خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ
٥
لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ
٦
-طه

تيسير التفسير

{الرَّحْمن} مبتدأ خبره قوله: {عَلى العَرْش اسْتَوى} أو يقدر هو الرحمن، أو بدل من المستتر فى خلق على وضع الظاهر موضع المضمر، كأنه قيل تنزيلا ممن خلق الرحمن السماوات، برفع الرحمن تنزيلا منزلة رابط الصلة، كقوله: وأنت الذى فى رحمة الله أطمع، أى فى رحمته وما تقدم أولى، واستوى خبر ثان للرحمن إذا قدر: هو الرحمن، وعلى الإبدال يقدر هو استوى.
والعرش فى اللغة سرير الملك، وفى الشرع سرير ذو قوائم تحمله الملائكة عليهم السلام فوق السموات كالقبة، كما خلق الله الغار فى الجبل، وليس الله حالا فيه ولا فوقه، ومعنى استواءه على العرش أنه ملكه.
روى أن الحسن كان يعظ الناس فوقف عليهم أعرابى فقال: يا أبا سعيد أجلس ربنا على العرش، فغضب، فقال يزيد الرقاشى: يا أبا سعيد لقد رأينا صدر هذه الأمة يبغض أحدهم السؤال عن الله سبحانه وتعالى، ثم يجيب فأجب إن كان عندى جواب؟ فعرف الحسن أنه أساء، فقال الأعرابى: إياك أسأل يا يزيد رحمك الله، فقال: يالكع إنما يقوم من يمل القعود، ويقعد من يمل القيام، قال: فمتكىء هو؟ قال: إنما يتكىء من يمل القعود والقيام، قال: أمتصل هو بعرشه؟ قال: سبحان الله تباً لكم إنما يتصل بالمخلوق من هو مخلوق وأما الرب سبحانه فلا مثل له، ولا يتصل بشىء، ولا يمسه شىء، ولا يناله شىء، وهو أعز وأمنع أن يتنزل بحالة الاتصال، قال أفمنفصل هو؟ قال: إنما ينفصل ما يحد بحدود، ولا حد الله تعالى ولا غاية.
قال: سبحان الله هو لا قائم ولا قاعد، ولا متكىء ولا مضطجع، ولا متصل، ولا منفصل فكيف هو؟ قال: لا كيف له، ويحك أتدرى ما الكيف؟ قال: لا، قال: إنما الكيف فى الغائب إذا استوصف فيوجد له فى الحاضر، فيقول الواصف هو كذا أو مثل كذا، وأما الرب جل وعلا فلا مثل له فيما غاب، ولا فيما بقى، ولا يقال له كيف، ولا يُطلب بالكيف، إنما يراد بالكيف الشبه والعدل، والله تعالى ليس كمثله شىء.
وفى الصحيحين عن أبى سعيد:
"جاء يهودى الى النبى صلى الله عليه وسلم يشكو صحابياً لطم وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: لم لطمت وجهه؟ فقال سمعته يقول: والذى اصطفى موسى على البشر، فغضبت وقلت: يا خبيث اصطفاه على محمد، فلطمته غيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدرى أفاق قبلى، أم جوزى بصعقة الطور" فذكر للعرش قوائم، وإنما نهى عن التخيير قبل أن ينزل عليه أنه سيد ولد آدم، وأنه إمام الأنبياء، ونبيهم ونحو ذلك فى أحاديث.
وانظر أى تخيير فى الحديث فكأنه فهم أن اليهودى أثبت الرسالة لسيدنا محمد الى غير اليهود، وفضل موسى عليه، والصحابى أراد تخييره صلى الله عليه وسلم على موسى عليه السلام، وهو على قدر سعة السماء السابعة، فيكون ما رواه أبو ذر من غيره أن الكرسى فيه كحلقة فى فلاة، والسموات والأرض فى الكرسى كحلقة باعتبار علو قبته، وزعمت طائفة من المتكلمين أن العرش محيط بالعالم كله من كل جهة، وأنه الفلك الأطلس، والفلك التاسع، ويرده ما صح بالقرآن أن الملائكة تحمله، وما جاء عن جابر بن عبدالله أن العرش اهتز لموت سعد بن معاذ، والفلك التاسع عند هؤلاء متحرك دائماً حركة متشابهة، وقد يجاب بأنه تحرك يوم مات حركة زائدة، وحمل حركته له على الاستبشار، يحتاج الى دليل، وأى دليل على أن الأفلاك تسعة. وأن التاسع أطلس، وتفسير العرش بالملك ينافيه حمل الملائكة له، وحديث أخذ موسى بقائمة منه، وحديث اهتزاز العرش لموت سعد، وحديث خلق الله الخلق، وكتب فى كتاب: أن رحمتى سبقت غضبى، وضعه فوق العرش، وأنه خارج عن خطاب العرب فى الظاهر، ولو كانت تعرف أيضاً العرش بمعنى الملك فيصير تارة الى تفسيره بالسرير المذكور الشرعى، وتارة الى تفسيره بالملك، وهذا خلاف الظاهر.
واستواء الله على هذا الجسم العظيم ملكه إياه تعالى الله عن الحلول، ونحمل آيات القرآن على ظاهرها إلا ما يوجب التشبيه، فناوله، وروى عن على بن أبى طالب الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، لأنه تعالى كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان، وهو كلام حق إلا قوله السؤال عنه بدعة، فلعله موضوع، وشهر قوله: السؤال بدعة عن مالك فى الرؤية، وحسن جداً قول على: هو على ما كان قبل أن يخلق المكان، وقد نفى به وبقوله التكييف غير معقول إمكان الاستواء المعقول، ورجع الى معنى الملك.
ومذهبنا ومذهب أبى الحسن الأشعرى، تأويل المتشابه، وكانت مالكية المغرب ينزهون الله عن ظاهر المتشابه، ويعرضون عن تأويله الى أن ظهر محمد بن تومر مهدى الموحدين فى صدر المائة السادسة، خرج الى المشرق فأخذ التأويل عن علماء مذهب أبى الحسن الأشعرى، ثم عاد الى المغرب، فنشر به تأويل المتشابه بما فى كلام العرب من التفنن والمجاز، فسمى أتباعه موحدين، تعريضاً بأن مخالفيهم بعدم التأويل بالوقف إيمانهم كلا إيمان، وهلك من أبقاها على ظاهرها، وزاد بلا كيف وقدم على العش على متعلقه للفاصلة، ويبعد أن يكون فاعل استوى هو ما من قوله تعالى:
{له ما فى السَّماوات وما فى الأرض} فيتعلق باستوى، ويكون على العرش خبراً للرحمن، فيكون قوله تعالى:
{ ثم استوى الى السماء } [البقرة: 29، فصلت: 11] أى استقام له ما فى السموات، وكذا يبعد أن المعنى استوى إليه ما فى السموات الخ، لا يكون شىء أقرب إليه من آخر، وإن أراد قائل ذلك الخروج عن التشبيه، فقد كفاه التأويل بالاستيلاء، وإلا فما يقول فى دعواه إن الرحمن على العرش، ولا بد له من التأويل فيه، لأنه لم يجعل الخبر استوى.
والصواب أن له خبر لما وقدم للحصر أى له لا لغيره، استقلالا، ولا شركة ما فيهما ملكاً وتصرفاً وخلقاً.
{وما بَيْنهما} كالسحاب والهواء، والريح والطير التى لا تصل الأرض، والبحر وحوته، أرسل ملك بازاً وأطال، وجاء بحوت فاحضر عالماً وسأله فقال إن فى الجو بحراً والحوت منه {وما تحت الثَّرى} التراب كله، ومنقطعه، وذلك ما تحت الأرض السابعة، وهو صخرة خضراء كما رواه ابن عباس ومحمد بن كعب.
وقال جابر بن عبدالله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تحت الثرى؟ فقال: الماء، فقيل: وما تحت الماء، قال: ظلمة، قيل: فما تحت الظلمة؟ قال الهواء، قيل: فما تحت الهواء؟ قال الثرى، قيل فما تحت الثرى؟ قال انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، وعن ابن عباس: الأرضون على ظهر الثور، والثور على بحر، ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وفى الصخرة التى ذكرها الله تعالى فى سورة لقمان، وذكر بعض أن الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى، وقيل: الثرى التراب الذى دون أن يكون طيناً، ويجوز أن يكون المراد مطلق التراب بمعنى ما ستره التراب، فيكون قد ذكر ما على ظهر الأرض، وما فى بطنها.
والمراد أن ما ذكر فى الآية كله ملك له تعالى، ويجوز أن يكون المراد أن له علم ذلك، والأول المتبادر فيكون العلم فى قوله عز وجل.