فى وقت واحد، فيكون الحلم أَو التحالم آخر الخمس أو أَول الاثنتين، فقوله لهما تخرجان بعد ثلاث بمعنى بعد ثلاث من حين التعبير، وعلى قول الاثنتى عشرة يكون اللبث قبل قوله: اذكرنى خمساً وبعده سبعاً، وفى رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك لم يلبث فى السجن سبعاً بعد الخمس" وهو حجة للقول بأنه لبث اثنتى عشرة؛ إِلآ أَن الحديث لم يصح، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم لم يأْخذه النوم لنملة وكان يطلب من يحرسه حتى جاءَ سعد فسمع غطيطه وأَقام الحرس حتى نزلت آية الأَمن: " { والله يعصمك من الناس } "[المائدة: 67] فقال: انصرفوا، وأَقام الرماة يوم بدر ويوم أَحد وليس من ذلك شىءٌ كقول يوسف: اذكرنى عند ربك، والمشهور أَنه لبث سبعاً وأَن الرؤيا من أَول السبع، وبه قال ابن جريج وقتادة، قال وهب بن منبه: حبس يوسف فى السجن سبع سنين وهو أَكثر الأَقوال، ومكث أَيوب فى البلاءِ سبع سنين، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين، ويزاد ابتلاءً بسنى يوسف السبع، والمشهور أَن الممسوخ لا يبقى أَكثر من ثلاثة أَيام، وقيل لبث فى السجن أَربع عشرة سنة، وبه قال الضحاك فقد لبث بعد الخمسة تسعا، كما لبث بعدها سبعاً، فى قول اللبث اثنتى عشرة، قال بعض: البضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله {وَقَالَ الْمَلِكُ} ملك مصر الريان ابن الوليد العمليقى حين قرب خروج يوسف من السجن بتمام العدد المذكور، فى الآية جواز تسمية المشرك ملكاً وهو المذكور فى أَخبار، وليس فى كتبه صلى الله عليه وسلم إِلى هرقل بلفظ عظيم الروم دون ملك الروم ما يمنع من ذلك، وإِلا فلا أَكثر من أَنه تنزيه لا تحريم، قيل: ووجه أَنه لا يتوهم استحقاقه للملك، ويعارض بأَنه يلزم استحقاق اسم العظمة وما تسميته ملكهم إِلآ معنى أَنه كبيرهم {إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} بلحم وشحم والواحدة سمينة ككريمة وكرام {يَأْكُلُهُنَّ} المضارع لحكاية الحال {سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ} وأَرى سبع {سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخرَ} سبعا أَخر {يابِسَاتٍ} رأَى فى منامه سبع بقرات خرجن من البحر سمانا وخرج بعدهن سبع بقرات فى غاية من الهزال فابتلعت العجاف السمان ولم تسمن العجاف بهن، ولا انتفخن ورأَى سبع سنبلات خضر الممتلئات ورأَى سبعا يابسات مدركات التوين على الخضر فزالت خضرتهن ولم تخضر اليابسات، فخاف مما رأى من تغلب الضعيف على القوى فجمع المنجمين والكهان والسحرة لذلك فقال ما ذكره الله عنه {يَا أَيُّهَا المْلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْياىَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ} هذا أَفصح من لغة التشديد، فلم يوفقهم الله إِلى العبر فيعبرها يوسف، وعبره سبب لخروجه من السجن بإٍذن الله مسبب الأَسباب، وأَخر نعت لسبع محذوفاً فهو منصوب أَى وسبعاً أَخر يابسات، وإِن عطف على سنبلات فالفتح جر وكونهن سبعاً يعلم من كون المعطوف عليه أُضيف إِليه سبع، وأَما أَن يعطف على سبعاً ويعلم أَنهن سبع بدليل لفظ سبع فتكلف لا فائدة فيه إِذ لا دليل فى كون العجاف سبعاً على كون السنبلات سبعاً، نعم يأْكلهن دلالة على أَن اليابسات مسلطة على الخضر بالالتواء عليهن، وإِزالة خضرتهن، كما سلطت السبع العجاف على السمان بالأَكل، والعجف الهزال، وقياسه عجف بالضم فإِسكان جمع عجفاءَ كحمراءَ وحمر، ولكن جيىءَ به مشاكلة لوزن سمان، وفيه أَنه جاءَ بعد هذا اللفظ بلا مجاوزة سمان، ويجاب بأَنه تبع للأَول مفعول لتعبرون جر باللام لضعف تعبرون فى العمل بتقديم المعمول، أَو ضمن تعبر معنى فعل لازم مثل: لا تنهض، والعبرة التنقل عن شىءٍ لشىءٍ أَى تنقلون من صورة الرؤْيا إِلى ما هو المقصود بها فتخبرونى به، وجواب أَن أَغنى عنه أَفتوتى فلا حاجة إلى تقدير إِن كنتم للرؤيا تعبرون،فاعبروها.