خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً
١٦
فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً
١٧
قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً
١٨
قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً
١٩
-مريم

تيسير التفسير

{واذْكُر} يا محمد للنَّاس {فى الكتابِ} فى هذه السورة، إذ صدرت بقصة زكرياء المستتبعة لقصة مريم، وقصص الأنبياء، كما تناسبت هذه السورة، وسورة الكهف فى الاشتمال على عجائب من أصحاب الكهف والجنتين، وقصة موسى والخضر وذى القرنين، وولادة يحيى وعيسى، ولا سيما ما قيل: إن أصحاب الكهف من قوم عيسى، وإنهم يبعثون ويحجون معه، والجمهور على أن الكتاب القرآن وهو المتبادر.
{مَرْيَم} أخبار مريم {إِذْ انْتَبَذَتْ} اعتزلت، قيل متعلق بأخبار الذى قدرته مضافاً لمريم، وقدر أبو حيان واذكر مريم، وما جرى إذ انتبذت، وهو أولى، لأن جرى أدل على الحديث من الأخبار جمع خبر، أو نبأ إن قدر بل لا يجوز تقدير نبأ أو أخبار، لأنه لا أخبار وقت الانتباذ، فلو قدر حوادث مريم لكان أولى لاختصاره، وظهور الحدث، وقيل: حال من نبأ المضاف لمريم أى اذكر نبأ مريم ثابتاً إذ انتبذت، وفيه أنه لم يثبت حين انتبذت كما مر، ويجوز أن يكون بدل اشتمال، ولو كان الزمان لا يخبر به عن الجثة، ولا توصف به ولا يجىء حالا منها، وقيل: بدل مطابق، وفيه أن وقت الانتباذ غير مريم وغير نبئها، والقول بأن إذ حرف مصدر على معنى التعليل أى لأن انتبذت تخليط.
{من أهْلها مكاناً شرقياً} متعلقان بانتبذت، وقيل مكاناً مفعول به لتضمن انتبذت معنى أتت، والمراد مكاناً شرقياً من بيت المقدس، أو من دارها تختلى به للعبادة، معتزلة عن الناس، وقيل قعدت فى مشرفة لتغتسل من الحيض متحجبة بحائط أو جبل عند ابن عباس، وبثوب عند بعض، وذلك كما قال الله عز وجل:
{فاتَّخذَت مِنْ دُونِهِمْ حجاباً} وكون المكان شرقياً اتفاقى لا قصد لها ولا تفضيل لعنة الله على النصارى، كتب الله عليهم الصلاة إلى الكعبة، والحج فما صرفهم عن ذلك إلا انتباذها من أهلها مكاناً شرقياً كما، أخرجه أن ابن أبى حاتم، عن ابن عباس، فجعلوا المشرق قبلة.
وروى أنهم كانوا فى زمان عيسى يستقبلون بيت المقدس، وما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه، وروى أنهم زعموا أنه ظهر لبعض كبرائِهم، فأمره بذلك، ويجوز أن الله اختار لها الشرق بقصدها أو بدونه، لأنه مطلع الشمس والقمر وغيرهما من الأنوار الحسية المطابقة للنور العقلى، وروى أن الشرق موضعها فى المسجد إذا طهرت، وإذا حاضت تحولت إلى خالتها، أتاها ملك فى صورة شاب أمرد، وضىء الوجه، حسن شعر الرأس، وذلك قوله عز وجل:
{فأرسلنا إليها رُوحَنا} جبريل عند الجمهور، سمى روحاً لأن الدين يحيا، والإِضافة للتشريف أو لحب الله إياه كما تقول لمن تحبه: هو روحى، وفى هذا أيضاً تشريف، أو لأنه من المقربين الذين لهم روح وريحان، وقيل: هو عيسى كقوله تعالى فى عيسى:
" { ورورح منه } " [النساء: 171] وفى الإضافة ما مرّ.
{فتمثَّل لَها} أى تمثل لها روحنا أى تصور لها {بشراً سوياً} كامل البنية والأدب، لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئاً، وقيل: تمثل فى صورة قريب لها يوسف من خدم بيت المقدس لتأنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته، ولو بدا لها على صورة ملك لنذرت فنقول لم يجىء إليها لتنحدر نطفة منها من صدرها إلى رحمها لتكون عيسى، فإن هذا خطأ كما يدل له قوله تعالى:
{قالَت إِنِّى أُعُوذ بالرَّحْمن منْكَ إِنْ كُنْت تَقيّاً} لله عز وجل حاذراً للزنى والمعاصى، وإِن لم تكن تقياً لم أطمع أن تؤثر فيك استعاذتى بالله، بأن ترهبها إلا أن يشاء الله، بمعنى أن تقواك مانعة من الفجور، وهذا تذكير، وهذا شاهد عدل على ورعها.
قلت: لا مانع من أن يرسله إليها لتنحدر من صدرها عند رؤيتها إياه ضرورة بلا اختيار منها، ولا ميل وذلك غير مناف للورع، إلا أنه بقى أن يقال: كون عيسى من نطفة جاءتها من نظر إلى غير زوجها نقص له حاشاه، ويقوى عدم النطفة ما ذكره الله من النفخ فى الدرع، ومن عادة المَلَك بفتح اللام إذا تمثل فى خير أن يتمثل بصورة حسنة كما كان جبريل يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى مصالحه صلى الله عليه وسلم بصورة دحية الكلبى، وما قيل إن معن عن جوابها وذلك أولى من أن تقدر إن كنت تقياً اتعظت، أو فاذهب عنى، أو فلا تتعرض لى، أو إن كنت تقياً تعوذت منك، فكيف إن لالم تكن تقياً.
ومن أن تجعل إن نافية مستأنفة أى ما كنت تقياً بحضورك عندى منفرداً، ومن أن تقياً رجل طالح حقيق بأن يستعاذ منه، أو صالح حقيق بأن تؤثر فيه الاستعاذة، وابتلاها الله عز وجل بصورة الجميل اختباراً لعفتها وإظهاراً لها، واستعاذتها بالله خوف أن يكون البشر السوى مريداً للزنى، وحذراً من اشتهائها الطبيعى، وهو لا ينافى ورعها، بل يحققه إذ غلبته، ولم تعمل به، وقد قال الله عز ولج عن يوسف عليه السلام:
" { وإلاَّ تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } " [يوسف: 33] وقال: " { وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه } " [يوسف: 24] وقفنا على همَّ أو وصلناه على أنه مما بعده، وذلك مع أنه من الطبع استعاذ منه فقال: " { معاذ الله إنه ربِّى أحسن مثواى } " [يوسف: 23] وكفر من قال: خلق شىء لا من شىء محال، وهو قول يوجب التسلسل، والتسلسل باطل مناف للقدرة، بل يخلق الله الشىء لا من شىء ويخلق منه ما يريد.
والملك جسم عظيم، لكن أقدر الله الملائكة على الانطواء، أو له أجزاء أصلية قليلة، تمثل بها، وأجزاء فاضلة أسقطها، وأما على أنه روحانى فلا إشكال فى أنه تارة بهيكل عظيم، وتارة بصغير، ولا يقال إجازة التمثيل يرفع الوثوق بكل ما نراه، فلعله غيره، لأنا نرى الشىء مستمراً، وأيضاً يعاد فى ذلك إلى نفس التخييل لعله غير تخييل، وإسناد الأشياء إلى الاتصالات الفلكية كفر قام الدليل القاطع على بطلانها، والعقل ولو أجاز التخييل لكن بطل بالمشاهدة، ودلائل الشرع، وذكرت الرحمن مبالغة فى الحذر، بأن يرحم ضعفها، وعجزها عن الدفع واستجال برحمة الله الدافعة، وعن ابن عباس لما قالت: أنى أعوذ بالرحمن الخ تبسم جبريل، فقال ما ذكر الله عز وجل فى قوله:
{قال إنَّما أنا رسُول ربِّك} ما أنا إلا رسول الذى ملك أمرك، ونظر مصلحتك الذى استعذت به لست من أهل الالشر {لأهَبَ} أنا بالهمزة {لك غلاماً زكياً} لأكون سبباً وواسطة فى هبته لك بالنفخ فى الدرع، أو لأهب بالياء فوق الإيمان أى ليهب الله لك، ودعوى أن الأصل الهمزة قلبت ياء لكسر ما قبلها تكلف بلا داع مع ما فيه من الإلباس، واللام على كل حال متعلق برسول، لأنه بمعنى مرسل، كأنه قيل: أرسلنى لأهب، أو ليهب، وإذا صير إلى التقدير فقدر جئت، أو أرسلت، وزكياً ينمو من خير إلى خير فوقه، وتقدم تفسيره، فإن هذا هو ذاك، ولا دلالة فى الآية على نبوة مريم، لأن تكلم جبريل لها ليس على طريق النبوة، وأيضاً لم يوح إليهما بشرع.